21-نوفمبر-2021

لا يزال الجدل متواصلًا منذ إصدار قانون المالية التكميلي لسنة 2021 الذي جاء في شكل مرسوم غير قابل للطعن(صورة توضيحية/ Getty)

 

لا يزال الجدل متواصلًا منذ إصدار قانون المالية التكميلي لسنة 2021 الذي جاء في شكل مرسوم باعتبار مقتضيات الفصل 5 من الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 سبتمبر/أيلول 2021 والمتعلق بالتدابير الاستثنائية.

هذا المرسوم عارضته حركة النهضة واعتبرت مخرجاته "غير دستورية" ''بطريقة أحادية في علامة جديدة على نزعة التفرد بالسلطة وإلغاء كل مؤسسات الدولة''، حسب ما جاء في نص البيان الذي أصدره مكتبها التنفيذي يوم الجمعة 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

ولئن نشرت وزارة المالية مرسوم قانون المالية التعديلي فإنها لم تعلن رسميًا عن حجم ميزانية الدولة لسنة 2022، كما أنها لم تفصح عن مقتضيات مشروع قانون المالية لسنة 2022.

اقرأ/ي أيضًا: صدور قانون المالية التكميلي 2021 بمرسوم رئاسي: عجز بـ9.7 مليار دينار

ولتحليل مضمون هذا القانون، تواصلت "الترا تونس" مع عدد من الخبراء الاقتصاديين، جمّعت قراءاتهم المختلفة في هذا التقرير.

  • سعيدان: "40% من الميزانية مموّلة من القروض ولا يوجد أي اقتصاد في العالم قادر على تحمل هذه الأوضاع" 

اعتبر المختص في الشأن الاقتصادي عزالدين سعيدان، في تصريح لـ"الترا تونس" أن الغطاء القانوني لقانون المالية التكميلي موجود في ظلّ الوضع الاستثنائي الذي تعيشه الدولة وتجميد عمل مجلس نواب الشعب.

ولفهم وضع المالية العمومية أكد سعيدان أنه وجب العودة لميزانية 2010 كسنة مرجعية، حيث كانت تقدر الميزانية بـ 18 مليار دينار ربعها مخصص للاستثمار العمومي (بنية تحتية، طرقات، مدارس، مستشفيات..)، بالإضافة لعجز يبلغ 1٪ من الناتج الداخلي الإجمالي. وقد تحولت اليوم لوضع مغاير تمامًا، إذ تضاعفت الميزانية أكثر من ثلاث مرات وأصبحت النسبة المخصصة للاستثمار العمومي 2%، أما العجز فبلغ 9.8 مليار دينار أي ما يقارب 9% من الناتج الداخلي الإجمالي.

وفي علاقة بأسباب ارتفاع الميزانية بأكثر من 4 مليار دينار في قانون المالية التكميلي لسنة 2021، يرجح المختص في الاقتصاد أن ذلك يعود للسياسات التي وقع اتباعها منذ سنة 2012 والتي أهملت الاقتصاد الحقيقي ودخلت في نفقات لا يمكن تحملها، مضيفًا أنه منذ حكومة "الترويكا" وقع اتباع سياسة "go and stop" والمتمثلة في فتح النفقات العمومية للإنعاش الاقتصادي من ثم الفرملة ومحاولة الحد من اختلال التوازن الذي خلقته هذه السياسة الكارثية، على حد تعبيره.

واعتبر عز الدين سعيدان أن هذا الوضع الحالي لا يطاق وأنه لا يوجد أي اقتصاد في العالم قادر على تحمل هذه الأوضاع التي أدت لمستوى دين عمومي غير مسبوق في تاريخ تونس انجرّت عنه مراجعة التصنيف الائتماني (قدرة الاقتصاد على تسديد ديونه) إلى الأدنى تسع مرات متتالية.

سعيدان لـ"الترا تونس": حاجيات الدولة للاقتراض الإضافي الجديد ارتفعت من 18.6 مليار دينار إلى 21.1 مليار دينار وبذلك يصبح 40% من الميزانية ممولًا من القروض، وهو أمر خطير جدًا ويحوصل وضعية المالية العمومية اليوم

ويقول سعيدان إن الميزانية الأصلية كانت مبنية على فرضيات مغلوطة وغير واقعية منها احتساب سعر برميل النفط بـ45 دولارًا بينما بينت كل الدراسات والتحاليل أن هناك انتعاشة اقتصادية قوية بعد موجة كوفيد 19 ستتسبب في ارتفاع سعر كل المواد الأولية منها النفط. أما الفرضية الأخرى غير المنطقية فهي اعتماد نسبة نمو 4%.

