23-يناير-2019

في باطنها منظومة كاملة من التلقين وتغيير الأذواق والقناعات (Getty)

 

مقال رأي

 

كم مرة شاهدنا إشهارًا ما وخرجنا لاحقا لشراء ما يشهره؟ كم مرة استبدلنا منتجنا القديم بآخر أعجبنا في إحدى الومضات التسويقية؟ كيف تأثرت عاداتنا الغذائية بمرّ السنين؟ ولماذا صارت عاداتنا أشبه كثيرًا بما نشاهده على التلفاز؟ والى أي درجة صرنا نناصر ما نتعرض له يوميًا في الإشهارات ونتبناه؟

لكي نفهم ما يحدث لنا اليوم وكيف تؤثر الإشهارات في حياتنا ولكي نستدرك كذلك، النوايا المبيتة من وراءها يجب أن نفكك منظومة الإشهارات ونستنطق أجزائها المعقدة والمتشابكة بين المضمون والآليات والاستتباعات الناتجة عنها.

قد يعتقد غالبيتنا أن هدف الإشهارات الوحيد هو حثنا على الاستهلاك، والمزيد من الاستهلاك يعني المزيد من الأرباح ، ولكن الأمر في الحقيقة أعمق من ذلك. إذ تسعى الإشهارات إلى جانب التشجيع على الاستهلاك إلى ترسيخ جملة من القواعد والسلوكيات الجديدة القادرة على إزاحة السلوك القائم والتقليدات المهيمنة.

تسعى الإشهارات إلى جانب التشجيع على الاستهلاك إلى ترسيخ جملة من القواعد والسلوكيات الجديدة

خلال بضعة عقود من الزمن تغيرت البنية الفنية للإشهار من بضعة أسطر للتعريف بالمنتج ثم إلى صورة أو بعض الصور لتصل في النهاية إلى الشكل الذي نشهده اليوم من ومضات محكمة الإخراج والدلالة، وهي عبارة عن أفلام سينمائية مصغرة جدًا.

الإشهارات في ظاهرها اليوم حث على الاستهلاك والتبضع وفي باطنها منظومة كاملة من التلقين وتغيير الأذواق والقناعات. إن ومضة لا تتجاوز الدقيقة تستوجب عملًا مضنيًا وفريقًا ضخمًا وميزانية عالية، إذ أن القائمين على صناعة هذا المحتوى يركزون في أدق التفاصيل التي ستتشكل عبرها الرسائل بصريًا ورمزيًا.

إن الإشهارات التي تستخدم الإعلام كمطية وهو الذي يتكئ عليها كرافعة، صارت حرة تمامًا ولا يمكن ضبطها أو التحكم فيها، ذلك أن الإشهارات الضخمة تعطي قيمة أي قناة تلفزية، باعتبار أن الإشهار هو المحدد الأساسي لحجم القنوات في المشهد الإعلامي من خلال حصتها في سوق الإشهار.

اقرأ/ي أيضًا: الإعلام التلفزي.. إيهام بالتفكير وتسيّد المبتذل

إن اللهاث خلف "الأوديمات" وصناعة رأس مال جماعي من خلال انتداب صحفيين مشهورين وشراء برامج ناجحة، لم يكن ليوجد لو لم تكن القنوات في حاجة إلى تحقيق نسب مشاهدة عالية تحدد حصتها الآمنة في السوق بما يوفر لها موارد مالية كافية للبقاء، تتحقق عن طريق بيعها لمساحات زمنية لصالح المستشهرين باحتساب عدد مشاهديها.

ومن هذا المنطلق، تصبح الإشهارات هي المتحكم الخفي في مضامين القنوات التلفزية وتوجهاتها، نظرًا للنفوذ الاقتصادي الذي تتمتع به وللرقابة الذاتية التي تفرضها على العاملين فيها. فبالنظر إلى الشركات المستشهرة في أي قناة، يمكن لنا أن نتوقع ما ستعرضه القناة وما الذي ستتحشاه، فلو اكتشف صحفي في قناة ما فسادًا في منتوج شركة تبث إشهارات لديهم فمن المستحيل أن يذكر ذلك، في المقابل سيسعى للبحث عن نقاط ضعف شركات منافسة.

الإشهارات في ظاهرها اليوم حث على الاستهلاك والتبضع وفي باطنها منظومة كاملة من التلقين وتغيير الأذواق والقناعات

بذات الطريقة التي استولى بها الأغنياء على كرة القدم كرياضة للفقراء والمهمشين عندما وضعت شركة أول إعلان على قميص فريق كرة قدم في أمريكا اللاتينية، فقد الإعلام جزءًا هائلًا من حياده ونزاهته منذ بدأ في بيع مساحات زمنية وورقية للمستشهرين، حتى باتت السلطة الرابعة في يد هؤلاء.

من هنا يبدو الأمر واضحًا، كيف تتحرك الشركات لعرض إشهاراتها ذلك أن العملية تنطوي على مصلحة نفعية تبادلية أي الجمهور مقابل المال. بحيث تتحول جماهير القنوات التلفزية إلى سوق استهلاكية لتحقيق المنافع لجميع الأطراف، يُستبعد فيها العقل عبر هيمنة الدعاية وتغييب رأي المتخصصين على نحو يجعل كل ما يعرض مثاليًا وخال من أية نقطة ضعف.

يجب أن نعي جيدًا في نقدنا للإشهار أنه محتوى لا يتم توجيهه للعقل النقدي الذي يستعصي عليه ولوجه، وإنما يستهدف فئة معينة تفتقد لثقافة المقاطعة وتستولي عليها النزعة إلى التبعية والتقليد، وهذا يظهر بمجرد النظر في بنية معظم الإشهارات التي تسعى لجعلنا نتفاعل استجابة لرغباتنا وحاجياتنا الفيزيولوجية كالشعور باللذة أو الراحة.

