"التناوب الوظيفي".. أهمّ ثوابت الانتقال الديمقراطي في تونس

"الوظيفيّة" من المصطلحات كثيرة الدوران في الخطاب السياسي

 

السياسة فعل إنساني متحوّل، وتكفي صفتا الإنساني والمتحوّل لتمنعا الحديث عن "قانون" يضبط الفعل الإنساني. وفي هذا المعنى يُفهم شقاء العلوم الإنسانية في بحثها عن ثوابت في الفعل البشري نفسه تؤطّره وتعقلنه معه لتيسير التعامل معه وتبيّن مآلاته.  

وتساعد الملاحظة على رصد ما تواتر من هذا الفعل وتجتهد في نحته مصطلحًا وضبطه مفهومًا. ومن شأن هذه الخطوة أن توفّر قدرًا من الطمأنينة في تأنيس الظواهر كي لا تبقى مجهولة، فحدّ الشيء جزء من تصوّره، وفي التصوّر نزعٌ للرهبة التي يثيرها المجهول قبل التعرّف إليه.

في هذا السياق، بدا لنا أنّ ما اصطلحنا عليه بـ"التناوب الوظيفي" أهمّ الثوابت في صراع القديم والجديد في تونس الثورة والمراحل التي قطعتها في سنواتها التسع.

اقرأ/ي أيضًا: جدل "التمثيل" و"الإجماع" في التجربة الديمقراطيّة التونسية

حدود المفهوم

"الوظيفيّة" و" الوظيفي" من المصطلحات كثيرة الدوران في الخطاب السياسي في المشهد السياسي بتونس، ومنها "اليسار الوظيفي" و"الأحزاب الوظيفية". وبدأت تتبلور حدود المفهوم في سياق تدافع القوى والمصالح والاستراتيجيات بما يُعبِّر عنها من أحزاب ومنظّمات وجماعات ضغط ومراكز قوى.

"الوظيفيّة" و" الوظيفي" من المصطلحات كثيرة الدوران في الخطاب السياسي في تونس ومنها "اليسار الوظيفي" و"الأحزاب الوظيفية"

ومثّل صراع القديم والجديد أهمّ السياقات التي ساهمت في توضيح مضمونه، فصارت الوظيفيّة هي المهمّات التي تؤديها قوّة من القوى الفاعلة في المشهد خدمة لأهداف غيرها، كانت تعارضها في الأصل وتعتبرها مضادّة لطبيعتها ومخالفة لغاياتها. وقد تقتصر الوظيفية على موقف وحيد في منعرج من منعرجات الصراع فتكون أقرب إلى الخطأ السياسي الذي يمكن تلافيه، وقد تصبح سياسة ونهجًا، وبعض الجماعات تعلّقت بها الوظيفيّة نشأةً وطبيعةً.

هذا "التناوب الوظيفي" هو الذي جعل الحدود غير مستقرّة بين القديم والجديد في سياق المراحل الثلاث التي عرفها المشهد السياسي في تونس وهي "التأسيس"، و"الانتقال الديمقراطي"، و"المرحلة النهائيّة". والمرحلة النهائيّة بما هي استكمال للانتقال وبناء مؤسسات النظام السياسي أشبه بخاتمة السباق يراهن فيها المتسابقون الرئيسيون على الوصول في المرتبة الأولى وبأقلّ الخسائر. وهذا ما يفسّر حدّة التجاذبات وعدم استقرار المواقف وتبدّل المواقع، وما يمكن أن نحتفظ به هو أنّ القديم بكلّ ما عرفه من تقلّبات لا سيّما في واجهته السياسيّة المعبّرة عنه بقي هو الحكم الرئيسي في الصراع وركنت مكوّنات الجديد إليه تستقوي به على بعضها البعض.

سياقات التناوب الوظيفي ومظاهره

يمكن الحديث عن ثلاث سياقات لهذا التناوب الوظيفي تحدُّها الاستحقاقات الانتخابيّة التي عرفتها البلاد وهي الانتخابات التأسيسيّة 2011 وانتخابات 2014 وانتخابات 2019.     

