ماذا وراء الدعوات لحل البرلمان وإسقاط الحكومة في تونس؟

ماذا وراء الدعوات لحل البرلمان وإسقاط الحكومة في تونس؟

لا أصداء على أرض الواقع لهذه المطالب ولا تحركات اجتماعية وشعبية تبلورها

 

تفاجأ رواد مواقع التواصل الاجتماعي في تونس، خلال الأسبوع الأول من شهر ماي/ آيار 2020، بدعوات أطلقها البعض لما أسموها "ثورة الجياع"، ترتكز على حل البرلمان الحالي والأحزاب ومحاسبتها، وإسقاط الحكومة وتعليق العمل بالدستور ومراجعة عديد القوانين وإعادة صياغتها والمصادقة عليها باستفتاء شعبي وغير ذلك من المطالب، والتي أُدرج بعضها في وثيقة روج لها بعض النشطاء ونُسبت لجهة تُسمي نفسها  "هيئة الإنقاذ الوطني" فيما بُث بعضها الآخر في خطابات مختلفة لبعض النشطاء والسياسيين.

وتداول بعض النشطاء جزءًا من المطالب وذهب أحدهم وهو الناشط السياسي نبيل الرابحي حد المطالبة بـ"إسالة الدم" وهو ما اعتبر دعوة خطيرة للعنف والاقتتال الداخلي، كما أن عديد المطالب اعتبرت ضرباً للديمقراطية التونسية الناشئة. 

ذهب البعض حد المطالبة بـ"إسالة الدم" وهو ما اعتبر دعوة خطيرة للعنف والاقتتال الداخلي وضرباً للديمقراطية التونسية الناشئة

لكن الغريب أن لا أصداء على أرض الواقع لهذه المطالب ولا تحركات اجتماعية وشعبية تبلورها، وإن لا ينفي قطاع من التونسيين عند سؤالهم عن أوضاعهم أن الأمور الاقتصادية والاجتماعية صعبة وتزداد صعوبة خلال السنوات الأخيرة بسبب تدهور المقدرة الشرائية وتواصل ارتفاع نسب البطالة والفقر وغير ذلك.

تُطرح إذًا أسئلة عديدة حول ما سُمي "ثورة الجياع"، من هي هيئة الإنقاذ الوطني التي أرست المطالب المذكورة، ماهي مكوناتها؟ ماهو وزنها لتعبئة الشارع وتحريكه؟ وهل يتعلق الأمر فعلًا بمطالب جدية ومتماهية مع طموحات المواطن التونسي؟ 


  • من يقف خلف الدعوة لـ"ثورة الجياع"؟

رغم مرور أيام عديدة على تداول هذه المطالب بعديد الصفحات بمواقع التواصل الاجتماعي، لم تعلن جهات واضحة ومنظمة عن وقوفها خلفها ولا عن طريقة عملها وتنظيم تحركاتها إن وُجدت. 

ساند سياسيون البعض من المطالب ومن بينهم الجيلاني الهمامي، النائب السابق والقيادي في حزب العمال (يساري)، الذي جدد دعوته لحل البرلمان، وكتب على صفحته الرسمية بفيسبوك "كنت بعد أيام قليلة من الإعلان عن نتائج الانتخابات ناديت بإسقاط البرلمان الرجعي الذي لا يمثل طموحات الشعب التونسي بالنظر إلى فساد الانتخابات.. الكثير لم يستسغ هذا الموقف، اليوم أجدّد الدعوة إلى حله". لكن لم يعلن حزب الهمامي بوضوح تبنيه أو وقوفه خلف ما رُوج من مطالب أو حتى جزء منها.

وقد راج أيضًا أن من بين الداعمين لهذه المطالب مساندين للحزب الدستوري الحر (من الداعمين لمنظومة ما قبل الثورة) غير أن رئيسة الحزب عبير موسي كانت تدخلت في الإعلام المحلي لنفي ذلك. كما راج أن من بينهم مساندين للرئيس قيس سعيّد بعد أن تداول نشطاء كانوا أعلنوا سابقًا دعمهم لسعيّد (كالناشط ثامر بديدة من حركة شباب تونس الداعمة لسعيّد خلال الانتخابات الرئاسية السابقة)، بعض هذه المطالب خاصة فيما يتعلق بحل البرلمان.

 

وقد راجت أسماء أخرى مساندة لهذه المطالب، سياسية مثلًا كالنائب فيصل التبيني وإن لم يعبر علانية عن ذلك، أو شخصيات من النشطاء في مواقع التواصل والتي تعتبر أسماؤها تقريبًا مجهولة لعموم التونسيين.

