لماذا يصوّت الشباب بكثافة لقيس سعيّد؟

لماذا يصوّت الشباب بكثافة لقيس سعيّد؟

كان قيس سعيّد ينتقد تعامل الخبراء القانونيين مع الحراك الثوري (أنيس ميلي/أ.ف.ب)

مقال رأي

 

حينما كان يتوجّه بعيد إلقائه لمحاضرته في القانون الدستوري، بالمدرج 26 بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية، إلى قاعة الأساتذة المجانبة للإدارة، أو نحو المشرب في أقصى جنوبي الكليّة، سواء كان يحمل سيجارته في يده أو دونها، كان يقف لمن يستوقفه من الطلبة، وسريع البديهة في ردّ تحيّة طلبته أو في مبادرته بالتحيّة، وكان الطلبة، في جلساتهم، وإذا جاء الإجماع عن تواضع أستاذ أو دماثة أخلاقه، فالحديث قطعًا عنه، قيس سعيّد. ينقل أحد الطلبة أنه كان من بضع أساتذة لا يتجاوز عددهم الثلاثة الذين وقفوا كجدار صدّ بشري حماية للطلبة لما استدعت إدارة الكلية قوات من الأمن لفض اعتصام بعضهم ذات 2016.

وأستاذ القانون الدستوري كان، في ذات الوقت، صارمًا في سير محاضرته، إذ بوقع ذلك الإلقاء المميّز للغة العربية الفصحى، كان الالتزام الحازم باحترام حرمة المدرج، لا تشويش، ولا يُسمح بلبس القبعة الشمسية، أو مضغ العلكة، والطالب، إن شاء طرح، سؤال، فما عليه إلا طرحه باللغة العربية الفصحى أو اللغة الفرنسية دون اللهجة العاميّة الدّارجة.

أستاذ القانون الدستوري كان، في ذات الوقت، صارمًا في سير محاضرته، إذ بوقع ذلك الإلقاء المميّز للغة العربية الفصحى، كان الالتزام الحازم باحترام حرمة المدرج

اقرأ/ي أيضًا: هل قيس سعيّد مرشّح شعبوي؟ ارموا حجارتكم!

في كلمة بمناسبة إحالته على شرف التقاعد عام 2018، تحدّث سعيّد ليبيّن "قداسة" علاقته بطلبته، وقال ذكرًا إنه كتب ورقة بعد إصلاحه لآخر ورقة امتحان في مسيرته نصها "أعلم أن نصف نقطة قد تحدد مصير طالب بل عائلة، كنت حريصًا على المساواة بين الجميع وأرجو أن أكون قد وفقت، وليشهد الله أنني لم أظلم أحدًا ولو مثقال حبة من خردل، وأنا أضع في الحسبان أنني سأقف بين يديه سبحانه وتعالى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون".

وتحدث عن مشاهد طيلة سنوات تدريسه ظلّت بمثابة عبرة له، واستذكر بالخصوص حادثة رؤيته لوليّ ينفث التراب فوق رأسه أمام كلية الحقوق بسوسة قبل عقود وذلك حزنًا على رسوب ابنه وابنته، وقال سعيّد إن هذا المشهد ظلّ لا يفارقه حين إسناده الأعداد للطلبة. وفي حادثة أخرى، قال إنه قد جاءه في إحدى السنوات طالب مريض يطلب إعادة امتحان لأنه سيقوم بعملية جراحية، فطلب منه أن يجري العملية وسينظر لاحقًا مع الإدارة بخصوص طلبه. وقال سعيّد إنه جاءه بعد أيام والد الطالب ليعلمه بوفاة أثناء إجراء العملية، وقد تحدث الأستاذ عن هذه الحادثة بكثير من التأثر كاشفًا أنه ظلّ يحتفظ بشهادة وفاة الطالب لديه لسنوات طويلة، مردّدًا "الطالب أمانة.. الطالب أمانة.. الطالب أمانة يحملها الأستاذ في كل لحظة".

تحدث أيضًا مطولًا على أن مكوث والده ووالدته على فراش الموت لم يمنعه من الذهاب إلى طلبته، وهو المعلوم أن لم يغب عن المحاضرات، طيلة سنوات تدريسه، عدا عن فترة راحة مرضية استلزمت تخلّفه عن مدرج المحاضرات قبل بضع سنوات. وختم آخر كلمة ألقاها مودعًا للكلية برسالة إلى الطلبة" أنتم درع المستقبل، أنتم سيف الدولة المسلول" متوجهًا إليهم "من يحتاج لأي خدمة سأكون معه باستمرار".

