"خلق لينتهز".. مبدأ تجاري أم منوال اقتصادي؟

بعض رجال الأعمال هذه الأيام يرون الجائحة فرصة لتكوين الثروة (صورة تقريبية/ getty)

 

مقال رأي

 

قالها سارتر ذات مرة "يموت الفقراء عندما يشن الأغنياء الحرب". لا يشك عاقل في التداعيات الاقتصادية الخطيرة لما يسمى "حربًا على الكورونا"، حرب نوعية وبمفهوم جديد لم يعهده أحد من قبل ولا سمعنا بها في روايات الأولين، حيث أقفل كل شيء وشلّت كل أنواع الحركة الاقتصادية والطبيعية حول العالم وبقي القطاع الصحي هو الاستثناء الوحيد.

يبدو أن آفة هذه البلاد أبناؤها. لم يكد مشهد رئيس منظمة الأعراف في مداخلته التلفزيونية بداية الحجر يوم 25 مارس/ آذار الفارط، وهو يعدد فضائل منظمته وأفرادها على البلاد والعباد، يمحى من الأذهان حتى فاجأتنا المنظمة ذاتها ليلة 15 أفريل/ نيسان الجاري ببيان على صفحتها على موقع فيسبوك، يحتوي على مجموعة من نقاط قالت إنها محتوى اتفاق جمعها مع اتحاد الشغل ووزارة الشؤون الاجتماعية، في حين أنكر الاتحاد ذلك، والحال أن محضر الاتفاق المبرم لم يحو حقًا ما ذكر من نقاط وما كانت تلك إلا أمانيهم.

فماذا نفهم من بيان المنظمة؟ ثم ما الدور الحقيقي لمجموعة رجال الأعمال عمومًا؟ وكيف كان دور رجال الأعمال التونسيين مقارنة بنظرائهم حول العالم، إن صحت المقاربة، في مجابهة الجائحة؟

مستثمرون "مضامون"... بين الخرافة والحقيقة

أتذكر جيدًا يوم حدثنا أستاذ التاريخ في المعهد عن الآثار الرومانية في معلم دقّة قائلًا "كل ما ترونه في ذلك الموقع التاريخي من معالم ثقافية ودينية هو استثمار خاص من أثرياء الجهة حينها". ما أبعد اليوم عن البارحة، فبين من استثمروا "دم قلوبهم"، كما يسمون أموالهم عادة، في التأسيس لحضارة بقيت ماثلة إلى يوم الناس هذا تحدثنا عن زمن كان الأغنياء يتنافسون في سبيل المصلحة العامة ولو ظاهريًا، ورجال أعمال هذه الأيام ممن يرون الجائحة فرصة لتكوين الثروة في مشهد يذكرنا بأغنياء "ماركيز" في رواياته.

لم يتوان رئيس منظمة الأعراف سمير ماجول عند ظهوره، كما ذكرت، في بداية الحجر الصحي عن تعداد "كرامات" الرأسمال التونسي الخاص وفضله على البلاد والعباد في شكل أثار استياء المهتمين بالشأن العام بخطاب استعلائي إقطاعي منكّه بما يشبه "المن"، بما يعنيه ذلك من تفضلهم على الوطن عمومًا والعمال خصوصًا، والأدهى والأمر أن ذلك تم بمساعدة "زبانية" الإعلام الحاضرين معه وكأنها حفلة أخرى من حفلات زواج المال بالإعلام، فما مدى صحة هذه الادعاءات؟

ما أبعد اليوم عن البارحة، فبين من استثمروا "دم قلوبهم"، كما يسمون أموالهم عادة، في التأسيس لحضارة بقيت ماثلة إلى يوم الناس هذا، ورجال أعمال هذه الأيام ممن يرون الجائحة فرصة لتكوين الثروة في مشهد يذكرنا بأغنياء "ماركيز" في رواياته

أولًا، لا يتوانى هؤلاء الفقراء الأغنياء في تهويل أثر الجباية والمساهمات الاجتماعية في كل مرة، ولكن فلنعتبر من أرقام 2019، حيث بلغت الحوافز الجبائية، حسب موقع البوصلة، تقريبًا 2.700 مليون دينار، أضف إلى ذلك ديون للصناديق الاجتماعية بقيمة 4.000 مليون دينار، في حين بلغت أرباح الشركات المدرجة بالبورصة 18.000 مليون دينار، تقريبًا نصف ميزانية البلاد. أفلا يستحون؟

قبل أن أوغل في الأرقام، ولتقريب الصورة للقارئ حول حجم الأرقام، فإن ميزانية البلاد سنة 2019 كانت حوالي 40.000 مليون دينار، والناتج الداخلي الخام حوالي 120.000 مليون دينار. إذن فكما نرى فإن أرباح الشركات الكبرى بلغت سبع ناتج البلاد مجتمعة.