الغريب أن لا أصداء على أرض الواقع لهذه المطالب ولا تحركات اجتماعية وشعبية تبلورها

وربما هذا ما يُفسر ما ذهب إليه الناشط السياسي والمدير العام السابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية طارق الكحلاوي، خلال مداخلة تلفزيونية بالقناة الخاصة حنبعل، عندما وصف هذه الدعوات والمطالب "بالثورة المضادة بودورو" (أي عديمة القيمة) وبأن ما كُتب على منصات التواصل الاجتماعي هو "كلام فارغ ومستوى هزلي ومعاد للديمقراطية" وفق تعبيره.  

واستخف الكحلاوي أيضًا بهذه الدعوات مقارناً ما يحصل بـ"اعتصام الرحيل" وبين الأسماء المعروفة سياسيًا التي كانت خلف ذلك الاعتصام والأسماء المجهولة خلف الدعوات الأخيرة.  

يُذكر أن اعتصام الرحيل هو اعتصام ابتدأ في جويلية/ يوليو 2013 أمام مقر المجلس الوطني التأسيسي التونسي وفي عدة مدن تونسية أخرى أبرزها سوسة وصفاقس احتجاجًا على اغتيال النائب محمد البراهمي ومطالبة بحل المجلس التأسيسي وحكومة علي العريّض حينها. وقد شارك فيه سياسيون ونشطاء ونواب معارضين لحكم الترويكا (ائتلاف من حركة النهضة (إسلامية) وحزبين علمانيين، هما "المؤتمر من أجل الجمهورية" و"التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات"، وقد حكم تونس من ديسمبر/كانون أول 2011 إلى يناير/كانون الثاني 2014) ومن الأسماء البارزة التي دعمت الاحتجاجات حينها الرئيس التونسي السابق الباجي قائد السبسي. 

وذهب الكحلاوي حتى إلى اعتقاد أن من أطلق تعبير "ثورة الجياع" غير عليم بتاريخ هذا التعبير وارتباطه بالثورة الفرنسية وخلفياته وأوضح أنه شخص تونسي يعيش في الولايات المتحدة وبعيد كل البعد عن الأوضاع المعيشية للتونسيين وأن أنصار الرئيس سعيّد قد تبرؤوا منه. 

لا يمكن نفي أن جزءًا ممن تداول هذه المطالب مؤخرًا هم ممن أعلنوا دعمهم لقيس سعيّد خلال الانتخابات الأخيرة

لكن لا يمكن نفي أن جزءًا ممن تداول هذه المطالب مؤخرًا هم ممن أعلنوا دعمهم لقيس سعيّد خلال الانتخابات الأخيرة، وهو ما أكده الكحلاوي أيضًا، الذي يعتقد أنهم "لا يستعدون المنظومة الديمقراطية ككل كالآخرين ولكن يعتقدون أن الرئيس يقوم بالمطلوب بينما رئيس الحكومة متردد أما البرلمان فيمثل عائقًا وبالتالي يجب حله" وهو ليس معطى جديدًا بالنسبة لطرحهم المألوف ويأتي في إطار تصور كامل يسمونه "البناء الجديد" والتوجه نحو الديمقراطية المباشرة وتغيير طريقة الحكم الحالية.. الخ. فيما ينبه الكحلاوي، في ذات السياق، إلى أن هذه المجموعة قد لا تكون على تنسيق بالضرورة مع قيس سعيّد حاليًا وقد تكون مبعدة تمامًا عن القصر وخياراته وقراراته. 

ومن الواضح أن بعض النشطاء المساندين لهذه المطالب يحاول الحصول على دعم الرئيس وأنصاره واستمالته وكذلك استمالة بعض الأطراف من الائتلاف الحاكم في تونس حاليًا (حركة الشعب) في محاولة لضرب وحدة هذا الائتلاف، الذي لا يخلو من خلافات حادة ويبدو منذ بداياته في الحكم متهالكًا ويعاني من تناقضات في الرؤية والتوجهات.

ومن ذلك ما حصل مؤخرًا بين النائب هيكل المكي عن حركة الشعب وراشد الغنوشي رئيس البرلمان وهو أيضًا رئيس حركة النهضة، والاثنان ينتميان للائتلاف الحكومي حاليًا. إذ وجه المكي للغنوشي نهاية الشهر الماضي مراسلة وصفه فيها بـ"كبير الإخوان المتأسلمين بتونس" وحمّله "المسؤولية عن سلامته الشخصية" بسبب ما اعتبره "تجنّد صفحات تابعة لحركة النهضة ضده"، وذلك بعد انتقادات من نشطاء له إثر مداخلة برلمانية وجه فيها التحية لجيش النظام السوري والقوات التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر، متسائلين عن كيفية دعم نائب صعد للبرلمان ديمقراطيًا لأنظمة استبدادية.

