15-يونيو-2022
مظاهرة سابقة لمواطنون ضد الانقلاب

"انحصار التفكير في لحظة المقاومة دون أن نفكر في مسار التأسيس لن يحقق المطلوب" (الشاذلي بن ابراهيم/Nurphoto)

مقال رأي

 

ما الذي يدفعنا للحديث عن مرحلة ما بعد الانقلاب؟ وأي مشروعية لهذا السؤال؟ وهل فيه تخط للحظة الانقلاب بكل المخاطر التي تحملها وتداعياتها المنتظرة على التجربة الديمقراطية ككل في تونس؟

الأكيد أن ما تمر به تونس "لحظة" بكل ما تحمله الكلمة من معاني تحصر الظرفية الزمنية التي تقيد فعل الانقلاب وتؤهلنا للحديث عما بعده. هذه اللحظة تقودنا بالضرورة للحديث عن العشرية السابقة والتي كان لها ما تحمله من مسببات قادتنا لفعل الانقلاب. الأكيد أيضًا أنه لا مبرر لأي شخص كان له موقع في المشهد السياسي وفي أي ظرف كانت تعيشه البلاد أن يقود انقلاباً هو بشع في دلالته وفي ضربه للمسار الديمقراطي والتجربة ككل.

"عرفت العشرية السابقة جملة إخلالات تراكمت على مر السنوات ونخرت في عمق أساسات المرحلة الانتقالية"

عرفت العشرية السابقة جملة إخلالات تراكمت على مر السنوات ونخرت في عمق أساسات المرحلة الانتقالية، حتى أنتجت مناخًا ملائمًا لكل زيغ عن مسارات العمل الديمقراطي واحترام المكاسب التي تحققت طيلة السنوات الماضية، بكل ما يحمله المنجز من تفاوت بين مختلف المسارات، ولذلك أكسبت التجربة ككل انعراجًا بينًا لم تستطع النخبة السياسية وقادة المرحلة تسويته وتجاوز ارتداداته.

 

 

لم تتعامل النخبة السياسية في البلاد مع المرحلة السابقة برؤية تأسيسية متكاملة وبما تعنيه مرحلة التأسيس من مغالبة ارتدادات لحظة الثورة التونسية – والمبررة في طبيعتها – وتقدير أهمية بناء الجمهورية الثانية على مرتكزات تتجاوز حتى ما فرضته غاية التوافق التي طبعت الفعل السياسي في العشرية السابقة. وعلى ما حققه التوافق من تجاوز لمحطات صعبة عاشتها البلاد، فقد استقوى على مرتكزات التأسيس وأحقية "المستقبل" في بناء نموذجه لإدارة شؤون البلاد النموذج الذي يقطع مع الماضي ونمطه المشوه.

كما أن شكل إدارة المرحلة السابقة والمطبات السياسية التي مرت بها البلاد تعسفت على مسار الانتقال الديمقراطي وركنه الأساسي في العدالة الانتقالية. حيث أن هذا الملف - على ما كان ليحققه كفرصة لبناء بيئة نظيفة للجمهورية الثانية – مثل، بسوء إدارته وانحصاره في مربعات التوافقات السياسية، مثل ثغرة عميقة في نجاح التجربة الديمقراطية وتركيزها نموذجًا للحكم والتحاكم بين الفرقاء السياسيين.

"لم تتعامل النخبة السياسية في البلاد مع المرحلة السابقة برؤية تأسيسية متكاملة كما لم تحسن إدارة ملف العدالة الانتقالية"

الأكيد أن عشرية ما بعد الثورة حققت للبلاد مكتسبات كثيرة لا يمكن حتى للانقلاب أن ينسفها، وإن كان أثره سيكون للأسف ممتدًا لسنوات عدة وليس سهلاً معالجته دون بناء تصور جديد برؤية إصلاحية قادرة على تجاوز عقبات المرحلة السابقة، وقد ساهم الانقلاب في تبيان جملة هذه الإخلالات والإخفاقات، وكشف أركان النزاع بين الأنموذج القديم في تصوراته التنموية القائمة على الاقتصاد الريعي وفرصة تثبيت أركان الجمهورية الثانية كأنموذج بديل قادر على تحقيق الإنجاز والنهوض بواقع التونسيين، ولتكون فيه الديمقراطية فرصة لخلق الثروة.

