من سيقود عالم ما بعد الكورونا؟

من سيقود عالم ما بعد الكورونا؟

تساؤلات عن عالم ما بعد كورونا (جيتي)

 

مقال رأي

 

منذ آلاف السنين، كانت الأسطورة والخرافة، إلى جانب التطور البيولوجي والمعرفي، من أسباب التقدم والنمو في الحضارة الإنسانية. هذه "الحقائق الخيالية" أو "الأوهام الشرعية" لا تزال أسسًا للعديد من الأيديولوجيات والأنظمة والتوجهات. فلولا "رع" و"أمون"، ما كان لفرعون أن يستوي على عرش أو يستقيم له ملك، ولولا "لإلهام" ما نظم الشعراء أشعارهم ولا الموسيقيون ألحانهم، ومازال البشر ينسجون الخيالات لتسند ما يستنبطون من الأفكار في إطار سعيهم الأبدي إما نحو السلطة أو السعادة وما إلى ذلك من رغبات.

هل قامت الشيوعية العالمية بالمراجعة والتقييم بما يتطلبه ذلك من نقد ذاتي؟ أخيرًا، هل يحدق الخطر حقًا بالنظام العالمي الحالي؟

يتوالى التهليل منذ أشهر من المبشرين بانهيار النظام العالمي وتخلخل أسس الرأسمالية جراء جائحة كورونا التي شلت الحركة في جميع الأنحاء. ومع انهيار أسعار العقود الآجلة للنفط الأمريكي قبل أيام من حلول شهر رمضان الكريم، اعتبر البعض ذلك أيضًا مسمار آخر يدق في نعش الرأسمالية، وعاود البعض الحلم بتوحيد مسلمي الأرض تحت راية خلافة أثبتت فشلها في مهدها إذ تحولت منذ السنوات الأولى إلى وراثة على شاكلة فارسية مخضبة ببعض الاستشارات والبيعات تحت أنظار البعض ممن شهدوا بيعة "سقيفة بني ساعدة". أما آخرون، فقد بادروا بالدعوة إلى حشد الرفاق وحفر الخنادق تحضيرًا للانتقام ممن الكمبرادور المغتصب للحلم الشيوعي الأممي والحال أن بعض العمال الساخطين ممن شاركوا في إسقاط جدار برلين وتفكك الاتحاد لازالوا بيننا.

اقرأ/ي أيضًا: ما بعد الكورونا؟ توقعات متضادة

الحلم حق مشروع، وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، ولكن تبقى أسئلة كثيرة عالقة بدون إجابة: مثلًا، ماذا أعد هؤلاء، وأيديولوجياتهم، ليحلوا محل الرأسمالية إن انقضى أجلها؟ هل بتت الديانات، وعلى رأسها الإسلام، في الكثير من القضايا المعاصرة؟ هل قامت الشيوعية العالمية بالمراجعة والتقييم بما يتطلبه ذلك من نقد ذاتي؟ أخيرًا، هل يحدق الخطر حقًا بالنظام العالمي الحالي؟

أضغاث أحلام وهرطقة صبيان

منذ إعلان الجائحة من طرف منظمة الصحة العالمية ودعوتها إلى جملة من الإجراءات الوقائية وتقدم قادتها لإدارة الأزمة في شكل وزارة صحة عالمية، وأنا أتساءل كيف سيتعامل الاتحاد السوفياتي مثلًا، لو تواصل وجوده، مع المنظمة باعتبارها الذراع الصحي للجسم الرأسمالي الغربي بقيادة وتمويل الولايات المتحدة وحلفائها. تراه هل كان سيمتثل لتعليماتها بخصوص الشفافية الإعلامية والتباعد الاجتماعي، ناهيك عن الحجر الصحي العام والشلل الاقتصادي؟ صراحة، أشك في أن قيادة الحزب في موسكو، وعلى راسها الأمين العام ميخائيل غورباتشوف مثلًا، ستمتثل! بل أرجح أنها ستذهب في اتجاه تفنيد ذلك مكابرة ورفضًا لتلقي التوجيهات من "أحفاد الإمبريالية الكليانيين" كلف ذلك ما كلف.

خطر ببالي وأنا أكتب هذه السطور أغنية للشيخ إمام حيث يقول في مطلعها: "عن موضوع الفول واللحمة..."، حيث يشير الشيخ بكلمات الشاعر أحمد فؤاد نجم إلى توظيف السلطة لكوادرها الطبية لإقناع الجماهير "علميا" بتناول الفول في ظل عجز سياسة الحكومة الاشتراكية المصرية حينها عن توفير مقومات الحياة الأساسية. إن التكتم والتزييف جوهريان في إيديولوجيات الأنظمة "التوتليارية"، وهو ما يفسر كتمان الصين لحقيقة الفيروس، حسب تدوينة منظمة الصحة العالمية، إلى أن فضحها تساقط الجثث في أوروبا.