في الأيام الأولى للثورة، وبعد هروب بن علي، بلغ التضامن الشعبي مستوى لافتًا. ومع ارتخاء يد الدولة ومؤسستها الأمنيّة، تشكّلت لجان أحياء وروابط شبابيّة تحمي المدن وتمنع الفوضى، وظهر استعداد جماعي لتحمّل الأعباء المعيشيّة ("خبز وماء وبن علي لا"). ولم يكن أمام التعبيرات السياسيّة المختلفة إلاّ مجاراة هذا التوجّه العام، ممّا اضطرّ كثيرًا من رموز النظام وأنصار حزب التجمّع إلى الانسحاب المؤقّت.

أصبح القديم، بعد أن زال خوف أنصاره وعبروا إلى المشهد الجديد من ثغرة الخلافات المبكّرة بين أنصار الجديد وعلت أصواتهم، أهمّ الفاعلين وأقدرهم. وتجد قدرته في استعادة روافده وما له من مراكز قوى في الدولة والإدارة ولوبيات الإعلام المال والأعمال، وهو ما سيُطلَق عليه في الخطاب السياسي لاحقا بـ"السيستام".

يمكن الحديث عن ثلاثة سياقات لهذا التناوب الوظيفي تحدُّها الاستحقاقات الانتخابيّة التي عرفتها البلاد وهي الانتخابات التأسيسيّة 2011 وانتخابات 2014 وانتخابات 2019

كان"التناوب الوظيفي" سليل انقسام الصف الثوري والوعي السطحي بطبيعة ما جدّ، وكان القديم أكثر وعيًا بانتباهه إلى أنّه بإزاء نوع مختلف من الثورات، فالأصل أن تُزيل الثورة الوضع القديم، هكذا هو الأمر في الثروات التقليديّة. غير أنّ الثورة الجديدة لم تستنكف من مطالبة النظام بإصلاح نفسه، وتجلّى هذا في القبول بتولّي رموزه قيادة البلاد بعد 14 جانفي، بعد أن تبنّوا الثورة واستعاروا معجمها لسانها.  

لم يكن أمام القديم من سبيل سوى الاستثمار في خلافات الجديد وتعميقها. ونجح، بعد سنة من حكم الترويكا، أن يوظّف هذه الشروخ بتوسيع مساحة الاختلاف مع الاسلاميين وتقليصها مع اليساريين على قاعدة الدفاع عن " النمط المجتمعي التونسي" المهدّد من قبل مشروع الإسلام السياسي. ولعبت شخصيّة الباجي قايد السبسي دورًا حاسمًا في لمّ شتات القديم وإعادته إلى مربّع الفعل السياسي وتصدُّر مضادَدَة المسار التأسيسي باسم منع التغوّل والدفاع عن مدنيّة الدولة ومكتسبات الجمهوريّة.

اقرأ/ي أيضًا: في الصراع والتدافع أو جدل التأسيس والانتقال الديمقراطي

وجمع الرجل حوله أغلب رموز اليسار الثقافي مراهنًا على استعدادها الكامل للاصطفاف وراءه، واستمال اليسار السياسي ممثّلًا في الحزب الديمقراطي التقدّمي واليسار الأيديولوجي الجبهة الشعبيّة. واتسعت جبهة الإنقاذ التي تمّ تشكيلها إلى أوسع الطيف السياسي من قوميين وليبراليين، غير أنّ دخول حزبين علمانيين مع حركة النهضة في تجربة حكومتي "الترويكا" لم يسمح بفرض الصراع الهووي كما أراده القديم، فتكفّل الاغتيال السياسي بتعميق الشرخ المطلوب بين الجبهة الشعبيّة والنهضة.

ومثلما اعتبر أنصار المسار التأسيسي الجبهة ومَنْ نهج طريقها في موضوع الجهاز السرّي وقطع الطريق لفائدة الباجي "جماعةً وظيفيّةً" في خدمة المنظومة القديمة نعتت الجهة المقابلة حزبيْ المؤتمر وحزب التكتّل بأنّهما مجرّد زوائد وظيفيّة. واعتبرت سياسةً التوافق التي كان منطلقها لقاء باريس الشهير ومبرّرَها نتائج الانتخابات في 2014 ونتيجتَها عودة القديم إلى الحكم صورةً أخرى من "الوظيفيّة"، وهي وظيفيّة تجد عمقها في تشابه المشروع الاجتماعي لكلّ من النهضة ونداء تونس قبل أن يتشظّى.