ثانيًا، لا ينفك هؤلاء الإقطاعيون، على لسان، "المعلّم" بالعامية، سمير ماجول، بالتذكير "بمنهم" أيضًا على خزينة البلاد بالعملة الصعبة وبدورهم في صناعة الثروة، زاعمين أنه لم نكن لنقدر على شراء أي شيء من الخارج لولا ما يوفرونه من عملة، وما هذه إلا أساطير الأولين!

لن أذهب في طرح ماركسي في القول إن العمال بمختلف أدوارهم هم من يصنعون الثروة، فهذا جلي عمومًا وفي الحالة التونسية خصوصًا، ولكن نظرة بسيطة على ميزان الدفوعات لسنة 2018 تكفي لتبيّن أن ثلاثة أرباع صادراتنا، حوالي 40.000 مليون دينار، هي للشركات الأجنبية المنظوية تحت "القانون 72" أو "الأوف-شور"، وأن رأس المال الوطني بسياحته المدعمة وعلب الطماطم، فخر الصناعات الغذائية، يجتمعون فيتمخضون عن 4.000 مليون دينار يتيمة، بينما يقوم القطاع الفلاحي المنكوب بتعديل الميزان مبادلات التجارية، وقوامه 60.000 مليون دينار، عبر التمر والقواص والزيت، بالإضافة إلى الفسفاط وتحويلات التونسيين بالخارج بتوفير 10.000 مليون دينار، أفلا يستحون؟

إن المتضرر الحقيقي هم أولئك الباعثون الشبان وأصحاب المهن الحرة ورجال الأعمال الحقيقيون، المنظوون قسريًا لنيل رخص للأنشطة الحرة، تحت تلك المنظمة، والذي يتخذهم "المعلّم" كذريعة في ابتزازه للحكومة والشعب لتمكين أحبابه

ثالثًا، يوهمون الرأي العام بأنهم مستثمرون مجازفون في استبلاه واستخفاف بعقول الناس. "مقاولون للشركات العالمية"، هكذا وصفهم كريم بسباس في مقاله لمن أراد الأرقام، حيث أوغل في نسف ما يدعون، فبين شركات المناولة ووكالات السيارات، إلى محلات الملابس الجاهزة وضغطهم المتواصل للتضييق على تجارة "الفريب" عبر نوابهم بالبرلمان وأحبابهم بالإدارة، ثم لا ننسى عادة الأجداد في امتلاك المقاهي، ثم المضي في استغلال شباب ألقى بهم الفقر بين براثنهم فأمعنوا في ابتزازهم بعقود شغل هشة وجرايات مهينة. فأي مجازفة وأي ريادة وأي استثمار وأي تجديد؟؟ حقًا لا تستحون!

أخيرًا، إن المتضرر الحقيقي هم أولئك الباعثون الشبان وأصحاب المهن الحرة ورجال الأعمال الحقيقيون، المنظوون قسريًا لنيل رخص للأنشطة الحرة، تحت تلك المنظمة التي اتخذت مع الأسف شكل النقابة، والذي يتخذهم "المعلّم" كذريعة في ابتزازه للحكومة والشعب لتمكين أحبابه، "المستكرشين الكبار" من إعفاءات ضريبية وهبات وحوافز، في سعي محموم "للتغويص" قدر الإمكان.

رجال أعمال... أم "عمايل"؟

"نحن عائلة مليونيرة ولكن والدي مات يتمنى شيئًا مجانيًا: الهواء"، هكذا قالت ابنة المليونير الإسباني "أنتونيو بييرا" في تدوينتها مؤخرًا، حيث دعت الناس أيضًا إلى ملازمة البيوت، ولكن رواد مواقع التواصل الاجتماعي أبوا إلا أنو يستعملوا هذه التدوينة لتذكير الأغنياء بدورهم في مقاومة الجائحة والمساهمة فعليًا في الحرب على الكورونا عبر مواصلة صرف جرايات الموظفين والعمال ومعاضدة جهود الدولة.

"مصائب قوم عند قوم فوائد"، هذه هي القاعدة! فبالرجوع إلى الأحداث منذ مطلع مارس/ آذار الفارط، نرى كيف أن أحد المتنفذين وعضوًا بالبرلمان استغل قناة تلفزية خاصة تابعة لنفس اللوبي للضغط على الحكومة الـتي رفضت تمكينه من امتياز تصنيع مادة الكلوروكين، وكأنه أبى أن ننسى كارثة اللوالب القلبية الفاسدة الصادرة من مختبراته الخاصة. نفس هذه المختبرات هي نفسها كانت قد صنعت أدوية مخالفة للمواصفات، قامت وزارة الصحة بسحبها منذ عام. هذا وقد كانت الحقوقية لينا بن مهني قد أعربت قبل وفاتها عن شكوكها أن أحد الأدوية المسحوبة من قبل الوزارة قد ساهم في تعكير صحتها.

