قيس سعيد..أستاذ القانون الذي أحيا السياسة وهي رميم

قيس سعيد..أستاذ القانون الذي أحيا السياسة وهي رميم

رمزية فوز قيس سعيّد تتعلّق أساسًا بإحياء السياسة من حيث عودتها إلى مدارها الطبيعي (أنيس ميلي/أ.ف.ب)

مقال رأي

 

قد يذهب ظن البعض منذ الوهلة الأولى إلى أنّنا إزاء إحدى العكاظيات أو قصائد المدح. قطعًا ليس هذا الغرض من طرح هذه الفكرة التي نعتقد أنّه من الضروري النظر إليها بعيدًا عن أي أحكام مسبقة أو خلفيات فكرية أوسياسية. والأستاذ قيس سعيّد في نظرنا ليس في حاجة للإطراء أو المدح فهو على ما نعرفه شخص كاره لمثل هذه الخطابات البنفسجية التي تجاوزتها الأحداث بل هو اليوم في أمس الحاجة للنقد الموضوعي والتأمل العقلاني في كل الأفكار التي يطرحها ولاسيما في الظاهرة السياسية التي أضحى رمزًا لها منذ فوزه في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها. إنّ للشرعية  الديمقراطية ونتائج الصندوق دائمًا قداسة من نوع خاص لا تعني منح صكوك على بياض ولا يمكن أيضًا أن تتحول إلى مصدر تطاوس من هذا الجانب أو ازدراء من الجانب الآخر.

لن نأتي بجديد حينما نقول إنّ السياسة في مفهومها البسيط هي فنّ إدارة الشأن العام  والارتقاء بالفعل المواطني في إطار استشرافي يبحث دائمًا عمّا يمكن أن يكون أفضل من السائد والموجود. من هذا المنطلق، يمكن إعتبار كنه السياسة يكمن في صراع الأفكار من خلال تحريك المياه الآسنة وخلق رأي عام يدافع عن هذه الفكرة أو تلك ، ويناصر هذا التوجه أو ذاك في إطار ديمقراطي نزيه يقوم على تكافئ الفرص ونزاهة آليات الحسم الديمقراطي. لسنا هنا بصدد ابتداع تصوّر جديد للفلسفة السياسية وتاريخ الأفكار من عهد الحضارة الاغريقية مرورًا بفكر الأنوار والتاريخ السياسي الاسلامي وصولًا إلى فلسفة ما بعد الحداثة وأطروحة نهاية التاريخ لفرانسيس فوكوياما التي أثبتت محدوديتها بتطوّر الزمن.

إنّ الغرض من تسليط الضوء على ظاهرة قيس سعيّد من منظور زعزعة المسلمات السياسية والصدمة النفسية وإعادة تقليب المفاهيم والرؤى هو البحث عن الجوانب الإيجابية التي يمكن أن تخدم المسار الديمقراطي

إنّ الغرض من تسليط الضوء على ظاهرة قيس سعيّد من منظور زعزعة المسلمات السياسية والصدمة النفسية وإعادة تقليب المفاهيم والرؤى هو البحث عن الجوانب الإيجابية التي يمكن أن تخدم المسار الديمقراطي في تونس الذي كاد أن يقطع إربًا إربًا ويدفن إلى ما لا نهاية بسبب حالة التكلّس والجمود ومساعي جعل الشأن السياسي أشبه بأصل تجاري هو حكر على فئة بعينها وفق نواميسها وقواعد اللعبة التي تفرضها.

قبل الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، كان هناك قناعة راسخة لدى السواد الأعظم من التونسيات والتونسيين ولاسيما صلب الطبقة السياسية بمختلف مللها ونحلها مفادها أنّ المال قوام الأعمال وأنّ السياسة دون تمويلات ضخمة لا يمكن أن تحقّق النجاحات الانتخابية. لكن بفوز قيس سعيّد أسقطت هذه القناعة في الماء وتحولت إلى حجّة واهية لدى من يفسرون هزائمهم الانتخابية بضعف يد الحال وغياب حزام اقتصادي ومالي داعم خاصة من قبل رجال ونساء الأعمال ولوبيات المصالح التقليدية التي تختار في العادة الاصطفاف إلى جانب من تعتقد أنّه قوي وصاحب نفوذ والأقرب للظفر بقصب السبق.

