لا فرق بيننا.. كلنا أحمد أحمد!

لا فرق بيننا.. كلنا أحمد أحمد!

برّر "الكاف" قراره بإعادة نهائي رابطة الأبطال الإفريقية بـ"الظروف الأمنية غير المناسبة" في ملعب رادس (أ.ف.ب)

 

مقال رأي

 

"التوانسة يد وحدة"، يقول رئيس الحكومة يوسف الشاهد في نشرية أطلقها على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، رد من خلالها على تبرير رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم أحمد أحمد، المدغشقريّ الجنسية والرباطيّ الهوى، لقرار إعادة مباراة نهائي رابطة أبطال القارة السمراء لكرة القدم بين فريقي الترجي الرياضي التونسي والوداد المغربي، بأن الظروف الأمنية للمباراة التي اُقيمت بملعب رادس بتاريخ 31 ماي/آيار المنقضي كانت "غير مناسبة".

لنتّفق أوّلاً أنّي من أحبّاء فريق الأحمر والأصفر. ولقد كنت من مجانين الساحرة المستديرة ومن المتنقلين بين ملاعبها في تونس، قبل أن يطلق أمن الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، رصاصه على أبناء الڨصرين، في وقتٍ كانت فيه الأعناق في مقهى حيّنا مشرئبّة نحو شاشة التلفاز لمتابعةِ مباراة جمعت بين الترجي الرياضي التونسي والنجم الرياضي الساحلي والتي انتهت بفوزِ الفريق الثاني فوزًا ساحقًا.

وَجدتُني آنذاك أحدث أقرانيٓ عن عدد الشهداء فيحدثونني عن عدد الأهداف، وأحدثهم عن ضرورة تنحي زين العابدين بن علي فيحدثونني عن ضرورة تنحَي نبيل معلول، وأحدثهم عن جموع المتظاهرين في الڨصرين فيحدّثونني عن جموع الهاتفين في ملعب جوهرةِ السّاحل. ومنذ ذلك اليوم، أعرضتُ عن عالم كرة القدم، والأصحّ أنّيَ صرتُ متابعًا عاديّا، أكتفي بمشاهدة المباريات من ركنٍ في المقهى، وكان آخرها مباراة "الفار".

من يمسُّ من أمن تونس وصورتها، منّا وفينا

لنعد الآن إلى أصل الحكاية، تحديدًا، إلى كلمة رئيس الحكومة يوسف الشاهد عن وحدة التونسيّين، والتي تزامنت، للمفارقة، مع حرب ضروسٍ بينهم، بمختلف انتماءاتهم الرّياضيّة، ساحتُها الأرض الافتراضيّة، لتتحوّل إلى همزٍ ولمزٍ بين تونس من جهة والمغرب من جهةٍ أخرى. ولا أنوي هنا دعوةَ التّونسيّين والمغاربة إلى ضبط النّفس خاصّة وأنّهم أبناءُ أمّةٍ فرّقها حتّى هلال العيد.

"تكلّم يوسف الشاهد بوطنيّة"، هكذا يقول من بات يمثل، بالنسبة إليه، قرار إعادة مباراة إياب نهائي رابطة الأبطال الإفريقية "إهانةً للدولة التونسية" على اعتبار حديث رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم أحمد أحمد عن الأوضاع الأمنيّة "غير المناسبة" لإتمام مباراة النهائي في درّة المتوسّط.

اقرأ/ي أيضًا: كرة القدم في تونس.. غرام "بالروح والدم" وعنف وجهويات

ولقد تداول أصحاب هذا الرأي منشورًا لصفحة تحمل إسم "النقابة العامة للحرس الوطني"، جاء فيه أن "الحمد لله أنّ تونس جمهوريّة حرّة مستقلّة يقف شعبها في الطّوابير أمام مكاتب الاقتراع للتّصويت وانتخاب ممثّليه بكلّ ديمقراطيّة ولم يقف يومًا مواطن تونسيّ في الصّفّ ينتظر دوره ليقبّل يد الحاكم". كما عبّر عدد من الإعلاميّين وضيوفهم الدّائمين عن غضبهم مما اعتبروه مسّ الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، ممثّلا في أحمد أحمد، من صورة تونس وأمنها، حتى أنّ الوزير السابق مبروك كرشيد دوّن بأنّ هذه "المعركة"، وفق تعبيره، "تستهدف السّياحة والأمن وسمعة تونس". وكان رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد استبق حديثه عن وحدة التونسيّين بالقول "إنّ من يشكّك في أمن تونس يتحمّل مسؤوليّته".

وبالحديث عن "التشكيك في أمن تونس"، صرّح الإعلامي لطفي العماري منذ أيامٍ لدى تعليقه على حادثة مقهى رادس بأنّ "وزارة الداخلية تكذب على التونسيّن وهو أمر خطير"، مضيفًا :"هذه الوزارة عوّدتنا بالأراجيف والأكاذيب". وما أنا هنا بصدد الوشاية بلطفي العماري، فللوشاية وأهلها حروفٌ ووثائق ومراسلاتٌ من زمن السابع من نوفمبر تشهد عليهم، وإنّما لتبيانِ أن من يمسُّ من أمن تونس وصورتها، منّا وفينا.

إلى أن نفهم أن داء تونس منّا وفينا، ستبقى تونس، على رأي الصحفي المصري أبو كريشة في وصفه لبلاده، دون شعب بالمعنى الواضح فيها قبائل سياسية وفكرية ودينية والآن قبائل رياضيّة متناحرة ومتنافرة

في شهر أكتوبر/تشرين الأول من السنة الماضية، فجّرت امرأةٌ نفسها بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، وعلى الرّغمِ من أنّها لم تلحق بالآمنين في وطنهم أضرارًا، إلاّ أنّ الحدث انتشر في كلّ أرجاء العالم كالنّار في الهشيم. ولم يمضِ شهران على الحادث الإرهابيّ بتونس حتى ذبح إرهابيّو تنظيم "داعش" سائحتيْن نرويجيّتيْنِ في المغرب. وعلى عكس ردّة الفعل التونسيّة، سارع الإعلاميّون المغاربة إلى تطويق الجريمة حتى أن الحديث عنها لم يدم يوميْنِ متتالييْن. أذكر حينها أنّ جلّ وسائل الإعلام في البلد الشقيق عمدت إلى توثيق مقاطع لسيّاحٍ من مختلف أنحاء العالم عبّروا فيها بكلّ اللغات عن إعجابهم بالدار البيضاء،  والرباط، وطنجة، ومراكش، وأغادير.

وحتّى أكون منصفّا، فمصاب تونس لا يقتصر على إعلامها، فلا سياسيّوها ممّن يتحاملون عليها في قنوات خليجية، ولا نقابيّوها ممّن يحرقون أحشاءها، ولا نحن سكّانها الذين نلوّث ثيابها، أكثر حكمةً وأقومُ قيلاَ.

وإلى أن نفهم أن داء تونس منّا وفينا، ستبقى تونس، على رأي الصحفي المصريّ محمد أبو كريشة في وصفه لبلاده، دون شعب بالمعنى الواضح فيها قبائل سياسية وفكرية ودينية، والآن قبائل رياضيّة متناحرة ومتنافرة، وكلّ هؤلاء المتنافرين المتناحرين يرفعون عقيرتهم بالهتاف لها وللوطنيّة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تكتفي الإشهارات بتحفيزنا على الاستهلاك فقط؟

كرة القدم.. لعبة الفقراء التي افتكها الأغنياء