أينما تولي وجهك تجد آثار إجرامهم بادية.. وكأن كل فرد من هؤلاء الإقطاعيين أبى إلا أن يحاول منفردًا أن يقتص ما يراه حصته من "الكعكة"

أينما تولي وجهك تجد آثار إجرامهم بادية، وكأن كل فرد من هؤلاء الإقطاعيين أبى إلا أن يحاول منفردًا، أن يقتص ما يراه حصته من "الكعكة". فبعد أن أعلنت الحكومة عن تحضيرات للإعادة التدريجية لنسق الحياة عبر نشر كراس شروط لمن أراد صناعة الكمامات وبيعها للصيدلية المركزية، والانطلاق بصفقة خص بها الوزير أحد رجال الأعمال، تبيّن لاحقًا، عبر ملاحقة نشطاء حقوقيين للموضوع وأولهم مريم البريبري، أن الأمر كله قد دبر بليل!

فقد أحيل الملف بمؤيداته إلى وكيل الجمهوية بعد ثبوت شبهات الفساد في الصفقة حسب ما دونه القاضي بالمحكمة الإدارية محمد العيادي يوم 16 أفريل/ نيسان 2020. والطريف في الموضوع أن الوزير المعني نفى علمه بأن رجل الأعمال الغانم للصفقة هو نائب بالبرلمان، كما أن الأخير نفى علمه أيضًا بأنه ممنوع من الإتجار مع الدولة بموجب قانون التصريح بالمكاسب ومقاومة الإثراء غير المشروع، أي مهزلة واستغفال!

يأتي هذا بعد يوم من صدور بيان منظمة الأعراف الذي سبق الإشارة له والذي يمكن أن نفهم منه أنها ترغب في تحميل تكلفة الحجر الصحي المالية والشلل الاقتصادي على العمال بمختلف فئاتهم عبر اقتطاع ما سبق من أيام قضاها الناس في بيوتهم توقيًا وحيطة، من العطل المدفوعة والحوافز ومكافأة آخر السنة. فماهي مساهمتهم؟

ما هو دورهم بعد تلك المساهمات الضئيلة المحتشمة في صندوق مقاومة وباء الكورونا؟ هل يعتبرون نقص أرباحهم جزئيًا في فترة ركود اقتصادي عالمي خسارة؟ هل هم واعون بأن النظام يمكن أن يسقط وينهار؟ ماذا سينفعهم ما يكنزون حينها؟ هل يعلمون أنه لولا الحجر لانتقل لأغلبهم الوباء؟ تساؤلات استنكارية كثيرة في الحقيقة تنضوي جميع إجاباتها تحت الجشع والطمع واللامسؤولية حيث لم يبق لهؤلاء إلا اللعب بالخبز المقدس حسب تعبير الرسام الإسباني سلفادور دالي.

المطلوب من هؤلاء حاليًا هو الكف عن النقيق والالتزام أخلاقيًا وماديًا تجاه الوطن وكفى

قبل أن أختم، أود أن أتساءل أيضًا لما لم يبادر هؤلاء للسوق العالمية وقد استعرت "حرب الكمامات" أيضًا؟ أليس ذلك مربحًا أكثر؟ لما لم يبادر هؤلاء لصنع الآلات الطبية بعد توفر تصاميمها من قبل مالكيها وفي ظل طلب رهيب وصل حد القرصنة العابرة للقارات؟ أم أن منطق "اللقمة الباردة" هو السائد؟ فبدل السعي في المنافسة العالمية يلهثون لنهب ما تبقى من هذا الوطن و"رزق البيليك"!

وفي النهاية، أتذكر مقت "صعلوك طنجة" محمد شكري للأغنياء في روايته "الخبز الحافي" وأعذره، ولا أملك إلا أن أدعو الحكومة إلى الصرامة وتحمل الأمانة، لكن مع الأسف هي أيضًا لم تتوان عن اعتماد الحلول السهلة عبر الاقتطاع من أجور الموظفين وهذا موضوع آخر!

إذن ربما هي شهوة المال والربح، ربما هو حب السلطان والسلطة، مبررات كثيرة كانت لتقبل وتكون عادية لو كانت في ظروف أخرى، ولكن لا أحد باستطاعته أن يمن على هذا الشعب الذي يعطي من ضرائبه في كل مرة لجدولة ديون البنوك التي نهبت والشركات للعمومية التي أفلست عمدًا من أجل عيون القطاع الخاص، فالمطلوب من هؤلاء حاليًا هو الكف عن النقيق والالتزام أخلاقيًا وماديًا تجاه الوطن وكفى، ومن استعصى عليه إدراك خطورة الوضع فليتذكر سيناريوهات أفلام "التطهير-ذو بيرج".

 

اقرأ/ي أيضًا:

ميتتان لموتى كورونا

الحجر الصحي العام... إلى متى؟