اقرأ/ي أيضًا: لقاء حصري مع "رضا لينين" وسنية الشربطي.. من يقف وراء حملة قيس سعيّد؟

 لقد تهاوت هذه الفكرة مع قيس سعيّد الظاهرة الطارئة على المشهد السياسي في تونس فالرجل أصبح محلّ تندر بسبب الفقر المادي الذي كانت عليه حملته الانتخابية وهو الذي يشدّد دائمًا على أنّ ما قام به هو مجرد حملة تفسيرية وليس حملة انتخابية تقليدية. هنا بالذات من المهم أن نشير إلى أنّ سعيّد لا ينتمي للأوساط الاجتماعية الميسورة فهو وزوجته القاضية موظفان عموميان يعيشان مثل أغلبية الشعب التونسي حياة كفاف بسيطة للغاية إذ صرّح بأنّه قام بحملته ببعض التبرعات الرمزية لعدد من المتطوعين فضلا عن الاستنجاد بأجرة التقاعد الذي أحيل عليه مؤخرًا. وهذا معلوم ولا أحد يمكن أن يشكّك فيه إلا إذا أردنا السقوط في مطب المباهلة والخزعبلات الفايسبوكية لبعض النخب التي تصرّ على الهروب إلى الأمام عوض محاولة فهم وتفسير الظاهرة.

قبل موعد الحملة الانتخابية بأيام قليلة، سألت أحد سائقي سيارات الأجرة التاكسي عن موقفه ورأيه من مجموعة من الشخصيات السياسية المترشحة في السباق نحو قصر قرطاج. كان قيس سعيّد من بين الأسماء التي طرحتها في النقاش الخاطف الذي جمعني بذلك الشاب الثلاثيني. من بين الأشياء التي لفتت انتباهي وظلت عالقة في ذهني من زبدة ذلك الحوار أنّ هذا المواطن التونسي القاطن باحدى الأحياء الشعبية المهمشة في تونس العاصمة أشاد بخصال قيس سعيّد وأعرب عن تمنياته بأن يفوز في الرئاسية قبل أن يستدرك قائلًا في تحليل ينطوي على مفارقة كانت أشبه بالمسلمة: " نعم قيس سعيّد رجل نظيف وأستاذ قانون دستوري محترم ولكن هذه الميزات لا تتماشى ومتطلبات رجل السياسة في تونس فمن يريد أن يفوز بالانتخابات لكي يكون رئيسًا يجب أن يكون داهية ومتلوّن عملًا بمبدإ الغاية تبرّر الوسيلة". وقد ختم حديثه بالقول :"من الصعب أن يصوّت الشعب التونسي بكثافة لقيس سعيّد فهو يريد رئيسًا داهية لا يلوي العصا في يد رجال الأعمال ولوبيات المصالح والنفوذ السياسي والاقتصادي".

 سعيّد لا ينتمي للأوساط الاجتماعية الميسورة فهو وزوجته القاضية موظفان عموميان يعيشان مثل أغلبية الشعب التونسي حياة كفاف بسيطة للغاية 