المراسلة وما تلاها من ردود فعل ومنها توجيه رئاسة البرلمان لفت انتباه للمكي وتصريحات حادة لقيادات نهضوية ضد المكي وقيادات حركة الشعب (مثلًا من رئيس كتلة النهضة في البرلمان نور الدين البحيري) كشفت حجم الخلاف داخل الائتلاف الحكومي وهو ما يُشجع بالضرورة أصحاب الدعوات لإسقاط الحكومة وحل البرلمان ويُضعف من لحمة الائتلاف الحاكم.

  • هل هذه المطالب جدية؟ 

رغم كل العوامل التي تبدو متضافرة حاليًا من مخلفات أزمة الكورونا وتردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتدهور العلاقة بين مكونات الائتلاف الحكومي، فإن "دعوات ثورة الجياع"، كما أطلقوا عليها، بقيت مجرد نداءات محدودة جدًا لم تتعدّ منصات التواصل الاجتماعي في وقت لم نلحظ فيه أي اهتمام يُذكر لدى غالبية الشعب التونسي، الذي وجد نفسه منذ شهرين تقريباً في قلب جائحة كورونا مهتمًا بمسائل مغايرة.

لكن رغم محدوديتها، كان التحرك تجاهها سريعًا إذ أعلنت النيابة العمومية أنها فتحت تحقيقًا في "دعوات تحريضية عبر مواقع التواصل ضد بعض مؤسسات الدولة". كما كان تفاعل حركة النهضة لافتًا إذ صرح رئيس مجلس شورى الحركة عبد الكريم الهاروني، لإذاعة موزاييك الخاصة، أن التونسيين لن ينخرطوا في هذه الأجندات، التي وصفها بالمشبوهة والتي تهدف لإسقاط المؤسسات الشرعية للدولة، وتحدث عن وجود قوى سياسية تدعو إلى العنف والإقصاء وتقسيم التونسيين وتحرض على حرب أهلية، حسب تعبيره.

رغم كل العوامل التي تبدو متضافرة حاليًا من مخلفات أزمة الكورونا وتردي الوضع الاقتصادي وتدهور العلاقة بين مكونات الائتلاف الحكومي، فإن "دعوات ثورة الجياع" بقيت مجرد نداءات محدودة جدًا

كما نددت الحركة في بيان بما اعتبرته "استهدافًا لرئيس مجلس نواب الشعب ومؤسسة البرلمان"، والذي وصفته بأنّه يمثّل الشرعية والإرادة الشعبية، كما أدانت تشويه النواب وترذيل العمل النيابي "في محاولة يائسة لإرباك المسار الديمقراطي وتعطيل عمل مؤسسات الدولة".

ودعا مجلس الشورى، في ذات البلاغ، كل القوى الوطنية السياسية والاجتماعية للالتفاف حول الحكومة في مواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للأزمة واستبعاد كل المناكفات السياسية تحقيقًا للوحدة الوطنية. وقد انخرطت قيادات ونشطاء في حركة النهضة في حملة افتراضية بعنوان "تونس بيّة بديمقراطيتها"، في إشارة إلى أن المطالب المتداولة من البعض على منصات التواصل تضرب المسار الديمقراطي في تونس. 

فيما أكدت حركة "تحيا تونس" (أحد أطراف الائتلاف الحاكم أيضًا)، بقيادة رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد، في بلاغ مساندتها للحكومة وتمسكها بالاستقرار السياسي وأهابت بكل القوى الوطنية لمزيد توحيد الصفوف في مجابهة تداعيات أزمة كورونا بعيدًا عن التجاذبات ورفضًا "لكل الدعوات الرامية إلى نشر الفوضى وبث البلبلة قصد المس من استقرار مؤسسات الدولة ومن مسار الانتقال الديمقراطي".

  • أي وضع للحكومة والبرلمان حاليًا؟

تستمد حكومة الفخفاخ شرعيتها خاصة من دعم واضح من رئيس الجمهورية قيس  سعيّد ولا يبدو أن هذا الوضع تغير كثيرًا وإن تكشف كواليس القصر عن شيء من التململ في علاقة بعمل الحكومة وسرعة وحجم مقاومتها للفساد، خاصة مع تركيز جهودها كليًا خلال الشهرين الأخيرين على أزمة جائحة كورونا وما تلاها من انعكاسات.

