ما حقيقة استيلاء الولايات المتحدة على معدات طبية متجهة إلى تونس؟

ما حقيقة استيلاء الولايات المتحدة على معدات طبية متجهة إلى تونس؟

إجراءات جديدة تتعلق بتصدير المعدات الطبية من الصين (صورة توضيحية/ أ.ف.ب)

 

ربما كان ما انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تونسيًا حول شبهات استيلاء الولايات المتحدة الأمريكية على معدات طبية متجهة إلى تونس أبرز أحاديث التونسيين مساء الأحد وصباح الإثنين 6 أفريل/ نيسان 2020. 

لنعد إلى البدايات. حساب على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قيل إنه لقائد طائرة الخطوط الجوية التونسية التي كانت اتجهت الأحد 5 أفريل/ نيسان 2020 إلى الصين لجلب شحنة معدات طبية استوردتها تونس من هناك، ويُدعى عبد الله شريّط ينشر تدوينة نصها "الولايات المتحدة الأمريكية تستولي على 37 طن من الأدوية والطائرة تعود إلى تونس بعد 20 دقيقة من الطيران.. أين الدولة؟ أين سفير تونس في الصين؟ مهزلة كبرى.. لك الله يا تونس".

 

انتشرت التدوينة سريعًا على فيسبوك خاصة، وسارعت بعض المواقع الإلكترونية والإذاعات التونسية إلى نشر الخبر نسبة لتدوينة الطيار (التي حُذفت فيما بعد بالمناسبة) أو لتصريحات ممثلين عن نقابة الخطوط التونسية أو لتدوينات إعلاميين تونسيين أكدوا الخبر عن مصادر خاصة لم يذكروها.

وقد أكد مثلاً الكاتب العام لنقابة الخطوط التونسية نجم الدين المزوغي في تصريح لراديو "ديوان اف ام" أن "طائرة تابعة للخطوط التونسية اضطرت ظهر الأحد إلى الرجوع إلى مطار تونس قرطاج بعد حوالي 25 دقيقة من انطلاقها نحو الصين من أجل جلب 37 طنًا من المعدات الطبية والتي كانت تونس قد اقتنتها منذ فترة" وأشار المزوغي لذات الإذاعة إلى أن "قرار عودة الطائرة التونسية تم اتخاذه بعد اتصال تلقته السلطات التونسية من الصين يفيد بأن شحنة المعدات الطبية تم اقتناؤها من جانب أطراف أمريكية. وأن هذه الشحنة كانت تضم آلاف التحاليل السريعة الخاصة بفيروس كورونا إلى جانب الكمامات الطبية وأزياء وقائية".

 

هل كانت نقابة الخطوط التونسية فعلاً مصدرًا عليمًا في هذا الموضوع بالذات؟ ويمكن الاقتصار عليه لنشر تأكيد حول ماهو منتشر ويثير جدلًا واسعًا على منصات التواصل؟ هل أخطأت بعض المؤسسات الإعلامية أو تسرعت باعتمادها مصدرًا واحدًا (مسؤول نقابي) دون التحري في تصريحه من مصادر أخرى؟ أ ليس تقاطع المصادر من أهم القواعد الصحفية وهو هنا بحكم أهمية الموضوع وتدخل عناصر عديدة فيه ضرورة للحسم بالتأكيد أو النفي؟.. الأكيد أن سويعات قليلة جلبت معلومات أوضح وأدق ومجمع حولها من مصادر عدة.

هل أخطأت بعض المؤسسات الإعلامية أو تسرعت باعتمادها مصدرًا واحدًا دون التحري في تصريحه من مصادر أخرى؟ أ ليس تقاطع المصادر من أهم القواعد الصحفية؟

  • الصيدلية المركزية، مدير عام الخطوط التونسية والخارجية التونسية وحتى وزير الصحة على الخط 

جاء في توضيح للصيدلية المركزية التونسية أن "تأخير عملية استيراد شحنة من المعدات الطبية من الصين ناتج عن حاجة المزود لمزيد من الوقت لتجهيز الشحنة ودخول إجراءات ديوانية جديدة في الصين تتعلق بتصدير مثل هذه المواد و ذلك منذ غرة أفريل/ نيسان 2020".

وأكدت الخطوط التونسية، في بلاغ الأحد، أنه تمت برمجة رحلة جوية الأحد 5 أفريل/ نيسان 2020 باتجاه الصين قصد جلب معدّات وتجهيزات طبية لفائدة وزارة الصحة في علاقة بانتشار فيروس كورونا، غير أنّه وبعد إقلاع طائرة الخطوط التونسية بحوالي 20 دقيقة تمّ الإعلام من قبل المزوّد صاحب الشحنة المتّفق عليها بعدم جاهزيتها لأسباب فنّية بحتة". 

