هشام جعيّط مثقفاً عضويًا

هشام جعيّط مثقفاً عضويًا

هو مثقف مركب لا يقبل بالثنائيات الإطلاقية

 

مقال رأي

 

توفي مؤخرًا مؤرخ ومفكر تونسي هو من أكثر مؤرخي البلاد ومفكريها جودة. هشام جعيّط، بهدوء وتأن وطول نفس ترك أثرًا عميقاً، ربما لا ندرك جله الآن.

ربما إن فكرت في نعي الرجل فلا أستطيع إلا أن أتلمس المحطات التي شهدته فيها شخصيًا. سأنطلق من أول مناسبة حضرت فيها محفلاً شارك فيه. كان ذلك قبل ذهابي إلى الجامعة، كلية 9 أفريل قسم التاريخ. أيام العدوان الثلاثيني على العراق عندما تأسست لجنة شعبية لصد العدوان على العراق كان منسقها والدي، وترأسها شرفيًا هشام جعيّط.

كان الاجتماع في مقر "التجمع الاشتراكي التقدمي" (لاحقًا الحزب الديمقراطي التقدمي) المعارض. كان صيت الرجل سابقاً له وكنت منغمسًا في كتب التاريخ منذ ذلك الوقت. كان بهيبته وصمته وضخامته يصنع هالة حوله. لم يتكلم كثيرًا لكنه كان حازمًا في الموقف، أن ما يحصل ليس مجرد معركة حول السلطة، وأن استهداف المعنى الحضاري للعراق نقطة رئيسية في سردية الحرب. كانت معركته المعرفية والسياسية بمعنى ما هي أساسًا معركة تفكيك السرديات. لكن لم أعلم حينها بعد أن الرجل يُشع بصيت كبير، يتجاوز سياقه الحضاري.

أقرت أستاذة التاريخ الإسلامي الدانمركية-الأمريكية باتريسيا كروون أن "جعيّط أفضل مؤرخ أنتجه العرب في عصرنا"

بعد ذلك بسنوات طويلة، سنة 2004 (عندما كنت أدرس في قسم الدكتوراه في جامعة بنسلفانيا) سجلت في درس مصغر (graduate seminar) لأستاذة التاريخ الإسلامي الدانمركية-الأمريكية والمثيرة للجدل Patricia Crone، عندما كانت أستاذة مقيمة في أعرق مؤسسة أكاديمية مثلما هو حال كبار الباحثين الذين تقاعدوا Institute for Advanced Study، وقامت بدروس خاصة في الجامعات القريبة من برنستون. 

كانت الأخيرة إحدى رائدات مدرسة "المراجعات" التي انطلقت في السبعينيات ومثلت موجة جديدة من استشراق القرن التاسع عشر وواجهت تلك الموجة نقاشًا وردودًا عميقة من داخل الأكاديميا الغربية.

اقرأ/ي أيضًا: إطلاق اسم المفكر والمؤرخ هشام جعيّط على مكتبة البرلمان التونسي

في حصص الدرس الذي حضرته مع مجموعة صغيرة من الطلبة الأمريكيين والبريطانيين،  كان النقاش محتدمًا وكانت كروون المعروفة بحماستها منفتحة على مختلف الانتقادات. من جهتي، كان أهم مراجعي للمحاججة كتابي أستاذي الذي تركته فريسة لقرار التقاعد ومن ثمة مشاعر الإحباط، هشام جعيط... الكوفة والفتنة. لم تكن كروون وهي من هي عادة ضعيفة أمام حجج الآخرين، وربما شهدت أحد اللحظات النادرة في مسيرتها عندما أقرت أن "جعيّط أفضل مؤرخ أنتجه العرب في عصرنا".

كانت أيضًا لحظة فخر بالنسبة لي وسط سياق أكاديمي يهيمن عليه نوعًا ما الإسهام الغربي. أحد أشهر مقاطع محاججة جعيط لكروون لاحقًا كان في كتاب "السيرة" خاصة رفضه حججها حول "التجارة المكية".