وفي علاقة بتعبئة عجز الميزانية، يفسر محدث "الترا تونس" أن حاجيات الدولة للاقتراض الإضافي الجديد ارتفعت من 18.6 مليار دينار (13 مليار دينار من الخارج و5.6 مليار دينار  من الداخل) إلى 21.1 مليار دينار وذلك بسبب ارتفاع حاجيات الدولة وبذلك يصبح 40% من الميزانية ممولًا من القروض، وذلك خطير جدًا ويحوصل وضعية المالية العمومية اليوم، على حد قوله.

اقرأ/ي أيضًا: الدين الخارجي: خرافة "الإفلاس" والسيناريوهات المفترضة من خلال تجارب مقارنة

ويختم سعيدان قائلًا: "إن الحاجة للاقتراض من البنوك التونسية ارتفعت من 5.5 مليار دينار إلى 8.1 مليار دينار، لكن إمكانيات البنوك التونسية لا تصل لهذا المستوى لأن قدرة السوق على الاقراض لا تتجاوز 3 مليار دينار في أقصى الحالات. وهذا يعني أننا سنلتجئ إلى أسوأ وأخطر الحلول لتمويل الميزانية وهو ما يسمى planche à billet أو إصدار العملة المركزية وهو ما سيتسبب في مشاكل منها التضخم المالي ومزيد تدني القدرة الشرائية وهبوط قيمة العملة الوطنية مما سيؤدي إلى اختلال كل التوازنات الاقتصادية والمالية في تونس".

  • آرام بالحاج: "تعبئة الموارد الداخلية أو الخارجية شبه مستحيلة" 

ومن جهته، عبّر الأستاذ الجامعي والباحث في علم الاقتصاد آرام بالحاج عن تفاجئه من صدور مرسوم قانون المالية التكميلي لسنة 2021 دون أي نقاش مسبق ورجّح أن تكون عملية تطبيقه صعبة.

ويتضمن القانون، حسب آرام بالحاج، عديد الإشكاليات منها مسألة تعبئة الموارد في فترة ستة أسابيع التي تفصلنا عن سنة 2022، منها أنّ حجم الدين الداخلي كبير جدًا خاصة دون تسبقة من البنك المركزي، وهذا ما يطرح التساؤل في علاقة بموارد الاقتراض الداخلية. فأغلب القروض ستأتي إما عن طريق رقاع الخزينة أو عن طريق رقاع الخزينة القابلة للتنظير أو من القرض الرقاعي مرة أخرى أو من قروض البنوك بالعملة، على حد قوله. 

آرام بالحاج لـ"الترا تونس": لا مفر من اللجوء للبنك المركزي وستقع طباعة الدينار التونسي دون مقابل.. هذا الحل هو الوحيد المتاح في ظل شبه استحالة تعبئة الموارد الداخلية أو الخارجية قبل نهاية السنة

ويفسر بالباحث في علم الاقتصاد هذه الفرضيات قائلًا:" لا يوجد إشكال بالنسبة لقروض رقاع الخزينة سوى ارتفاع الضغط على السيولة البنكية وهو ما سيقلص من حجم الموارد الموجهة للاستثمار. أما بالنسبة لرقاع الخزينة القابلة للتنظير من الصعب تجميع المبلغ المتبقي والمقدر بـ 343 مليون دينار خاصة بعد التجربة الأخيرة مع البنوك والمتمثلة في تجميع مبلغ 160 مليون دينار لم يقع تحصيل سوى نصفهم بعد محاولتين فاشلتين، والحل هنا هو أن تخضع البنوك وتنخرط في هذة العملية. أما في علاقة بالقرض الوطني الرقاعي ففرضية إعادة العملية والتوجه مجددًا للمؤسسات صعبة خاصة وأن المبلغ المتبقي الذي تحتاجه الدولة في إطار القرض الرقاعي يقارب الألف مليون دينار. وأسهل الفرضيات هنا هو القرض الداخلي بالعملة".

وفي علاقة بموارد الاقتراض الخارجية، يؤكد محدث "الترا تونس" أنه لا يمكن تجميع مبلغ 5500 مليون دينار بالالتجاء للاتحاد الأوروبي والتعاون الألماني حيث يوضح الجدول أنه في إطار التعاون الثنائي نحتاج ثلاثة آلاف مليون دينار، مضيفًا أن السعودية والإمارات لن تقبلا التمويل إلا بشروط تعجيزية، على حد قوله.

ويلخص آرام بالحاج الأمر بأنه لا مفر من اللجوء للبنك المركزي وأنه سيقع طباعة الدينار التونسي دون مقابل، معتبرًا أن هذا الحل هو الوحيد المتاح في ظل شبه استحالة تعبئة الموارد الداخلية أو الخارجية قبل نهاية السنة، حسب رأيه.