المسألة الثانية التي وجب التوقف عندها بالشرح والتمحيص هي علاقة الإعلام بالسياسة وهو مجال معقد ومتشعب لطالما كان شديد التأثير في المسارات التاريخية وتحديد التوجهات الانتخابية. فالقاعدة القديمة تقول إنّ من يملك الدعم الإعلامي لاسيما في الإذاعات والقنوات التلفزية الجماهيرية وذات الانتشار الواسع هو عادة ما يصنف ضمن خانة الحائزين على أحد أهم مفاتيح الفوز. لكن هذه القاعدة تهاوت مع الظاهرة قيس سعيّد الذي كانت كبرى وسائل الاعلام طيلة الحملة الانتخابية تسعى لاستضافته لكنه خيّر مواصلة العمل الميداني والاتصال المباشر بالمواطنين في شتى ربوع الجمهورية ولاسيما في تونس الأعماق. أستحضر في هذا السياق عديد المكالمات التي جمعتني به خلال تلك الفترة حينما دعوته للحضور في إذاعة "ديوان أف أم" وفي قناة "قرطاج +" مثل بقية المترشحين في البرامج الحوارية التي كنت أقدمها حيث أعتذر وقتها في أكثر من مرة وفي آخر مكالمة هاتفية قال لي بالحرف الواحد: "أعدك بأن أكون ضيفك في الدور الثاني إن شاء الله". هذه الثقة في النفس في حدّ ذاتها أظن أنّها تتطلب وقفة تأمل وتحليلًا خاصًا يتداخل فيه النفسي بالسياسي.

يفسر البعض نجاح نبيل القروي في المرور إلى الدور الثاني بالتوظيف الذي قام به لقناة نسمة خدمة لطموحاته الانتخابية والسياسية. لكن هل هذا الطرح يمكن أن ينسحب أيضًا بنفس نظيمة التفكير والتحليل الميكانيكي والنمطي على المنافسين المباشرين الاخرين لقيس سعيّد ولاسيما عبد الكريم الزبيدي الذي وجد دعما كبيرًا من قناة "الحوار التونسي" و يوسف الشاهد الذي كان مرشحًا من نوع خاص بالنسبة للخط التحريري لقناة "التاسعة" وعبد الفتاح مورو مرشح حركة النهضة التي تتقاطع مصالحها مع قناة "الزيتونة" وقناة "حنبعل" على سبيل الذكر.

هكذا سقطت أسطورة أخرى من مسلمات الحياة السياسية في تونس على امتداد عقود فقد أضحى لوسائل التواصل الاجتماعي أو الميديا الجديدة (الإعلام المواطني البديل كما يحلو للبعض تسميته) دور كبير في الاخبار والتأثير والتوجيه ولاشكّ في أنّ قيس سعيّد قد استفاد من هذه المحامل غير الكلاسيكية دون أن ينفق ولو مليمًا واحدًا على شبكات المدونين  الذين يعملون بنظام الوكالة وقاعدة لمن يدفع أكثر وكذلك مالكي صفحات فيسبوك عكس العديد من منافسيه الذين أنفقوا أموالًا طائلة ذهبت في خزينة مارك زوكربارغ.

أسقط فوز سعيّد السرديات الكلاسيكية التي كانت محلّ جدل هووي وفكري و سياسي

المسألة الثالثة التي تحتاج هي الأخرى إلى وقفة تأمل وتفكير عميق هي قضيّة الأصنام الأيديولوجية. فقد أسقط فوز سعيّد السرديات الكلاسيكية التي كانت محلّ جدل هووي وفكري و سياسي. فلا البورقيبية حالت دون هزيمة العائلة التي تسمي نفسها بالوسطية التقدمية، ولا الإسلام السياسي وخطابه الكلاسيكي وجد صدى كبيًرا، ولا أيًضا الأطروحات اليسارية الماركسية القديمة كان لها حضور مؤثر في النتائج. وإلا كيف يمكن أن نفسر حالة الارتباك  والتخبط في تصنيف قيس سعيّد بين أهل اليمين وأهل اليسار. فهذا محمد بن سالم القيادي في حركة النهضة يقول عنه أنّه علماني متطرف ويساري المنشأ. وهذه بشرى بلحاج حميدة رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة والقيادية السابقة في حركة نداء تونس وقبلها في جمعية النساء الديمقراطيات تصفه بالسلفي قبل أن تتدارك وتقول عنه إنّه محافظ في علاقة بتصوراته المجتمعية. هذا دون الإشارة لمن يعتبره رمزًا للشعبوية وآخر يصفه بالمجدّد وصاحب الأفكار الثورية التي تقطع مع الفكر السياسي المتكلس للسيستام.