بين الهاجس الوجودي والمطلق الإيديولوجي

عرف الصراع منذ انطلاق الثورة تحولات مهمّة، رغم أنّ العنوان العام كان صراع القديم والجديد، وهذا من مفارقات المشهد السياسي التونسي. فرغم ثبات العنوان فإنّ حدود قديم/جديد كانت متحوّلة بتحوّل مواقع الفاعلين السياسيين ومواقفهم وتحالفاتهم. ويقوم شبه إجماع على أنّه لا يوجد حزب سياسي لم يقع في مطبّ التعبير عن الموقف ونقيضه، ولذلك فإنّ التنابز بالقرب من "السيستام" وخدمته خطابٌ تتكافأ فيه الأدلّة. والخلاصة ألاّ أحد بمنأىً عن الإدانة، وأنّ قوى الجديد بقيت رهينة عند "السيستام" يُجري سياساته استفادة من تناحرها واحتكامها إليه، ومن ثمّ خدمتها مصالحه مقابل مكاسب بخسة تتعارض مع الغاية التي من أجلها عارضت ومن أجلها ثارت.   

عاملان أساسيّان كانا وراء ظاهرة التناوب الوظيفي نراهما في "الهاجس الوجودي" و"المطلق الإيديولوجي"، ومعلوم أنّ الهاجس الوجودي حالة تعرفها النهضة وهي امتداد لصراعها مع النظامين البورقيبي والنوفمبري

ولكن من ناحيّة أخرى، فإنّه رغم التحولات السياسية المشار إليها بقيت اللغة الواصفة تقريًبا على حالها. فلئن كان لثنائيّة ثورة/ثورة مضادّة ما يبرّرها في مرحلة التأسيس فإنّ امتدادها إلى ما بعدها من أطوار الانتقال الديمقراطي يثير كثيرًا من الشكوك حول مصداقيّة هذا التقسيم المرحلي ومدى تعبيره عن تحولات حقيقة ومراحل فعليّة عرفها المشهد السياسي في تونس.

عاملان أساسيّان كانا وراء ظاهرة التناوب الوظيفي نراهما في "الهاجس الوجودي" و"المطلق الإيديولوجي"، ومعلوم أنّ الهاجس الوجودي حالة تعرفها حركة النهضة وهي امتداد لصراعها الوجودي مع النظامين البورقيبي والنوفمبري، وقد كان منطلقه سنة 1981 ولم يتوقّف إلا مع الثورة. وكان لفترة القمع وسنيّ المطاردة والسجن أثرها على مناضليها وقياداتها التاريخيّة، واحتدّ هذا الهاجس مع الانقلاب الدموي على ثورة 25 يناير في مصر، ومن الصعب فهم سياسات النهضة ومواقفها وتحالفاتها بعد الثورة بمعزل عن هذا الهاجس. وفي هذا السياق، توضع سياسة التوافق التي اتبعتها، فكانت الأحرص على تأسيس الديمقراطيّة وفق ما يذهب مراقبون.

وأمّا المطلق الإيديولوجي فقد كان له أكثر من تعبير وأكثر من جهة، ومما يمكن الوقوف عنده هو هذا الاتفاق على رفض النهضة والإصرار على إعلان الاختلاف عنها من كلّ الطيف السياسي، وللعامل الإيديولوجي دور كبير في هذا. إذ يستعيد خلاف اليسار والقوميين مع النهضة صراعات قديمة منها الصراع داخل الحركة الطلابية بالنسبة إلى اليسار، والخلاف الناصري الإخواني بالنسبة إلى القوميين. ولا تختلف المنظومة القديمة عن الموقفيْن السابقيْن رغم تعدّد أوجهها في احتفاظها بدرجة من الحدّة والرفض تجاه حركة النهضة.

تشكيل الحكومة وحقيقة التناوب الوظيفي

اجتهد "السيستام" في أن تكون له واجهة سياسيّة هي "نداء تونس"، وله اليوم أكثر من واجهة بعد تفتّتها. ولئن اختلفت هذه الواجهات في درجة حدّتها تجاه حركة النهضة فإنّها لا تختلف في مبدأ مناهضتها، ويبدو حزب "تحيا تونس" أقواها لا بحجمه البرلماني وإنّما بقدرة رئيسه يوسف الشاهد على الاستفادة القصوى من موقعه في رئاسة الحكومة وفي توظيفه لأجهزة الدولة في خدمة حزبه ودوره في الأزمة الحاليّة.

