28-سبتمبر-2022
شبه أمية تلاميذ

رئيس جمعية جودة التعليم: مكمن الخلل يبدأ عند اختيار المدرسين أولًا (getty)

 

كان حديث وزير التربية فتحي السلاوتي يومًا قبل بداية السنة الدراسية 2022-2023 عن ضعف التحصيل العلمي للتلاميذ التونسيين، محبطًا لدى الكثيرين وعقلانيًا لدى آخرين. لكنه يعكس حجم المفارقة التي يعيشها التلميذ التونسي، ومن ورائه أجيال ظلت تعيش على وقع ذكريات الكتاب واللوحة والكراس والمحفظة التي يتداول على حملها أبناء العائلة الواحدة.

وزير التربية: 83% من تلاميذ النوفيام و75% من تلاميذ السيزيام في حالة شبه أمية

أرقام وزارة التربية تؤكد أن قرابة 75% من تلاميذ السنة السادسة ابتدائي "السيزيام" و83% من تلاميذ السنة التاسعة من التعليم الأساسي "النوفيام"، هم في حالة شبه أمية. الأمر الذي يطرح أكثر من سؤال عن التحصيل العلمي في المنظومة التربوية التونسية.

  • ماذا عن تكوين المدرسين؟

يقول الدكتور رضا ساسي الخبير الدولي في التربية والتعليم في تصريح لـ"الترا تونس"، إن تشخيص التحصيل العلمي للأطفال ينطلق من المخرجات ذات الطابع الأكاديمي والمعرفي والسلوكي والاجتماعي وكل ما يتعلق بالمهارات، وهي منظومة ترتكز بالأساس على إدخال المعارف ويقوم المدرسون بتدريسها بطرائق مختلفة، ثم تأتي المناظرات الوطنية لنتفاجأ عندها بنتائج هزيلة.

وأشار ساسي إلى أن الخلل بالأساس يعود إلى البرامج، وقد يكون في منظومة الانتدابات التي بدأت تخضع للعشوائية بعد غلق مدارس ترشيح المعلمين منذ تسعينات القرن الماضي. من جهة أخرى يقول ساسي إن نظام التقييم الذي لا يسمح بالرسوب والذي يمكّن التلميذ من الارتقاء من مرحلة إلى أخرى بشكل آلي، أضر بالتعليم والمتعلمين الذين تحولوا بعد ذلك إلى الجامعة وتخرجوا كمعلمين وأساتذة، على حد تقديره.

  • بين العمومي والخاص

ويعرف نظام التعليم في تونس تفاوتًا في السرعات بين تعليم خاص يقدم في جزء منه خدمات تعليمية وفق منطق العرض والطلب والمنافسة، وبين تعليم عمومي يعاني مشكل الحوكمة والجودة، وأثر ذلك بشكل واضح في نتائج المناظرات الوطنية، حيث تقدمت المدارس الخاصة في نسبة الناجحين في مناظرة الالتحاق بالمدارس الإعدادية النموذجية بنسبة 69.30%، بينما لم تتجاوز 33% في المدارس العمومية.

رضا ساسي (خبير دولي في التربية والتعليم) لـ"الترا تونس": خلل المنظومة التربوية التونسية يعود بالأساس إلى البرامج وفي منظومة انتدابات المدرّسين التي بدأت تخضع للعشوائية

وفي هذا السياق، يقول الدكتور رضا ساسي إن المدارس الخاصة تنتدب معلمين أنهوا الخدمة في القطاع العام أو يملكون الحق في التدريس لمدة محددة هناك، وهم معلمون يهتمون فقط بتدريس مادة الرياضيات في هذه المدارس، مما يمكن التلميذ من جودة تعليم أفضل، ويبرز ذلك في النتائج النهائية التي تعطي أفضلية للقطاع الخاص خاصة في المناظرات.

ومن أسباب هذه النتائج أيضًا، هو "التدخل العشوائي للأطراف الاجتماعية حتى في طريقة تقييم المدرّس، فأحيانًا يعد المتفقد تقريرًا في معلّم لم يقم بواجبه ومن الغد تجد أن هناك من يدافع عنه حتى وهو مخطئ" وفق رضا ساسي، الذي يشير في المقابل إلى قوى ضغط تعمل داخل وزارة التربية لها صلة بالنقابات، تحاول التحكم في إصلاح التربية والتعليم.

  • فقر التعلم

وتعاني الأسرة التونسية مع بداية كل سنة دراسية من نفس المشاكل المتكررة، منها نقص المدرسين في عدد من المؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى الصراع المتواصل بين وزارة التربية والنقابات التعليمية التي تؤثر في كثير من الأحيان على المناخ التعليمي ونوعية التحصيل العلمي.