اقرأي أيضًا: صعود قيس سعيّد.. زلزال انتخابي بانتفاضة شبابية؟

فضلًا عن ذلك يبدو للبعض الآخر من عجائب الدنيا السبع أن يلتقي حول قيس سعيّد داعمون من أقصى اليسار مثل رضا المكي شهر "رضا لينين" (والذي لا ندري إن كان قد قام فعلًا بمراجعات أو تراجعات أم مجرد تكتيك لإعادة التموقع السياسي) ومجموعات محسوبة على أقصى اليمين الديني السلفي فالرجل لا يتحرج من التقاط صورة مع الناطق الرسمي السابق باسم حزب التحرير رضا بلحاج مرحبًا بكل من يريد دعم أفكاره على قاعدة الاستقلالية فهو يرفض أن يكون رهينة لأي حزب أو تيّار سياسي. ألا يؤكد كلّ الآنف ذكره أنّنا إزاء ظاهرة فريدة من نوعها تحتاج إلى فهم أعمق وتؤدة في إطلاق الأحكام على عكس الطريقة المبتذلة التي يتعاطى فيها بعض "الكرونيكورات" خاصة في القنوات التلفزية الكبرى والذين هم يتحملون جزاء من مسؤولية تسطيح الوعي العام وبالتالي نتيجة الزلزال السياسي الحاصل الذي هزّ أركان منظومة سياسية بأكملها سلطة ومعارضة، نخبًا وإعلامًا ولوبيات المال و الأعمال التي وجدت جميعها نفسها في خطّ التسلّل بلغة كرة القدم؟

على صعيد آخر، نجد أنفسنا حيال مسألة رابعة على غاية من الأهمية وهي قضيّة التوافق السياسي بين الأحزاب الكبرى وفي مقدمتها حركة النهضة ونداء تونس في مرحلة أولى ثمّ حزب مونبليزير بقيادة راشد الغنوشي وحركة "تحيا تونس" بقيادة يوسف الشاهد في مرحلة ثانية. لقد كادت مرحلة التوافق أن تودي بالبلاد إلى موت السياسة فيكفي أن يجتمع الشيخان أو البعض من قيادات هذا الحزب وذاك لعقد الصفقات وحسم الخلافات واقتسام غنيمة المناصب فيتحولّ مجلس نواب الشعب لمجرد فضاء لتقنين وتمرير القرارات التي تتخذ في غرف مغلقة دون أن يكون الشعب على دراية بتفاصيلها وخلفياتها وأهدافها.

يقول القيادي المؤسّس في حركة تحيا تونس الصحبي بن فرج في لحظة اعتراف ونقد ذاتي إنّ هناك مجموعات من النهضة وحزب يوسف الشاهد قد خططت لحكم تونس لمدة لا تقل عن 15 سنة في إطار استكمال الشراكة السياسية التي بدأها الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي. لكن طبعًا ترشح قيس سعيد وفوزه في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية ولاسيما هزيمة مرشحي الدولة العميقة على غرار يوسف الشاهد وعبد الكريم الزبيدي أسقطت هذه المخططات والصفقات التي كان يراد من خلال الاستيلاء على الإرادة الشعبية واغتيال السياسة في بعدها الرمزي والممارستي النبيل عوض أن يكون المجال العمومي فضاء للتنافس ولصراع الافكار والمشاريع في كنف الشفافية والوضوح.

