كرة القدم.. لعبة الفقراء التي افتكها الأغنياء

كرة القدم.. لعبة الفقراء التي افتكها الأغنياء

242 مشاهدة
تفطن السياسيون لأهمية اللعبة فدخلوا غمارها على اعتبار أنها مصعد لسدّة الحكم (getty)

يذكر الكاتب والروائي الأورغواياني إدواردو قاليانو في كتابه الشهير "كرة القدم بين الشمس والظل" أن هذه اللعبة هي "لعبة الفقراء ابتدعوها دحضًا للقهر وتفوّقًا على الأحزان". إذ كانت كرة القدم تاريخيًا سليلة أحياء فقيرة بمدينتي ليفربول ومانشستر حيث يسكن عمّال المناجم والمصانع ثمّ انتشرت بمرور السنين إلى كل مناطق الفقر في العالم. كانت ملاذًا للتفوق على السادة، ورمزًا لحضور ذوات لاعبيها في المجتمع، وصوتًا للمهمشين والمنسيين تمامًا كموسيقى البلوز التي نبتت في دروب آلام السود الأمريكيين.

عكست كرة القدم التفصيلات الثقافية والفنية والحضارية للأحياء وضواحي العنف بالمدن، وهو ما يتجلى في طريقة اللعب وحركات الأجساد وصيحات المشجعين والشعارات القبليّة والدينية والفنية والسياسية التي ترفع في المدرجات، فأصبحت الملاعب فضاء للتعبير تشكّل مشهديات اجتماعية تدافع عن نفسها أمام ألعاب البورجوازية مثل الفروسية، والمبارزة بالسيف وكرة المضرب.

عكست كرة القدم التفصيلات الثقافية والفنية والحضارية للأحياء وضواحي العنف بالمدن وهو ما يتجلى في طريقة اللعب وحركات الأجساد وصيحات المشجعين

تنقّلت لعبة الفقراء تلك من القارة العجوز إلى كل مناطق الفقر في العالم ونهلت من التنوع الثقافي للأمم والشعوب، فنجدها تعكس طريقة تفكير المافيا في ملاعب سيسيليا وبالايرمو بإيطاليا، وتنكشف راقصة وحذرة كالسّافانا بملاعب إفريقيا، وتأتي مرحة وخطرة بملاعب أمريكا اللاتينية ومنضبطة بملاعب الشعوب الصفراء بشرق أسيا. أصبحت بذلك اللعبة الاكثر انتشارًا وشهرة ورواجًا في العالم.

وتحوّل المصطلح الذي كان رائجًا في بداية القرن التاسع عشر من "لعبة الفقراء" إلى "لعبة الشعب" أو "اللعبة الشعبية"، وبدأ البساط يُسحب ككل مرّة من تحت فقراء العالم. إذ تحوّلت لعبتهم التي تعبّر عن أحزانهم ومن خلالها يفجرون إبداعاتهم ويبلغون رسائلهم إلى السادة المهيمنين فأصبحت مجالًا لرأس المال المتغطرس. فاقتحم الإشهار الملاعب لنجده في محيط المستطيل الأخضر والمدرجات وحجرات الملابس وكذلك منصات الصحفيين.

وارتفعت فجأة أسعار التذاكر لتتحول اللعبة إلى أمر يديره الأغنياء وأصبحت الفرق العريقة في العالم تشبه الشركات الكبرى، تعقد الصفقات المتعلقة ببيع اللاعبين وتُضارب في البورصة وتملك النزل الفاخرة وتملك الطائرات ليتحول بعضها إلى ماركات تجارية يتم الترويج لها في أقاصي الدنيا، وذلك إلى حدّ لم يعد معها يقوى الفقير على الدخول للتمتع ومشاهدة لعبته المفضلة.

ومع انبعاث الاتحاد الدّولي لكرة القدم (فيفا) بداية القرن العشرين، تغير حال لعبة الفقراء فبرزت منظومة كرة القدم العالمية التي تخضع للتغيرات الجيوسياسية وأيضا لعامل المال حتى أن السياسيين تفطنوا لأهمية اللعبة فدخلوا غمارها على اعتبار أنها مصعد لسدّة الحكم. فترأسوا نوادي كبيرة وكانوا فاعلين بارزين في عوالم كرة القدم على غرار الإيطالي سلفيو برلسكوني الذي ترأس نادي "أي سي ميلان" سنة 1986 ثم فيما بعد أسس حزبًا سياسيًا حمل اسم "فورزا إيطاليا" وهو مطلع الأغنية التي ترددها الجماهير الإيطالية عندما يلعب المنتخب الإيطالي.

 تغير حال لعبة الفقراء فبرزت منظومة كرة القدم العالمية التي تخضع للتغيرات الجيوسياسية وأيضًا لعامل المال حتى أن السياسيين تفطنوا لأهمية اللعبة فدخلوا غمارها على اعتبار أنها مصعد لسدّة الحكم

ومن أبرز ثمرات منظومة كرة القدم العالمية هو تظاهرة كأس العالم أو المونديال التي تنتظم كل أربع سنوات حسب نواميس منها ما هو بيّن وجليّ ومنها ما هو خفي، إذ تكثر الدّسائس والتآمر على الشعوب المفقّرة ويطفو ذلك أحيانًا في ملفات الدول التي تقترح نفسها لتنظيم هذه التظاهرة الرياضية الكونيّة.

اقرأ/ي أيضًا: تونسي ساهم في بروزها.. المارادونية "ديانة" وفلسفة حياة!

وبقدر ما ساهمت الثورة الاتصالية في الترويج لكرة القدم وتظاهرة كأس العالم إلا أنها أمعنت في إقصاء فقراء العالم وحرمانهم من متعة مشاهدة مباريات شعوبهم. ادفع لكي تشاهد فريقك المفضل، ادفع لترى راية بلدك ترفرف في سماء المونديال، ادفع لترى أشهر لاعبي العالم، إنها عولمة الابتزاز لمشاعر الفقراء واستيلاب عقولهم.

لقد أقرّت بعض الإحصائيات المتعلقة بمونديال روسيا 2018 بأن أكثر من ثلثي فقراء العالم لم يشاهدوا المباريات بواسطة نقل مباشر بل تعرّفوا على النتائج فيما بعد بوسائط أخرى

ولقد أقرّت بعض الإحصائيات المتعلقة بمونديال روسيا 2018 بأن أكثر من ثلثي فقراء العالم لم يشاهدوا المباريات بواسطة نقل مباشر بل تعرّفوا على النتائج فيما بعد بوسائط أخرى غير تلفزيونية، وهو مؤشر يشي بأن تغيرات جذريّة حصلت داخل منظومة كرة القدم العالمية، من خلال مزيد هيمنة رأس المال.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حي هلال في تونس.. لا يزال للأمل مكان

بائع الورد الصغير.. طفل يبيع الحب ويشتري "الموت"