لا يمكن أيضًا نفي استفادة الفخفاخ وحكومته شعبيًا من جائحة كورونا على الأقل إلى حد الآن إذ سجلت تونس انخفاضًا سريعاً وجليًا في عدد الوفيات وعدد الإصابات وتم إعلان السيطرة على المرض تقريبًا، وهو تطور إيجابي جدًا مقارنة ببقية دول العالم، وتحاول السلطات توظيف "هذا النجاح" لصالحها.

الدعم الكبير للحكومة شعبيًا مع بداية أزمة كورونا وتجند الشعب خلفها قد بدأ بالتراجع وتتعالى أصوات عديدة مؤخرًا تلوم الحكومة على قراراتها الأخيرة

لكن هذه الحكومة، التي لاقت صعوبات في مرحلة تكوينها، لا تزال تعاني من خلافات واضحة بين مكوناتها وغياب جلي للوحدة بينها وهو ما يضعفها وقد يشتت جهودها، كما أن الدعم الكبير شعبيًا مع بداية أزمة كورونا وتجند الشعب خلفها قد بدأ بالتراجع وتتعالى أصوات عديدة مؤخرًا تلوم الحكومة على قراراتها الأخيرة لدعم المتضررين من الجائحة أو في علاقة بتصرفات بعض وزرائها وقراراتهم.

وقد خصص البرلمان جلسة عامة، ستنعقد خلال الأيام القليلة القادمة، لمساءلة الحكومة بعد مرور حوالي 100 يوم على تكوينها. أما البرلمان فيعاني من تواصل  تراجع نسب الثقة فيه وفي رئيسه وفق آخر سبر للآراء، بعد أن ارتبطت صورته عند عموم التونسيين بشبهات فساد بعض النواب واستهتار بعضهم الآخر. 

لكن عوامل عدة ترجح صعوبة تبلور تحركات جدية وفق السياق الحالي، أي وفق المطالب المعروضة حاليًا والشخصيات القليلة التي تصرح بدعمها لها. إذ هناك شبه إجماع أن الدعوات الحالية صادرة عن أطراف غير قادرة على تعبئة الشارع ولا يمكن مقارنتها بوزن الداعمين لاعتصام الرحيل مثلاً في 2013.

هناك شبه إجماع أن الدعوات الحالية صادرة عن أطراف غير قادرة على تعبئة الشارع ولا يمكن مقارنتها بوزن الداعمين لاعتصام الرحيل مثلاً في 2013

من الملاحظ أيضًا أن البعض من هذه الدعوات يحمل عناوين قصووية قد تستهدف فعلاً المسار الديمقراطي واستقرار البلد وهو ما يجعل الالتفاف حولها شعبياً وحتى من بعض الأحزاب غير مرجح. كما تلتقي حولها شخصيات من تيارات سياسية متناقضة ولا يبدو واضحًا كيف ستلتقي في توجه موحد في حال إسقاط المسار الحالي للبلاد.

وفي مقارنة باعتصام الرحيل، يتضح غياب عنصرين مهمين حاليًا: شخصية جامعة ومعروفة وتحظى بالثقة شعبيًا لقيادة هذا التحرك، على عكس توفر شخصية قائد السبسي في السابق، إضافة إلى توفر معارضة مشتتة حاليًا لا تقل انقسامًا عن الائتلاف الحاكم، على عكس تجربة جبهة الإنقاذ في 2013  وتجمع التيارات اليسارية في ما سمي الجبهة الشعبية مع حزب نداء تونس، المولود الجديد القوي حينها.

ولا يقتصر الأمر على المعطيات الداخلية، إذ من المثير للانتباه تزامن دعوات حل البرلمان وإسقاط الحكومة في تونس مع إعلان حفتر في ليبيا إيقاف العمل باتفاق الصخيرات وتفويض نفسه تولّي السلطة وإعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حالة الطوارئ في عدن والمحافظات اليمنية الجنوبية وتولّيه إدارتها ذاتيًا عوضًا عن السلطات المحلية التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

انعكاسات "كورونا".. هل تتجنب تونس كارثة صحية داخل سجونها؟

ما حقيقة استيلاء الولايات المتحدة على معدات طبية متجهة إلى تونس؟

حكومة إلياس الفخفاخ.. لا يمكن إلا أن تمر!