 حتما ما حصل في تونس من الصعب أن يحصل في بلد آخر عربي

 حتما ما حصل في تونس من الصعب أن يحصل في بلد آخر عربي فحينما يفوز مرشح مستقل كان بمثابة "الذئب المنفرد" الذي لم يقرأ له أي حساب بل إنّ البعض كان ينظر إليه بسخرية وتجاهل فجّ بلغ حدّ الاحتقار والازدراء، على حساب رئيس حكومة و رئيس للبرلمان ووزير للدفاع فهذا في حدّ ذاته يؤكد الاستثناء الديمقراطي التونسي الذي هو عنوان لمشهد سياسي متحرك غير جامد لا يقبل فرض منطق الأمر الواقع وسطوة أجهزة الدولة في تحديد الخيارات الانتخابية للمواطنين.

الملاحظة الخامسة وربّما هي الأهم من حيث رمزية فوز قيس سعيّد تتعلّق أساسًا بإحياء السياسة من حيث عودتها إلى مدارها الطبيعي. فبعد أنّ ظنّ الجميع أنّ قضيّة النظام السياسي وآليات الاشتغال العلائقي داخل منظومة الحكم قد حسمت لفائدة الأحزاب. يعود الجدل اليوم هو ماهية الدولة وعلاقتها بالمجتمع وقضايا حقوقية وسياسية على درجة عالية من الأهمية. ففي الوقت الذي كان فيه لفيف واسع من القوى السياسية يدعو إلى تغيير الدستور من خلال ارساء نظام سياسي رئاسي غير بعيد عن ذلك السائد طيلة عهد دولة الاستقلال، يثير المرشح الرئاسي قيس سعيّد مجددًا قضايا جوهرية في البناء الديمقراطي من قبيل نظام الاقتراع وأفقية التراتبية القائمة على الهرم المقلوب من المحليات إلى المركز ودور مجلس نواب الشعب في هذا المسار فضلا عن المجالس الجهوية.

اقرأ/ي أيضًا: قيس سعيّد.. الرّاديكاليّة و"الرّوافض"

في هذا المضمار، من الواضح أن سعيّد يجدف عكس التيار تمامًا حينما يطرح فكرة "التأسيس الجديد" أو ربما هو يغرد خارج السرب. ولكن هل من الوجاهة والموضوعية تشبيه ما يطرحه باللجان الشعبية التي طرحها في وقت سابق العقيد معمر القذافي في ليبيا؟" أليس في هذه المقارنة ضربًا من ضروب الاجحاف الذي يتجلى في إسقاطات غير نزيهة؟ فهل السياق التونسي الحالي هو نفسه الذي كان في الجماهيرية الشعبية الليبية خلال العهد السابق؟ وهل من مجال للمقارنة بين الرجلين؟

وبقطع النظر عن مدى امكانية تحقّق ذلك في ظلّ غياب حزام برلماني أو حزبي داعم للرجل فإنّ طرح هذا الملف في حدّ ذاته يعبّر عن ظاهرة صحيّة. وحينما يبشّر سعيّد وبعض الداعمين له بنهاية زمن الأحزاب الكلاسيكية العمودية التي تستمد مشروعيتها من الديمقراطية التمثيلية وبرؤية مخالفة للسائد في علاقة بدور المجتمع المدني ومكانة المسائل الحقوقية في نطاق تحديد الاولويات والمسائل الثانوية ففي هذا النقاش احياء للسياسة التي أوشكت على الموت.

لا شكّ في أننا لا نبالغ عندما نعتبر أنّ فوز قيس سعيّد الذي كان بمثابة الحصان الأسود للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها قد أحيا السياسة في تونس وهي رميم. فهذا الرجل المتزهد في السلطة والذي رفض في وقت سابق أن يكون رئيسًا لقائمة حركة النهضة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي والذي اعتذر أيضًا عن قبول منصب وزير العدل ثمّ رئيس الحكومة بين 2012 و 2013 إبان الأزمة السياسية التي كادت تعصف بمستقبل المسار الديمقراطي وقتها هاهو اليوم يقلب كلّ المعادلات ويحطم كلّ المسلمات السابقة فحتى الشباب الذي عزف عن الأحزاب السياسية وفي قطاعات واسعة منه أصبحت الهجرة إلى الخارج طموحه الوحيد عاد مجددًا إلى قلب المعترك الانتخابي فلولاه لما كان يمكن أن يفوز قيس سعيّد الذي يجوز وصفه بالظاهرة السياسية.