كان جعيّط يعيش الإحباط بسبب سعي نظام بن علي لمحاصرته والتضييق عليه وأهم وسائله في ذلك كانت محاولة إعدامه معرفيًا برفض التمديد له وتأجيل التقاعد

لدي قصص أخرى عن الدكتور جعيط، خاصة عندما كنا نسيّر ناد للتاريخ في كلية 9 أفريل في قحط التسعينيات ونحاول عبره طرح الجدال السياسي عبر التاريخ، وكان يشجعنا باستمرار. رغم أنه كان يعيش الإحباط بسبب سعي النظام لمحاصرته والتضييق عليه أهم وسائله في ذلك كانت محاولة إعدامه معرفيًا، برفض التمديد له وتأجيل التقاعد. كان ذلك قرارًا سياسيًا مثلما كانت قرارات نقلة المدرسين والقضاة. أساليب تدعو للخجل والاحتقار.

ولهذا أهم صفة بقيت في ذهني أنه كان فعلاً مثقفًا عضويًا. لم يمارس الأكاديميا مع تجاهل واقعه. كان من بين أول من نبه بأن بن علي مستبد في مقال مشهور سنة 1988، وعانى بسبب ذلك مضايقات وضيم كثيرين.

هنا آتي إلى محور كتاباته في القضايا الحضارية الكبرى خاصة كتابه المبكر حول "أوروبا والإسلام"، الذي فكك فيه التعارض الموهوم بين كتلتين جامدتين وبين كيف أن بعض أوروبا وبعض الإسلام بينهما صلات وعلاقات أقوى بكثير بين بعض الإسلام وبعض الإسلام، وبعض أوروبا وبعض أوروبا. لا يرتاح الرجل للهوية المغلقة والثابتة. هو مثقف مركب لا يقبل بالثنائيات الإطلاقية.

كان فعلاً مثقفًا عضويًا. ولم يمارس الأكاديميا مع تجاهل واقعه وكان من بين أول من نبه بأن بن علي مستبد في مقال مشهور سنة 1988 وعانى بسبب ذلك

هنا يأتي مثلاً مؤلفه التأليفي الأخير وباكورة عمله المعرفي أي "السيرة"، حيث تخلص من الالتزام الحرفي بمنهجية المؤرخ وحاول أن يسائل بلا قيود لكن بكثير من التأني والهدوء عمق الروايات. لم يكن يرتاح للمصادر "المبكرة" لهذا محصها  وفككها وجاهد في الريبة منها لكن لم يدحضها ويلقها تمامًا في سلة المهملات مثلما فعلت مدرسة "المراجعات" وكان هذا مشكله الأساسي معها.

اقرأ/ي أيضًا: شخصيات وطنية تنعى القامة العلمية والفكرية هشام جعيط

أترك الخاتمة لما بعد الثورة حيث لم يحظ الرجل بتكريم من الدولة إلا بتعيينه على رأس أكبر مؤسسة بحثية رسمية اعتبارية أي "بيت الحكمة". كان ذلك "التعيين" الرسمي الوحيد في حياته، ولم يحصل عليه إلا في سياق الدولة الديمقراطية الناشئة التي بقي مؤمنًا بضرورتها وواجه بشجاعة جزءًا مهمًا من وسطه الأكاديمي والاجتماعي الذي حاول ترذيلها.

لم يحظ الرجل بتكريم من الدولة بعد الثورة إلا بتعيينه على رأس أكبر مؤسسة بحثية رسمية اعتبارية أي "بيت الحكمة" لفترة

أتذكر جيدًا موقفه في انتخابات 2014 وكيف واجه هجمات كبيرة بسبب دعمه لترشح الرئيس المرزوقي في مواجهة "البلدي" العتيق الباجي قائد السبسي، الذي يرتبط بأواصر عائلية مع آل جعيّط في محيط مدينة المرسى. لم ينخرط في المعارك الهووية الطاحنة رغم علمانيته المؤكدة وبقي يركز على أولوية الصراع السياسي من أجل إرساء دولة ديمقراطية تفيد شعبها.

رحم الله هشام جعيط قدوة للمعرفة والثقافة العميقة والنوعية لكن أيضًا الملتحمة بواقعها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هشام جعيّط وآخرون يتحدثون.. ماذا ننتظر من قمة تونس؟

الساحة الفكرية التونسية تفقد المؤرخ والمفكر هشام جعيط