هل تحدّ المساندة الحزبية من عفوية الاحتجاجات؟

هل تحدّ المساندة الحزبية من عفوية الاحتجاجات؟

السياسي المنجي الرحوي في إحدى الاحتجاجات الأخيرة (فيسبوك)

 

مقال رأي

 

تقترن كلمة الاحتجاج بمفردات تقع موقع الإضافة أو النعت، فتنهض بوظيفة الإيضاح والتخصيص والتصنيف والتبويب، كأن نتحدّث عن احتجاجات طلابيّة أو نقابية أو حقوقيّة أو مذهبية أو غيرها ممّا يُنسب إلى الطرف الذي يتزعّم التحركات أو يتبنى البيانات التي تكون مشحونة استنكارًا واعتراضًا ودفعًا نحو الإصلاح والتغيير.

تلك الاحتجاجات رغم ما قد تحظى به من متابعة وإثارة تظلّ أدنى حدّة واتساعًا وزحامًا وأفقًا ممّا اصطلح المحلّلون على تسميته الاحتجاجات الشعبيّة، فهي أخطر بالنسبة إلى النظام وهي أشدّ نجاعة وأقدر على تغيير الأوضاع كما يراها الراسخون في النضال الاجتماعي الميداني. ومن آيات التأكيد على أهميتها حجمًا وامتدادًا وتأثير نعتها بالثورة أو الانتفاضة.

لسنا نبالغ إن قلنا إنّ النظام بصرف النظر عن طبيعته ومرجعيته تُفزعه تحركات شعبية عفويّة يشارك فيها المئات ولا ترهبه احتجاجات "مليونية" منظمة تقودها أحزاب أو منظمات

لسنا نبالغ إن قلنا إنّ النظام بصرف النظر عن طبيعته ومرجعيته تُفزعه تحركات شعبية عفويّة يشارك فيها المئات ولا ترهبه احتجاجات "مليونية" منظمة تقودها أحزاب أو منظمات، لأنّ الأولى قابلة للاتساع والانفجار والثانية تحمل بذور التراجع والتقلص حتى إن كانت بدايتها ضخمة، وهو ما دفعنا إلى التساؤل: هل تحدّ المساندة الحزبية من عفوية الاحتجاجات الشعبية ونجاعتها؟.

اقرأ/ي أيضًا: سردية اللعب في ليالي جانفي الطويلة..

الحقيقة لا تحتاج إلى قائد أو مزمار

الفقر والخصاصة في العديد من المدن والأحياء التونسية حقيقة جليّة لا تحتاج إلى الرصد والإحصاء لوصفها وتحديدها ولا تقتضي المجاز والاستعارات لإظهارها وتضخيمها، وبناء على ذلك فإنّ المواطن في هذه الجهات لا ينتظر من يحفّزه على الاحتجاج أو يحرّضه على الرفض والاعتراض والتعبير عن السخط والامتعاض.

وبصرف النظر إن كانت هذه التحركات السلمية فرديّة أو في مجموعة ضيقة أو في تنسيقيات واسعة وسواء كانت ليلية أو في وضح النهار فهي في الغالب تلقائية عفوية دافعها صادق قويّ لا ينكره إلا المداهنون والمغالطون والمسكونون بالأنانية والوصولية والمطمئنون على مصيرهم ومصير أبنائهم بفضل ما اكتنزوه من غنائم وما وفره لهم موروث الحيف الاجتماعي و"الخبزة الباردة" أي الرزق المضمون الذي لا يحتاج إلى جهد أو معاناة غير الاجتهاد في ضمان "الاستقرار المسموم" المساهم في  تأبيد الفقر والتهميش.

الاحتجاج المتواتر والمتصاعد في الأحياء الشعبية طبيعي تلقائي مشروع وما يدعم هذه القراءة أنّ النظام نفسه ممثلاً في سلطاته التشريعية والتنفيذية قد اعترف بوجاهة المطالب

الاحتجاج المتواتر والمتصاعد في الأحياء الشعبية طبيعي تلقائيّ مشروع وما يدعم هذه القراءة أنّ النظام نفسه ممثلاً في سلطاته التشريعية والتنفيذية قد اعترف بوجاهة المطالب بملفوظ يردّد صدى عبارة "فهمتكم" التي كررها زين العابدين بن علي الرئيس الأسبق في خطاب توجّه به إلى الشباب المنتفض ساعات قبل فراره خشية المدّ الثوريّ.

الاحتجاجات الاجتماعية حينما تكون عفوية صادقة تملك شروط النجاح والنجاعة لسببين على الأقل الأولّ يتمثل في جوهرية المطالب أي التطلع إلى الكرامة مأكلاً ومشربًا وصحّة وتعليمًا وتشغيلاً وعدالة تنموية وهي مقاصد أساسيّة قلّما تجد من يتردّد في مساندتها، أمّا السبب الثاني فهو خلو الاحتجاجات الاجتماعية من أسباب الاختلاف والانشقاق، فالخبر والماء والدواء والطريق المعبد والمدرسة وغيرها من الحاجات الأساسية عناوين جامعة مؤلفة بين قلوب البسطاء والمفقرين وأصواتهم وسواعدهم يقبل على مساندتها الجميع مهما تباينت القنوات التي منها نهلوا مراجع التحزب وحوانيت الانتماء.  