لحظة الانقلاب.. هل هي لحظة فاصلة أم بداية مرحلة؟

الأكيد عندي أن الانقلاب لحظة فاصلة بما تحمله من بشائر لانتهائه وسقوطه، وبما تمثله من بداية مرحلة أخرى يمكن أن تكون قاطعة مع العشرية السابقة في تشوهاتها وبما تؤسسه لعشرة قادمة قائمة على الإنجاز على أرضية تثبيت أركان الجمهورية الثانية وعلى مرتكزات إصلاحية حقيقية تستوعب من جديد تحقق مسار العدالة الانتقالية وإنجاز الانتقال الديمقراطي وتشرك الجميع في تتويج هذا المسار.

"إسقاط الانقلاب هو مسار مستمر يبدأ بإنهاء إجراءات 25 جويلية ويتواصل في تثبيت دعائم الجمهورية الثانية واستئناف مسار الانتقال الديمقراطي بما يحمله من ضرورة إنهاء ملف العدالة الانتقالية"

"الجميع" تعني أن الكل مسؤول في تحمل الأعباء وفي بذل الجهد، والأهم في تصوري أن الجميع معني بالاستفادة من نجاح مسار الانتقال الديمقراطي وبتحقق جوهر أساسي في الثورة التونسية ألا وهو العدل والتوزيع العادل للثروة. وحتى لا نتجاوز هذه النقطة الهامة، جذور الانقلاب تكمن فيما قد يهدد مكتسبات المنظومة القديمة في مصالحها ونفوذها المتمحورة حول الثروة وقنوات توزيعها وفي تشكل مناخ – على ضعفه – تجرأ على المس من هذه المكتسبات. تقاطعت مصالح هذه المنظومة في إقرار الانقلاب والدفع به والاستفادة من كل خطواته المتهورة، وحالة التهور هذه تثبت جليًا أن غاية الانقلاب ومن خلفه تدمير كل أرضية تسمح بإعادة تدوير قنوات تصريف الثروة والحرص على مركزتها بالشكل السابق المتمثل في المنوال التنموي المترهل وفي تقاطع المصالح بين كل المستفيدين منه.

التفكير في سقوط الانقلاب لغايته لن يسقط الانقلاب، فهو في تقديري إرادة مستمرة لكل من يبحث عن الحفاظ على مكتسباته وبكل شراسة الدفاع عنها

التفكير في سقوط الانقلاب لغايته لن يسقط الانقلاب، فهو في تقديري إرادة مستمرة لكل من يبحث عن الحفاظ على مكتسباته وبكل شراسة الدفاع عنها. لذلك، إسقاط الانقلاب هو مسار مستمر يبدأ بإنهاء إجراءات 25 جويلية ويتواصل في تثبيت دعائم الجمهورية الثانية واستئناف مسار الانتقال الديمقراطي بما يحمله من ضرورة إنهاء ملف العدالة الانتقالية. لذلك، أشكال مقاومة الانقلاب عليها أن تستوعب المطلوب من سقوط الانقلاب لا الوقوف عند لحظة السقوط كتتويج لهذا الخيار.

بطبيعة الحال، تختلف الأولويات ضمن كل مرحلة وتتنوع، غير أن انحصار التفكير في لحظة المقاومة دون أن نفكر في مسار التأسيس لن يحقق المطلوب من كل هذا،  وحالة الاقتران هذه ستضاعف بلا شك من كلفة المقاومة والنضالية ضد الانقلاب غير أنها تأسيسية لمرحلة ما بعد سقوط  إجراءات 25 جويلية.

 

  •   المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"