وتمثّل مفاوضات تشكيل الحكومة بعد سقوط حكومة الجملة مجالًا مثيرا لحقيقة "التناوب والوظيفي"، فالقوى المحسوبة على الثورة تعيد الجدل العقيم نفسه، بعد أن أضاعت فرصة تشكيل حكومة بقاعدة برلمانيّة معتبرة وحزام سياسي قويّ، ويجد أغلبها نفسه "قوّة وظيفيّة" وإن توهّم أنّه يعمل لحسابه الخاص.

يعرف مشهد الانتقال الديمقراطي معطى جديدًا مع الانتخابات الرئاسيّة تمثّل فيما يطرحه الرئيس قيس سعيّد من تصوّر جديد للدستور والنظام السياسي

طرفا الصراع الرئيسي، كما يبدو من خلال مفاوضات تشكيل الحكومة، هما النهضة و"تحيا تونس". فمثلما تسعى النهضة إلى إبعاد الشاهد وحزبه من تشكيلة الحكومة أو إضعاف حضوره فيها، يجتهد الشاهد، من خلال لقائه مع حركة الشعب والتيار إلى عزل النهضة، وهو يعلم أنّها بلا حلفاء حقيقيين. فائتلاف الكرامة الذي الذي تلاحقة تهمة تذيّله للنهضة يسعى إلى أن يتّخذ مسافة منها ويختلف عن التيار والشعب في الوقت نفسه من خلال رفضه المشاركة في حكومة يكون فيها "قلب تونس" (تحرص النهضة على مشاركته) و"تحيا تونس".

استقرار النهضة طرفًا أساسيًا في الصراع في كلّ مراحله منذ تسع سنوات عائد إلى كونها من أهمّ شروط تأسيس الديمقراطيّة، وهي لا تبدو على وعي بهذه المهمّة ولا منافسوها من الصف الثوري وخصومها من المنظومة القديمة انتبهوا إلى أنّ إتمامها المهمّة مقدّمة إلى خروجها من المشهد وحلول مكوناتها في هويّة سياسيّة أخرى. ويتأكّد هذا الأمرمع مؤشّرين متّصلين: مؤشّر اقتراب الانتقال الديمقراطي من أن يحطّ عند نهايته بما هي استقرار للديمقراطيّة، ومؤشّر التحولات داخل حركة النهضة باعتبارها مقدّمةً إلى نهاية رحلة سياسية مثيرة امتدّت إلى على أكثر من أربعة عقود.

يعرف مشهد الانتقال الديمقراطي معطى جديدًا مع الانتخابات الرئاسيّة تمثّل فيما يطرحه الرئيس قيس سعيّد من تصوّر جديد للدستور والنظام السياسي. وإذا استعدنا الانقسام السياسي ووجود مجال سياسي رسمي يعرف ديمقراطيّة تمثيليّة متعثّرة ومجال سياسي هامشي (أهلي) يطمح إلى ديمقراطيّة مباشرة لا تجتمع شروطها يكون تشكيل الحكومة على ضوء الفقرة الثالثة من الفصل 89 محاولة لجرّ الرئيس إلى مجال الديمقراطيّة التمثيليّة وفرملة اندفاعه.

يكشف التناوب الوظيفي أنّ "السيستام" مازال يمسك بخيوط اللعبة الأساسيّة رغم ما عرفته واجهاته السياسيّة من انقسام وتفتّت، ويبدو هذا جليًا في تشكيل الحكومة، وفي إسقاط حكومة الحبيب الجملي، وقبله إسقاط المقترح المتعلق بالزكاة في قانون المالية، فانقسام القديم لم يقلّل من فاعليّته وقدرته على التأثير والتوجيه وإعادة إنتاج مصالحه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الثورة التونسية.. الأسئلة الدائمة لثورة الألفية الثالثة

أيّ مضمون لـ"صفة الثوريّة" في مرحلة الانتقال الديمقراطي؟