 أرى أن على الماركسية العالمية عمومًا، والتونسية خاصة، أن تستيقظ من أحلامها الوردية ببروليتاريا غنية وبمثالية خيالية والمضي في مراجعة وتجديد نفسها

قرأت مرة أن لينين سئل عن تعريف مختصر للشيوعية فقال حرفيًا: الشيوعية هي القوة لمجالس العمال، ثم أضاف مع الكهربة العامة، ونقصد هنا بتوفير الكهرباء لكل الناس حتى يستمعوا للراديو أين يلقي الرفاق القادة خطبهم عن دحر الطبقية وهدم الدولة وإهداء السلطة للجماهير الكادحة حتى لو استوجب ذلك سلب الحريات كلها وتوحيد مصدر المعلومة، وجمع السلطات كلها في يد أفراد الأمانة العامة للحزب ومن رافقهم. ومن ذلك نستنتج أنه لا يمكن تطبيق الشيوعية في القرن 15 مثلًا، حيث لا كهرباء ولا راديو، كما لا يمكن تطبيقها الآن في القرن 21، فالكهرباء متاحة لكن الراديوهات بالآلاف بالإضافة لكل أنواع وسائل الإعلام التقليدية والعصرية، فلا سبيل هاهنا لتنويم الشعوب بمثاليات السلطة الشعبية ولا بإلهائها بحرب "مثلجة" مع العدو الرأسمالي المتربص.

ليس الهدف هما نقد الشيوعية وإنجيلها الماركسي ولا القديس إنجلز، لكن كما قال برتراند راسل في نقده لاشتراكية البلاشفة: "حقيقة أن كثيرًا من العمال سيفضّلون التصويت لصالح رأسمالي كاثوليكي ضد نظيره الاشتراكي الملحد ليست نتاجًا للتزييف الرأسمالي لوعي العمال فقط، وإنما قد تكون لرغبة حقيقية لدى العامل في تغليب عقيدته على المصلحة المادية". مما يعني أن المادية التاريخية للفلسفة الماركسية وأن يحسب لها مساهمتها في تحرير المرأة نسبيًا، فإنها أغفلت العديد من الحقائق كالقومية لأنها حبكت قبل أن تطلع على العلوم الجينية والأنثروبولوجية (علم تطور الإنسان) التي تطورت بعد إتمام وحي كارل ماركس.

قبل أن نختم هذا الجزء، أرى أن على الماركسية العالمية عمومًا، والتونسية خاصة، أن تستيقظ من أحلامها الوردية ببروليتاريا غنية وبمثالية خيالية والمضي في مراجعة وتجديد نفسها بعيدًا عن جدليات الماضي قبل أن تطحنها عجلة التاريخ وتخطأها الطبيعة في انتقاءها، فتندثر نتيجة عدم القدرة على التأقلم والتغيير كحال فلسفات عديدة قد انقرضت.

دعوات لم تتجاوز المحراب

من جهة أخرى، نرى أن الإسلاميين ينتظرون أيضًا انهيار الرأسمالية النظام الحالي لتصفية حسابات بقيت عالقة منذ أفول نجم الخلافة العثمانية مطلع القرن الماضي. فمنذ الإغلاق النهائي للباب العالي وحتى قبل ذلك، ظهرت العديد من التيارات والتوجهات والحركات الإسلامية في مختلف أرجاء الأمة محاولين استرجاع أمجاد الماضي بمختلف الطرق فلماذا فشلت جميعها؟

من أبرز مشاكل العالم العربي، حسب المفكر هشام جعيط، أنه لا يزال يرزح تحت خلافات فكرية وعقائدية وفلسفية تاريخية حول عدة مفاهيم كالدولة والخلافة، وما يفترضه ذلك من أنظمة سياسية حسب ما يتناسب وهياكل الحكم، أضف إلى ذلك غياب النصوص والتشريعات اللازمة ومدى تداخل النص القرآني فيها وهل يشمل الحديث أم لا وماهي حدود الاجتهاد، هذا بالطبع إذا ألغينا الاختلافات المذهبية.

اقرأ/ي أيضًا: "خلق لينتهز".. مبدأ تجاري أم منوال اقتصادي؟

تتخبط النخب الإسلامية منذ ما يناهز القرن من جهة بين اشتراكية مسلمة منكهة بماركسية مخففة كالتي دعا إليها علي شريعتي باختزال كاريكاتوري في إيران، و لكن تجربته سحقت سريعا لعدم ملائمتها مع المكان و الزمان. ومن جهة أخرى بين ما ذهب إليه ميشال عفلق وإخوانه من أفكار قومية بوجدان إسلامي ووجه عروبي ثم ما لبثت إلا أن اندثرت الفكرة على صدى الهزائم العربية في حروب تحرير فلسطين. وعندها أو قبلها برز الإسلاميون، بقيادة سيد قطب وحسن البنا من مصر ومحمد إقبال في الهند، كبديل تصحيحي يدعو لإعادة الخلافة ومازالوا كذلك منذ نصف قرن فيما يشبه الظواهر صوتية، دعاة إلى أفكار طوباوية دون أي اتصال حقيقي بالواقع، دون أن ننسى الوهابية بسلفيتها وتناقضاتها.