يظلّ هؤلاء منسجمين متحدين متناغمين عروتهم الوثقى قضيتهم العادلة التي لا تحتاج إلى أيّ سند في التعبئة والتحفيز، فالحقيقة إذا كانت ساطعة شفافة نقية أصبحت في غنى عن القائد والمزمار، ذاك شأنها حتّى يدخل عليهما المتحزبون والمتأدلجون وتجار المصالح حينها لن يجني هؤلاء الطيبون الحفاة سوى الوعود والخيبات والكلمات.

تخلو الاحتجاجات الاجتماعية غالبًا من أسباب الاختلاف والانشقاق، فالخبر والماء والدواء والطريق المعبد والمدرسة وغيرها من الحاجات الأساسية عناوين جامعة مؤلفة 

اقرأ/ي أيضًا: 10 سنوات على الثورة.. حتى لا يبقى "المصعد" معطّلًا

من طلب الزيادة وقع في النقصان

تنطلق شرارة الاحتجاجات الاجتماعية في صدق وعفويّة، فتتسع شيئًا فشيئًا ويلتحق بها فتيان الأحياء وشبابها وكهولها ونسائها وشيوخها من البيوت والحانات والأسواق والمساجد ودور الثقافة والمكتبات والمدارس والجامعات وبيوت الدعارة والملاعب الرياضيّة والأنهج والأزقة والزوايا ومن كلّ حدب وصوب، فينادي في الحاضرين مناد، أيتها الجماهير العريضة، أيها المناضلون الصادقون نحن قادرون على إسقاط النظام وبلوغ مطالبنا، وحتى نستطيع إدراك هذا الهدف الأسمى حريّ بنا الاستئناس برأي المناضل فلان والاستنجاد ببعض المنظمات والأحزاب فهؤلاء أقدر على التعبئة والتنظيم. 

يستبشر المحتجون بهذه المشورة، ولكن هيهات، فمن  طلب الزيادة وقع في النقصان، إذ سرعان ما تلتحق بذاك الحراك الشعبي أجسام إيديولوجية صلبة متكلسة، فيستأثر قادتها بمنصات الإفتاء والتوجيه ومجالس التخطيط والتدبير، حينئذ تبدأ الخلافات وينشأ التخوين والتنابز، وينحرف الخطاب عن معالجة هموم "الآن والهنا" إلى التصدّي لمشاغل موغلة في التعقيد والغموض ويُعرض المتجادلون عن المسائل الواضحة المحكمة القريبة وينصرفون إلى القضايا المتشابهة الغريبة.

سرعان ما تلتحق بالحراك الشعبي أجسام إيديولوجية صلبة متكلسة، فيستأثر قادتها بمنصات الإفتاء والتوجيه ومجالس التخطيط والتدبير، حينئذ تبدأ الخلافات وينشأ التخوين والتنابز

في تلك اللحظة المطلبية يرفض المحتجّ الصادق الصافي الحديث في اختلاف المذاهب وفي حقّ المثليين وفي سيرة صدام والخميني وليين وفي حقيقة الإخوان وملابسات الاستعمار وعهد الأمان، تلك المسائل في رأي طالب الكرامة والتشغيل لا تتناسب مع المقام الاحتجاجي الآنيّ وبصرف النظر عن إلزامية طرحها فهي لا تليق إلا في مجالس تعليمية وحجاجية تنحو منحى العمق والدقة يرتادها الميسورون  والمترفون المتنعمون ومن هم عن نداء الواقع الراهن معرضون مترفعون. 

هذه القراءة تفضي إلى نتيجتين على الأول:

الأولى مفادها أنّ الأحزاب والمنظمات دورها يظلّ في كلّ الأحوال إصلاحيًا تمارسه عبر الانتخابات والاحتجاجات السلمية وقوة الاقتراحات وهذا ما نلمسه على سبيل المثال في العديد من مبادرات الاتحاد العام التونسي للشغل بصرف النظر عن مواقف عدد من قياداته ومناضليه.

النتيجة الثانية تتصل بالمسارات الثورية الشعبية التي تتعطّل لثلاثة أسباب إمّا لأن المطالب تفتقر إلى الواقعية والموضوعية أو حينما تسارع الحكومات بتقديم حلول تحمل شروط تحققها تخطيطًا وتمويلاً  وإنجازًا، وقد تفشل الثورة عندما تتقاذفها ألسن المتحزبين والمتأدلجين والنفعيين والمتطرفين.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

المشيشي وتحويره: من وسادة القصر إلى وسادة البرلمان

تونس بين حوار "سعيّد/الطبوبي" وتحوير المشيشي