اقرأ/ي أيضًا: في تونس.. التافهون أسياد الموقف

بالعودة أيضًا إلى الشعارات التي تتردد في إشهارًا التلفزات التونسية وحتى العربية، ندرك أنها غالبًا ما ترتبط بإيحاءات جنسية أو عاطفية، بحيث تصاغ وفق معجم من المصطلحات والصور والأصوات التي تستهدف المنبهات الغريزية للإنسان من خلال محتوى يعمل على تحفيزها واستثارتها.

هذه الصناعة مثل غيرها من الصناعات، تبحث دائمًا عن تطوير آلياتها وتحقيق أكبر قدر من التأثير، وبالتالي فإنها تعمل على مدى زمني ممتد، وفق خطة تصاعدية تخضع لأهداف قريبة وأخرى بعيدة.

بالنظر إلى إشهارات شركات التكنولوجيا مثلًا والتي تعمل بصفة مستمرة على تطوير منتوجاتها، نستنتج أنها لا تشجعنا على الشراء فقط وإنما على ضرورة مواكبة التكنولوجيا وآخر الإصدارات والتأكيد على مواكبة نمط حياة محدد، يقوم مثلًا على السفر والنشر على الإنترنت والاعتماد الكلي على التكنولوجيا كرافد لا غنى عنه.

ولكن تسهم هذه الإشهارات كذلك في رسم صور نمطية وتعزيز أخرى من خلال تصوير المرأة في المطبخ والرجل أمام التلفاز، والفتاة تسرح شعرها فيما يلعب الطفل بالكرة أو بجهازه الإلكتروني، وهي تجعل هذه المشاهد قاعدة لا بد من تفعيلها في الواقع.

والإخراج الفني الذي باتت تقوم عليه معظم الإشهارات الاستهلاكية لا يعدو أن يكون إلا عملية تلاعب بالعقول وسطوة على الخيارات القائمة بهدف التشكيك فيها عبر الإيهام باقتراح بديل أفضل، ذلك أن أغلب الإشهارات تنبني على مقارنة بين منتوجها والمنتجات التقليدية بحيث لا تشجع على استهلاكها فقط وإنما على ترك ما بحوزتنا لصالحها.

بالنظر إلى أنشطتنا الاستهلاكية لعقود مضت، نلحظ أن موادنا الغذائية الأساسية قد تغيرت بشكل جذري، بحيث أن بعض المنتجات التي ظهرت في وقت سابق ككماليات تحولت اليوم إلى مواد أساسية في وجباتنا اليومية وإلى عادة لا يمكن التخلي عنها مثل تناول "الياغورت" بدل الحليب.

 بعض المنتجات التي ظهرت في وقت سابق ككماليات تحولت اليوم إلى مواد أساسية في وجباتنا اليومية 

وبالإضافة إلى تغير عاداتنا الغذائية، ساهم تتالي الومضات الاشهارية كقصف مكثف على الجمهور المستهلك في ترسيخ أفكار عامة جديدة حول مقتضياتنا اليومية وطرق استعمالها وممارستها. حيث باتت ممارسة الرياضة مثلًا مقترنة بنوع معين من المنتجات الغذائية.

إن المشاهد التي تعرضها لنا الإشهارات عبر تمثلات محددة للعائلة والاصدقاء والمدرسة مثلًا، وتقديمها كشكل مثالي لهذه الأطر، ترسخت لدى الذائقة الجماهرية شيئًا فشيئًا بحيث يتم إعادة تشكيلها في الواقع بحذافيرها سواء بوعي أو بغير وعي، وهنا يبرز التأثير الرمزي للإشهار كأداة ثقافية وليست اقتصادية فحسب.

لو ننظر مجددًا إلى المادة الاشهارية، سنفهم أننا لسنا إزاء فعل اقتصادي أو جملة تسويقية لتقديم مادة أو منتج فحسب، بل أكثر من ذلك نحن قبالة آليات خارقة للإبهار وخلق الدهشة وشدّ الانتباه، تمارس من خلال الأبعاد الفنية القائمة على الصوت والصورة عبر الحركة والتناغم والتناسق بين مختلف هذه العناصر، لخلق نموذج جديد من المستهلكين يشتمل على خصائص محددة تجعل منا متماثلين عبر نزع كل اختلافاتنا القائمة. ورغم كل المذكور، نحن لا ننفي البعد الاقتصادي ولكن يجب أن يتحقق عبر آليات ثقافية لا تستهدف تغييب العقول واستثارة الغرائز.

إن المفارقة صعبة للغاية بين أن نكون في مجتمع المعلومات أو مجتمع المعرفة، فانتمائنا لذلك الذي يتسم بالاستلاب والتأثر بلا تأثير يقذف بنا خارج عملية البناء ويجعل منا شعوبًا من طين يسهل تشكيلها وصناعتها.

تتعدد أنواع رأس المال اليوم بين رأس مال اقتصادي، ورمزي، وثقافي، وتكنولوجي ولكن الخطر هو أن تجتمع كل هاته الرساميل في يد جهة واحدة تمتلك كل شيء وقادرة على كل شيء مقابل جهة تفتقر للعقل النقدي بما هو سلاح الإنسان الحق في وجه العولمة وإمدادات السوق العالمية التي تسعى لبناء مستهلك على المقاس يعيش ويتحرك وفق تمثلات مستحدثة ومحددة. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

هوس الفيسبوك ..السعادة المؤقتة القاتلة

كفى تطبيعًا مع التفاهة والرداءة