 قيس سعيّد ليس نبيًا حاملًا لرسالة جديدة ولا رجل سياسة تقليدي. هذا لا يمنع من ضرورة الاعتراف بما له من فضائل على الحياة الديمقراطية في تونس إذ يكفيه شرف إلقاء حجر في بركة من المياه الراكدة والمتعفنة

يوم اندلعت احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا على الفور تشكلت فرق عمل تضم باحثين في علم الاجتماع وغيرها من الإختصاصات الاكاديمية من أجل محاولة فهم الظاهرة وتحليلها بمقاربات علمية موضوعية وشرح ما حصل للرأي العام الفرنسي كما تجندت وسائل الإعلام من خلال استضافة كبار المثقفين والجامعيين المختصين من أجل مساعدة المواطن على التحليل والاستشراف.

في تونس بعض الجامعيين عوض أن ينخرطوا في خطابات عقلانية هادئة تنطوي على تأصيل علمي ومعرفي ميداني تحولوا إلى مجرد مدونين ومعلقين بأسلوب لا يختلف كثيرا عن الرداءة والسطحية والشعوذة التي نشاهدها ونستمع اليها في بعض البلاتوهات التي يصر المشرفون عليها على احتقار الشعب وترذيل إرادته الديمقراطية و مزيد تعميق الهوة بين وسائل الإعلام والنخبة المثقفة من جهة، والواقع المعيش في تونس الاعماق وفي هوامش المجتمع من جهة ثانية.

إنّ قيس سعيّد هو ظاهرة سياسية بلا منازع قد تكون شعبوية وقد تكون ظرفية لا يمكن أن تصمد كثيرًا لاسيما وأنّه سيجده نفسه في مواجهة مشاكل جمّة في حال فوزه بكرسي الرئاسة وربما العكس صحيح أيضًا فلا أحد قادر اليوم على استباق الأحداث ومصادرة المستقبل كما أنّ مشروعه ورؤيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحتاج إلى مزيد من التوضحيات ودرء للكثير من الشوائب. لكن هذا لا يعني أنّه هناك مبررات عقلانية وموضوعية لدى الكثير من النخب التي تهاجم الرجل أحيانا عن حسن نيّة وفي أوقات أخرى لغاية في نفس يعقوب دون أن يعود لها الرشد سعيًا لتفكيك طلاسم لغز سياسي اسمه قيس سعيّد وهو الذي قد يكون له دور في تغيير مسار تاريخنا الراهن.

خلاصة القول، قيس سعيّد ليس نبيًا حاملًا لرسالة جديدة ولا رجل سياسة تقليدي. هذا لا يمنع من ضرورة الاعتراف بما له من فضائل على الحياة الديمقراطية في تونس اليوم إذ يكفيه شرف إلقاء حجر في بركة من المياه الراكدة والمتعفنة وبالتالي إعادة انبعاث السياسة وهي رميم عبر هدم الكثير من المسلمات وإعلاء منسوب التفكير في قضايا كنا نظن أنها قد حسمت بلا رجعة فضلًا عن إحياء وهج الثورة بعد أن كادت أن تطمس مع محاولات ذبح مسار العدالة الانتقالية من الوريد إلى الوريد تحت غطاء توافق مغشوش ومسموم أسقط بالضربة القاضية في انتخابات حرّة وديمقراطية قطعت شعرة معاوية مع عقلية القطيع.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل قيس سعيّد مرشّح شعبوي؟ ارموا حجارتكم!

"السيستام ڨبي ڨبي"..ليلة سقوط منظومة الحكم في تونس