  • الجودي:"إذا لم يقع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي فلن يقرضنا أحد" 

شبّه المختص في الشأن الاقتصادي معز الجودي قانون المالية التكميلي لسنة 2021 بـ"حساب عطّار" نظرًا لغياب تأطير للميزانية، واعتبره بلا روح ولا سياسات ولا توجهات ولا أهداف، مشيرًا إلى أنّ طريقة إصدار قانون المالية التكميلي غير متداولة وأن الإطار العادي يكون عبر المرور بمداولات مجلس النواب الذي منذ تجميده أصبحت الأمور لا تسير بطريقة عادية، على حد قوله. 

ويفسر الجودي أن هذا القانون تعديلي وليس بتكميلي إذ أنه وقع تعديل على مستوى الميزانية لأنها لم تكن تكفي، وتمت زيادة مبالغ القروض لتغطية العجز الذي وصل لـ 10 مليارات دينار وهو مبلغ كبير ومهول ما كان يجب أن يتجاوز 3٪ من الإنتاج المحلي الخام (4.3 مليار دينار)، على حد تعبيره.

الديماسي لـ"الترا تونس": لا يمكن الحصول على ما هو مبرمج من قروض خارجية والكارثة الكبرى هي اعتماد القروض الداخلية في ظل اقتصاد معدوم النمو.. نعيش مأزقًا حقيقيًا وإذا لم يقع حل هذه الإشكاليات سنصل إلى العجز التام

ويؤكد محدثنا أن ارتفاع مجموع القروض يعتبر ذهابًا للحلول السهلة المتمثلة في الاقتراض المشط والذي لم يعد سهلًا ومتاحًا سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي، معتبرًا أن الالتجاء للقروض الداخلية في الوضع الحالي مكلف ويؤدي إلى تجفيف السيولة وهو ما يمنع نمو اقتصاد الدولة.

اقرأ/ي أيضًا: صندوق النقد الدولي: تلقينا مؤخرًا طلب مساعدة من تونس والمباحثات متواصلة

ويضيف الجودي: "إذا لم يقع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي فلن يقرضنا أحد نظرًا لأن كل الممولين مرتبطون بالصندوق. وإن كنا في انتظار الجزائر أو دول الخليج لتغطية العجز فهذه ترهات وأحلام واهية."

ودعا الخبير الاقتصادي رئيسة الحكومة نجلاء بودن للخروج والحديث عن توجهات وتصورات حكومتها لقانون المالية 2022، خاتمًا حديثه بالقول إن: "على رئيس الجمهورية الحديث في الأمور الاقتصادية والمالية فالمسألة أعمق بكثير من مقاومة الفساد والصلح الجبائي والشركات الأهلية".

  • حسين الديماسي:"نعيش مأزقًا حقيقيًا وقد نصل للعجز التام" 

أكد الخبير الاقتصادي ووزير المالية الأسبق حسين الديماسي أن قانون المالية التكميلي لسنة 2021 لا يحلل إلا بالرجوع لقانون المالية لسنة 2020، وذلك لمعرفة السياسة المالية العمومية المتبعة سواء قبل 25 جويلية/يوليو 2021 أو بعدها. 

وأقرّ الديماسي بأن نفس الأخطاء تتكرر منذ ثورة 2011 وذلك بسبب عدم الأخذ بعين الاعتبار قدرة الدولة على تعبئة الموارد الذاتية للميزانية والمواصلة في نسق متصاعد سريع غير عقلاني وغير منطقي في النفقات والنتيجة هي أن العجز بقي في مستوى مفزع، على حد تعبيره. 

ووصف محدثنا ارتفاع النفقات بـ4 مليارات دينار بالمخيف خاصة وأن ثلاثة أرباعها موجهة لنفقات الدعم خاصة المحروقات بسبب التوقع الخاطئ لسعر برميل النفط وهذا ما أثقل كاهل الميزانية.

أما في علاقة بالموارد غير الذاتية للميزانية، أكد وزير المالية الأسبق أنه لا يمكن الحصول على ما هو مبرمج من قروض خارجية وأن الكارثة الكبرى هي اعتماد القروض الداخلية في ظل اقتصاد معدوم النمو، مضيفًا: "نعيش مأزقًا حقيقيًا وأتمنى أن تجد الحكومة مخرجًا لأنه إذا لم يقع حل هذه الإشكاليات سنصل إلى العجز التام".

 

اقرأ/ي أيضًا:

قانون المالية التعديلي 2021.. أرقام وملاحظات

فيديو: أرقام حمراء في مشروع قانون المالية 2021

أيّ "تقشف" يدعو إليه الرئيس سعيّد؟