رضا ساسي (خبير دولي في التربية والتعليم) لـ"الترا تونس": هناك قوى ضغط داخل وزارة التربية لها صلة بالنقابات، تحاول التحكم في إصلاح التربية والتعليم

رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم سليم قاسم صرح لـ"الترا تونس"، أن ما يوصف بشبه الأمية لدى تلاميذ السنوات السادسة والتاسعة هو ما يعرف بظاهرة "فقر التعلم"وسبق أن تحدثت عنها تقارير اليونيسيف والبنك الدولي واليونيسكو، وهي ظاهرة يمكن اعتبارها عامة على الأقل في المنطقة العربية، فالتقييمات الدولية والتي يتم إنجازها وتشارك فيها أكثر من تسعين دولة، تُجمع وفق تقديره على أن مستوى مكتسبات التلاميذ في ارتباط أساسي بنوعية المعلم. وهذا ما يفسر ما يقال إنه كانت لدينا سابقًا كتب وأدوات بسيطة وقليلة واليوم لدينا كتب وبرامج متعددة ومتطورة ولكن النتيجة سلبية بشكل موحش ومزعج إلى أبعد الحدود، فالعيب حسب رأيه ليس في المناهج فقط، بل أيضًا في نوعية المدرّس الذي كان يتمتع بتكوين متين في دور المعلمين، وهو تكوين يشمل الجانب البيداغوجي والمعرفي والمهاري وتُكسبه ما يسمى "العقيدة التربوية" وفق وصفه.

  • تكوين المدرسين!

وحول مكمن الخلل، يقول قاسم إنه يحدث عند مستويين اثنين: أولًا عند اختيار المدرسين، ثمّ عدم إجراء التكوين والتأطير اللازمين بعد الاختيار. وأضاف: "حتى حلقات التكوين المستمر أغلبها حلقات صورية تعمل على الكمّ دون أن يتم تطبيق داخل هذه الحلقات ما يُطلب من المعلم أن يطبّقه مع تلامذته".

سليم قاسم (رئيس جمعية جودة التعليم) لـ"الترا تونس": ما يوصف بـ"شبه الأمية" هي ظاهرة تحدثت عنها تقارير أممية تسمّى "فقر التعلم"، والعيب ليس في المناهج فقط

من جهة أخرى، يؤكد قاسم أن أفضل الدول على مستوى النتائج هي التي لديها أفضل المدرّسين بالإضافة إلى البنية الأساسية، مؤكدًا أن "المنظومة التربوية ككل لا تقيّم ذاتها بذاتها، فهي منظومة تقييم التلميذ في الامتحانات، وتخرج بعد ذلك للحديث عن شبه أمية وتقيّم المعلم وترسل إليه المتفقد وتسند إليه تقييمًا معينًا، في حين أنه من الأجدى أن تقوم المنظومة التعليمية بتقييم ذاتي، والدليل على ذلك أن نفس الأشخاص الذين كانوا يقنعوننا بمشروع معين،  يتحوّلون للدفاع عن مشروع مخالف تمامًا عندما يتغير الوزير"، وفق تقديره.

  • طريقة مشوهة

وقد شرعت تونس في تطبيق نظام المقاربة بالكفايات منذ سنة 1997 بدعم من اليونيسيف والبنك العالمي، وهو مرحلة من مراحل متعددة فيما يعرف بإصلاح طريقة التعلم، لكن الكثيرين ينتقدون هذه الطريقة.

سليم قاسم يؤكد في هذا السياق، أنه تم تشويه هذه الطريقة عبر "تونستها"، كما تم اعتماد طريقة تدريس اللغات بما يعرف بالطريقة الكلية، ليتم تشويهها، وفقه. وقال: "هذه أدلة على أن هناك اضطرابًا كبيرًا وفوضى في أخذ القرار وليس هناك مرافقة للمعلم، فالكل تحدث في الآونة الأخيرة عن كتاب السنة الثالثة فرنسية للتعليم الأساسي، وهو كتاب جديد وتم من خلاله تغيير طريقة التدريس، ولم يتم إنجاز كتاب المعلم الذي من خلاله سيقدم المعلومات لتلميذه ولم يتم تكوينه".

سليم قاسم (رئيس جمعية جودة التعليم) لـ"الترا تونس": نحن في منظومة التلميذ المسكين والولي المسكين والمدرّس المسكين وثلاثتهم ضحية منظومة دون حوكمة

ويمضي قاسم بالقول إن "المحتويات المكثفة هي نتيجة لسوء الحوكمة، حيث يتم تكليف لجان لإعداد الكتب المدرسية وهي لجان تعمل في عزلة تامة عن بقية اللجان التي بصدد وضع بقية البرامج والكتب في غياب قيادة، وهو ما يقدم لنا كمًا هائلًا من المعطيات التي يعجز التلميذ عن هضمها واستيعابها، وبعد مدة يتم أخذ قرار التخفيف الذي يتلخص في إلغاء جزء من الكتاب ورميه. وفي النهاية نحن في منظومة التلميذ المسكين والولي المسكين والمدرّس المسكين وثلاثتهم ضحية منظومة دون حوكمة" حسب تعبيره.

وأثبتت نتائج بعض المواد الأساسية في المناظرات الوطنية في السنة الدراسية الماضية عجز 71% من تلامذة السنة السادسة من التعليم الأساسي عن الحصول على المعدل في مادة الحساب، وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول نجاعة طريقة التدريس وقدرتها تطوير معارف التلاميذ رغم الكم الهائل من المواد والبرامج.