وإن كان يحسب للحضارة الإسلامية دورها في العديد من المجالات العلمية والأدبية كالفلك والرياضيات والفلسفة الكلاسيكية والترجمة، فإنه وبدون بناء فكري وفلسفي عميق متين ومعاصر، ستظل الحركات الإسلامية بألوانها عرضة للكثير من الانتقادات نتيجة عجزها عن إعطاء مواقف وإجابات واضحة لقضايا معاصرة كالنسوية والهندسة الجينية والذكاء الاصطناعي، ناهيك عن تمثيل الأقليات ومشاركتها في الحكم، وماهية مقاربتها للتعامل مع معضلة المناخ وتغيراته. في الواقع، أظن أن أغلب التيارات الإسلامية تفقد سبب وجودها الجوهري بمجرد أن تضعها في مضمار الديموقراطية بعد أن تنزع عنها ثوب "ضحية النظام" الذي دفعها إلى العنف في بعض تاريخها، فلا يبقى لها إلا ما استقر في وجدان الشعوب من تقديس للدين.

بل يمكن اعتبار أن الدولة الوطنية، بنسختها العربية المشوهة بالدكتاتورية، قد أهدت الإسلاميين نضالًا وشرعية عبر معاداتهم والتنكيل بهم طيلة القرن الماضي. والحال أنهم فشلوا، كليًا في مصر وجزئيًا في تونس، في إرساء نموذج نظام واضح للحكم إبان موجة الربيع العربي، وذهبوا إلى المجاراة والاكتفاء بالتسيير والإدارة. ما يطرح تساؤلات عمّا أعدته هذه التيارات طيلة فترة نضالها من أفكار وأسس، وهل كانت فقط مجرد دعوات إلى أحلام وردية مثالية تستمد قوتها من وعود ميتافيزيقية!

آمل أن ينصت العالم إلى علماء المناخ الذين لا ينفكون من التحذير منذ سنين من جائحة بيئية في الأفق قد تحدو بنا إلى مصير الديناصورات

في النهاية، طالما عودتنا الرأسمالية بتجديد نفسها في كل مرة وتجديد أدواتها. فالإرادة الحرة، بما تحتويه من سعي نحو القوة، كانت دائمًا حاضرة وراء تمويل رحلة بيجل التي ركبها داروين. كانت أيضًا حاضرة حينما احتضن جي بي مورغان أفكار توماس أديسون بفطرته الإستثمارية. فالشيوعية التقليدية التي عجزت عن حل مشكلة الخبز في أحياء موسكو، لن تقدر، إذا ما حلت مكان الرأسمالية اليوم، من أن تطعم ملايين البطون حول العالم، بطون ألفت من الطعام اللذيذ بدل المغذي. كما أن الخلافة التي رفضت يومًا تعميم آلات الطباعة خوفًا من تحريف القرآن الكريم، لن تتسامح مع من يستمع إلى ألحان تشايكوفسكي بماهيته الجنسية، فضلًا عما ستفرضه من قيود على الروح الفنية فتعدمها.

قبل أن أختم، أود الإشارة لأننا هنا ليس للترافع عن الرأسمالية، فهي السبب الأول لهذا اللغط، بتهاونها في التعامل مع الأزمة الحالية وما ستؤول إليه الأوضاع. كما أنها تحمل وزر حفيدتها النيوليبرالية، حسب الفيلسوف بيير بورديو، في تدمير الهياكل الجماعية القادرة على نقد ومراجعة عقيدة السوق الحر، والتي أنتجت ثقافة الاستهلاك المرضية والمستنزفة لموارد الكوكب، ناهيك عن عجز النخب عن التفكير في بديل منقذ.

أخيرًا، تتصاعد الدعوات من كبار المفكرين والفلاسفة المعاصرين، من الموالين للرأسمالية الحالية والمعارضين، إلى القيام بمراجعات فكرية للعديد من الإجراءات والممارسات الرأسمالية، مما يوحي بـ"رأسمالية اجتماعية" مستقبلًا على الشاكلة الأوروبية. في الأثناء، انتشرت نداءات أيضًا للعودة لاعتماد نظام "الدولة الوطنية" التقليدية بما يعنيه ذلك من انغلاق وتحديات للعولمة، وما يفترضه ذلك من انكماش للاقتصاد العالمي.

بعيدًا عن هذا كله وكما أنصتنا جميعًا إلى علماء الفيروسات في تحذيرهم من كورونا، آمل أن ينصت العالم إلى علماء المناخ الذين لا ينفكون من التحذير منذ سنين من جائحة بيئية في الأفق قد تحدو بنا إلى مصير الديناصورات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كورونا.. امتحان جماعي في ديمقراطية ناشئة

العلاقات الدولية والكورونا