 الأستاذ الذي كان يحافظ على علاقة صارمة ودافئة في آن مع طلبته هو ذاته الرجل الذي كسر حواجز عديدة وصوّت له مئات الآلاف في الانتخابات الرئاسية وغالبيتهم من الشباب بالخصوص

وليس المذكور من باب إعادة لأحداث أو ذكر لخصال أستاذ جامعي، بل تبيينًا أن هذا الأستاذ الذي كان يحافظ على علاقة صارمة ودافئة في آن مع طلبته، متجاوزًا لحاجز هو الأصل في كُلية تتعدد شهادات استعلاء بعض أساتذتها من ذوي "المقام العالي" على الطلبة، هو ذاته الرجل الذي كسر حواجز عديدة وصوّت له مئات الآلاف وغالبيتهم من الشباب. فلم يكن المشهد في كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بـ"شعبية" داخل صفوف الطلبة، إلا نموذجًا مصغرًا لمساحة أرحب، حينما عرض أستاذ القانون الدستوري صاحب الصوت الجهوري نفسه لموقع رئاسة الدولة في الانتخابات الرئاسية 2019، ووجد دعمًا من فئة الشباب بالخصوص.

وإن المشهد بين الكليّة والمجال العام يبدو أكثر تكثفًا لو غصنا أكثر من زاوية الهامش الذي يخترق. حاضر المساعد الجامعي سعيّد حاضر لسنوات مديدة في مادّة القانون الدستوري، وهو لم يتمم أطروحة الدكتوراه، وقد أكد مرارًا أنه تمت سرقت أفكاره ووثائق أرشيفية وجدها، بذلك كان يُنظر إليه من زملاء أنه دونهم مرتبة علمية. "هو مساعد وليس أستاذًا جامعيًا"، يقولها البعض خفية بين الأسطر، وقالها علانية الجامعي "البنفسجي" حمادي بن جاب الله الذي كان يقلقه وصف سعيّد بالـ"جامعي" في معرض تعليقه مؤخرًا في برنامج تلفزيوني على نتيجة الرئاسيات، نعم هكذا.

اقرأ/ي أيضًا: قيس سعيد..أستاذ القانون الذي أحيا السياسة وهي رميم

لكن من جانب آخر، وهذا الأكثر جديّة، كان سعيّد متمايزًا عن النخبة الجامعية المسيطرة على الكلية، التي تصف نفسها بأنها "حداثية" و"تقدمية"، وهو الذي تبيّنت وضوحًا أطروحاته "المحافظة" مجتمعيًا في السياق الانتخابي ما جعله محل انتقادات علنية أحيانًا حادة من زملائه، خاصة في علاقة بمسألة المساواة في الميراث (وجهت زميلته في الكلية سناء بن عاشور مؤخرًا رسالة علنية لنقد طرحه في هذه المسألة). وهو كان قد صرّح أن العميد والوزير السابق الدالي الجازي، من الأسماء "المؤسسة" للكلية، قد ساهم في نقلته دون علمه من كلية سوسة في أواخر التسعينيات، فيما ظهر مؤشرًا على علاقة متوترة مع بعض أساتذة الكلية. ويُذكر أنه قال، أيضًا، في كلمته بمناسبة تقاعده، إنه تعرّض للإساءة من زملاءه له لكنه "رفض ردّ الإساءة بالإساءة" وفق قوله.

ولكن "المحافظة" المجتمعية في طرح سعيّد، التي اكتشفها العموم مؤخرًا، قابلتها "ثورية" سياسية في علاقة بمسار ما بعد 14 جانفي/كانون الثاني 2011، اكتشفها العموم منذ خرجاته الإعلامية الأولى، فكان بذلك "نشازًا" بين أساتذة الكلية "الأرقى" لتدريس القانون في تونس. فبعد الثورة، انخرطت وجوه عديدة من أساتذة الكلية في مسار البناء المؤسساتي من موقع الخبرة العلمية منذ إحداث لجنة تحقيق أهداف الثورة، أو من موقع إسناد الأحزاب "التقدمية"، بينما لم يُستنجد وقتها بسعيّد في فترة ما قبل التأسيسي، وهو لم ينضم إلى أي حزب أو عبر عن مساندته له. لم تكن تختلف وقتها تصريحات القانونيين ذات البعد الفني، ولكن بدا حينها سعيّد مدافعًا بشراسة عن فكرة أن عملية إعداد الدستور هي عملية سياسية يتولاها الشعب عبر ممثليه، وليست عملية فنية يتولاها الخبراء. تشديده بحماسته على هذه النقطة أكسبه عنصر تميّز، وكأنه يدعو زملاءه لعدم ركوب القطار وهو يسير، وهو الذي يعتبر أن المسار الثوري انطلق يوم 17 ديسمبر 2010 ولم ينتهي وما تاريخ 14 جانفي إلا تاريخ الالتفاف عليه.