وأوضحت أنه "تبعًا لذلك تم إعطاء الإذن للطائرة المذكورة بالعودة، هذا وسيتمّ تأمين الرحلة من جديد حال استكمال الإجراءات الفنية الخاصة بالمزوّد الصيني". كما سارع إلياس المنكبي، رئيس مدير عام شركة الخطوط الجوية التونسية، للتدخل في قناة نسمة الخاصة لنفي رواية نقابة المؤسسة.

الخارجية التونسية: مسألة إلغاء رحلة طائرة الخطوط الجوية التونسية تتعلق أساسًا بضرورة استكمال بعض الإجراءات الإدارية الضرورية ولا علاقة لها البتة بأي بلد أو جهة أجنبية

نفي استيلاء الأمريكيين على شحنة معدات طبية موجهة لتونس هو ما أكدته أيضًا وزارة الشؤون الخارجية، وأوردت في بلاغ لها أن مسألة إلغاء رحلة طائرة الخطوط الجوية التونسية التي كانت ستتولى نقل هذه المعدات الطبية من الصين إلى تونس، تتعلق أساسًا بضرورة استكمال بعض الإجراءات الإدارية الضرورية ولا علاقة لها البتة بأي بلد أو جهة أجنبية.

وأضافت الوزارة أن "سفارة تونس في الصين بصدد متابعة إجراءات تسليم هذه المعدات مع السلطات الصينية، وسيتم تأمين وصولها في أقرب الاجال إلى تونس وفي أحسن الظروف".

نظرًا لتواصل الجدل على منصات التواصل الاجتماعي إلى ساعة متأخرة من مساء الأحد ومطالب بعض النشطاء بالاحتجاج ضد الولايات المتحدة الأمريكية، كتب وزير الصحة عبد اللطيف المكي تدوينة في صفحته الرسمية محاولًا تهدئة الوضع، عنونها "لماذا عادت الطائرة ولماذا ستسافر من جديد إلى الصين؟".

يقول المكي "اقتنينا موادًا من الصين في إطار برنامج مقاومة كورونا وخرجت البضاعة يوم 30 مارس/ آذار الماضي من مكان يبعد 1000 كلم عن العاصمة بكين. بعد هذا التاريخ غيّرت السلطات الصينية طريقة إثبات جودة المنتج وبموجب ذلك اشترطت الديوانة الصينية تغيير الطريقة وفق القانون الجديد وهو ما سيستغرق يومًا أو يومين وبما أن الطائرة ليس لها حق المكوث في بكين إلا يومصا واحدًا فقد طلبنا منها العودة إلى تونس وهي لم تكن تبعد كثيرًا عن أجوائنا وقد عادت وحالما يتم تسوية الوضعية هناك (وهي مجرد شكلية إدارية) ستطير الطائرة إلى الصين لتأتي بالبضاعة بإذن الله ولا صحة لغير ذلك".

تونس اليوم أمام تحدي سرعة التزود بالمنتجات الصحية الضرورية خلال أزمة انتشار فيروس كورونا وضمان منتجين قادرين على توفيرها في سوق غابت عنها عديد القيم وأصبحت أشبه بغابة

  • فعلًا.. إجراءات جديدة تتعلق بتصدير المعدات الطبية من الصين!

بعد التثبت شخصيًا، تبيّن أن الصين أقرت فعلًا إجراءات جديدة تخص تصدير المعدات الطبية مطلع هذا الشهر وذلك بعد تواتر الأنباء عن عمليات غش تضررت منها عدة دول. وهو ما يتقاطع مع تصريحات المصادر الرسمية السابقة (الصيدلية المركزية، مدير عام الخطوط التونسية، الخارجية التونسية، وزارة الصحة)، رابط المصدر هنا.

كان يمكن تجنب انتشار هذه الشائعة بدقة وسرعة الاتصال الحكومي من خلال بلاغ موحّد مباشرة إثر قرار عودة الطائرة إلى تونس. ولكن الأهم أن تونس اليوم أمام تحدي سرعة التزود بالمنتجات الصحية الضرورية خلال أزمة انتشار فيروس كورونا وضمان منتجين قادرين على توفيرها في سوق غابت عنها عديد القيم وأصبحت أشبه بغابة. وقد يكون مفيدًا للسلطات التونسية التفكير على مدى طويل في أهمية تصنيع العديد من هذه المعدات داخل تونس مع التركيز على قطاعات كانت متطورة نوعًا ما في تونس إلى وقت قريب كالنسيج.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيروس كورونا: أي أثر على الميديا في تونس وحول العالم؟

وزارة الصحة وقيادة الحرب على فيروس "كورونا"