سعيّد كان ينتقد التعامل مع الحراك الثوري وكأنه مجرّد شغور دائم في منصب رئاسة الجمهورية، وقال ذات مرة إن الخبراء "يجب أن يكونوا في خدمة الوطن، وفي خدمة مطالب الشعب وليسوا أوصياء عليه"

سعيّد كان ينتقد التعامل مع الحراك الثوري وكأنه مجرّد شغور دائم في منصب رئاسة الجمهورية، وقال ذات مرة إن الخبراء "يجب أن يكونوا في خدمة الوطن، وفي خدمة مطالب الشعب وليسوا أوصياء عليه" فيما بدا لمزًا خفيًا لزملاءه. وهو كان محتكًا بشباب اعتصام "القصبة"، فكان كمن صالح نخبة يُنظر إليها بحذر بالشباب المهمّش، ثم تصدّر حراك مقاطعة انتخابات المجلس الوطني التأسيسي وهو الذي طرح منذ 2011 مشروعه حول البناء من الأسفل إلى الأعلى، من المحلي إلى المركزي، وطرح مشروعًا فريدًا يربط تسوية جرائم الفساد المالي لرجال الأعمال بمشاريع للتنمية في الجهات. هنا مثّل سعيّد صوتًا "نشازًا" في محيطه الجامعي، وهو بذلك لا يمثّل النخبة القانونية الأكاديمية "التقدمية" في تونس، بل يمثّل صوتًا محرجًا لها أحيانًا كان قد زحف على مدى سنوات على هامشها، بطرح سياسي "ثوري" بعيدًا عن المحافظة المعهودة الدى القانونيين.

ولكن هل صوّت الشباب بكثافة لسعيّد لأن مشروعه يتمركز حول البناء من المحلي إلى المركزي بما يعنيه من تغيير جذري للمنظومة الدستورية الحالية؟ أم صوّت الشباب لأنه كان رافضًا للمسار المؤسساتي منذ ما بعد الثورة الذي استمر مع مقاطعته أيضًا لانتخابات 2014؟ لا يمكن حصر أسباب اختيار سعيّد في سبب بعينه دون آخر، ذلك أن أسبابًا عديدة دفعت الشباب ليرجّح وحده كفّة أستاذ القانون الدستوري على حساب بقية المرشّحين. لكن لو نستبين محيطنا الصغير ممن انتخبوا سعيّد في الدورة الأولى حول أسباب انتخابه، من المؤكد أن الإجابات ستتباين، لكن من المرجح أن أقل الإجابات سماعًا حول أن أساس الاختيار هو لطرحه حول البناء من المحلي إلى المركزي واعتماد طريقة الاقتراع على الأفراد بدل القائمات.

لم يعد يهتم أغلب التونسيين بالبرامج والوعود الانتخابية، أو الأصح لا يوجد دليلًا أصلًا أنهم اهتموا أو صوتوا سابقًا على أساس البرامج، وذلك في بيئة ديمقراطية ناشئة وفي سياقات انتخابية خصوصية في 2011 و2014 كانت دوافع التصويت فيها أبعد من المقارنة بين البرامج واختيار أفضلها. يختار أغلب الناخبين حزبًا أو شخصًا يرونه الأقدر على تحقيق آمالهم "العالية"، ومعيار القدرة لا ينسحب على الأداء بل على العرض السياسي المختزل، كانت النهضة تمثل عنوان تغيير و"تطهير الدولة" في 2011، وكان نداء تونس يمثل عنوان استعادة و"هيبة الدولة" في أذهان العديد في 2014، لكن عجزت الأحزاب في 2019 على تقديم مرشح رئاسي يحمل عنوانًا لافتًا جاذبًا، خاصة وأن الناس، وبالخصوص الشباب الذي يشكو البطالة وانعدام الآفاق، باتوا يرون السياسيين الذين تولوا إدارة البلاد طيلة 8 سنوات الأخيرة ليس فقط مسؤولين عن تردي الوضع الاجتماعي والاقتصادي، بل والأهم كمجموعة لا علاقة لها بتطلعات الشعب، ولا تهدف إلا لحماية مصالحها وإثراء نفسها، وكانت قطيعة تعكسها، مثلًا، انهيار ثقة التونسيين في الأحزاب، جميعها الحاكمة والمعارضة، وآخرها تأكيد 76 في المائة من التونسيين، وفق دراسة كمية أعدتها جمعيات مدنية، عدم ثقتهم في نواب الأحزاب.

 مثل قيس سعيّد شخصًا متفردًا لا يشبه البقية، مستقلّ لا ينتمي لأي حزب، يبدو أنه متواضع يحمل شحنة صدق للمشاهد أو المستمع كلما تحدث ولكن الأهم أنه أثبت أنه شخص متعفّف عن السلطة

في هذا الجانب، مثل قيس سعيّد شخصًا متفردًا لا يشبه البقية، مستقلّ لا ينتمي لأي حزب، يبدو أنه متواضعًا يحمل شحنة صدق للمشاهد أو المستمع كلما تحدث، ولا يُذكر أنه استهدف شخصًا أو حزبًا أي لم يدخل في دائرة السباب السياسي الذي سئمه الناس، ولكن الأهم أنه شخص متعفّف عن السلطة إذ رفض عام 2013 عرضًا لرئاسة الحكومة، ورفض أكثر من مرة تولّي وزارة العدل، بل واللافت أنه يرفض تمويل رجال الأعمال بل وحتى التمويل العمومي القانوني، وبالتالي ظهر كشخص "غريب" في محيط فاسد، دفع بالعديد للتسليم أن هذا البلد يحتاج إلى شخص "غير نظيف" ولكنه قويّ قادر على إنهاء حالة الفوضى، ولكن هذا الاعتقاد كان مرفوضًا لدى فئة قالت بالنهاية إنها تريدًا شخصًا "نظيفًا" وقويًا في نفس الوقت.

اقرأ/ي أيضًا: قيس سعيّد.. الرّاديكاليّة و"الرّوافض"

تشكّلت صورة سعيّد إذًا، منذ إعلان رغبته الترشح في الرئاسية، اختراقًا ممكنًا من شخص بسيط ومتعفّف وزاهد نحو السلطة التي يمسكها "الأشرار". في رقم مستجدّ، بيّنت الدراسة الكمية المذكورة أسبقه، أن 57.7 في المائة من التونسيين يركزون في اختيارهم لرئيس الجمهورية على معيار النزاهة والثقة واحترام القانون، وهو معيار ذاتي يتعلق بالشخص لا يهمّ حزبه أو عائلته السياسية ذلك أن الناس لم تعد تصدق الوعود "الكاذبة" يمينًا وشمالًا، ولا يهمها إلا الشخص الذي يتوجّه إليها. وإجمالًا سعيّد كان مثالًا نموذجيًا للنزاهة والثقة تحديدًا من الشباب وتبين الأرقام أن 37 في المائة من الفئة العمرية بين 18 و25 سنة صوّتت لفائدة سعيّد، وهي التي رجّحت كفّته على حساب بقية منافسيه.

نسبة كبيرة من هذه الفئة لا تتابع الحياة السياسية في يومياتها، لكنها ترى السياسيين كتلة واحدة يتلاعبون بمصير البلد ولا يهتمون بحال شبابها، وقد عبّرت عن غضبها من هذه الطبقة السياسية في مرحلة أولى عبر الامتناع عن التصويت في الانتخابات البلدية عام 2018، ولكن مع تسجيل مليون ونصف ناخبًا جديدًا أغلبيتهم من الشباب، لم يعد الهروب للعزوف الانتخابي كموقف سلبي هو الخيار الوحيد الممكن، وحلّ سعيّد كخيار جاذب لمزاياه السابقة. وسعيّد لم يكن حاضرًا بكثافة في السنوات الأخيرة في وسائل الإعلام، بل تحدث هو نفسه عن إقصائه، غير أنه ظلّ حاضرًا في الأذهان خاصة عبر صفحات شبابية فايسبوكية تنقل باسمه تصريحات جاذبة حول السيادة الوطنية بالخصوص، لم يصرح بها واقعًا.

ثم وحينما تصدّر سعيّد الدور الأول، وبدأت النخبة السياسية التقليدية وملاحقها الإعلامية من "الكرونيكورات" المنتصبين تحت الخدمة، باستهداف سعيّد عبر كيل الاتهامات نحوه والتشكيك في داعميه بل وحل سيناريو المؤامرة لصعوده، كانت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة سخرية من هذه ردود الأفعال، وكان الشباب الفايسبوكي خصوصًا في حالة انتشاء كالمنتصر الذي يتشفى برؤية سقوط خصمه. وكانت كلما تصاعدت الحملة ضد سعيّد، تصاعدت ردود الأفعال العفوية الداعمة له، وكأنها تقول لأستاذ القانون الدستوري نحن معك بحجم ما كان الآخر "الذي نكرهه" ضدّك، والآخر، وبالخصوص المعلقين الصحفيين كانوا يظنون أنهم يقودون الرأي العام بطرح ملفات طيلة سنوات تبيّن أنها لا تتصدّر أولويات الناس ولا تهمّهم، فلم يكونوا وسيطًا "نزيهًا" بين الناس والحكام كما المفترض. 

وسعيّد تحوّل حتى استعماله للغة العربية الفصحى مادة جاذبة لا منفرة، كما تحوّل استشهاده بـ"وعود كافور الإخشيدي للمتنبي" لعنصر طرافة، أصبغت طابعًا هزليًا على الهبة الشبابية الداعمة له، وهو ما جعل الموجة الانتخابية لصالحه تتزايد يومًا عن يوم، خاصة كلما تبيًن أن منافسه نبيل القروي هو النموذج "الأكثر تمثيلًا" للفساد السياسي والمتاجرة بهموم الناس وعمومًا النموذج المثالي عن لا أخلاق السياسيين في تونس.

 تكونّت صورة سعيّد أمام الرأي العام طيلة السنوات الماضية كرجل النزاهة والصدق لا الرجل الطارح لعرض سياسي أي رجل الأخلاق لا رجل السياسة

وحقيقة لا يمكن أن نتجاوز أنه بحساب العنصر الجيلي، انهزم خيار الشباب في انتخابات 2014 إذ أثبتت الأرقام أن النسبة الغالبة منهم صوّتت وقتها لفائدة المنصف المرزوقي وليس الباجي قايد السبسي. وبالتالي، يرى الشباب أنهم عادوا لمسك زمام الأمور بأيديهم بإيصالهم لسعيّد نحو قصر قرطاج. والتصويت لسعيّد ربما كان دافعه عقابًا للموجود الذي فشل في جذب الشباب لقنواته للنشاط في المجال العام أحزابًا وجمعيات، ولكن جوهره هو السعي لبناء منشود يبدو "حلمًا"، تصويت للزهد ضد المال، للنزاهة ضد الفساد وللتواضع ضد النرجسية، بالنهاية للأخلاق ضد اللاأخلاق. وإن ما كان تصويت ثأر، فهو ثأر الشباب لأنفسهم، الشباب المتمرد بطبعه والمتوثّب أراد أن يقول لمن يراهم يستحوذون على السلطة بمختلف تمثلاتها الظاهرة أنهم يرفضونهم بدعم شخص لا يشبههم يقدم ببساطة عرضًا "حالمًا" ذلك أن كلما اشتددت الأزمات تتعاظم الأحلام، ولم تكن المشاريع الكبرى إلا أحلامًا بسيطة في البداية.

التقى قيس سعيّد في جولاته طيلة السنوات الأخيرة آلاف الشباب في لقاءات يصفها بالتفسيرية لعرض مشروعه حول البناء السياسي، وتكونت نواتات شبابية محلية، غير أن الموجة الانتخابية لصالح سعيّد تكونّت حقيقة من الصورة الممثلة له أمام الرأي العام طيلة السنوات الماضية في علاقة برجل النزاهة والصدق لا الرجل الطارح لعرض سياسي، أي رجل الأخلاق لا رجل السياسة. وإن اجتمعت الأخلاق لدى أكاديمي اجتمعت الحاجة بين الأخلاق والكفاءة في توليفة باتت نادرة لدى الناس، الذين ظنوا أنفسهم سيظلون حبيسي من يدعون أنهم أصحاب أخلاق لكنهم فشلوا في إدارة البلاد، أو من يدعون أنهم أصحاب كفاءة ولكنهم عاثوا فسادًا في البلاد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

صعود قيس سعيّد.. زلزال انتخابي بانتفاضة شبابية؟

"السيستام ڨبي ڨبي"..ليلة سقوط منظومة الحكم في تونس