"لا رجوع".. رهان استكمال مسار العدالة الانتقالية

تهدف حملة "لا رجوع" لتنفيذ توصيات هيئة الحقيقة والكرامة وتحقيق أهداف العدالة الانتقالية (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

 

تحصّل آلاف الضحايا على مقرّرات جبر الضرر ورد الاعتبار من هيئة الحقيقة والكرامة، ولكنهم لازالوا ينتظرون، إلى اليوم، تفعيل هذه المقرّرات، كما لا تزال استحقاقات أخرى معطلة في مسار العدالة الانتقالية من تنفيذ الإصلاحات المؤسساتية وتعثّر مسار مساءلة الجلادين، وضعف التفاعل الرسمي مع مخرجات التقرير الختامي الشامل للهيئة.

منير وحادة (ضحية): العدالة الانتقالية هي أولوية بالنسبة لبرامج الدولة المستقبلية بل هي أولى الأولويات من أجل استعادة كرامة الضحية

يقول أحد ضحايا الاستبداد منير وحادة إن "مسار العدالة الانتقالية في هذه اللحظة فيه كثير من الريبة ووجب تحريكه من كافّة الأطراف، سياسيين ومجتمع مدني ومنظمات، وهو أولوية بالنسبة لبرامج الدولة المستقبلية بل هو أولى الأولويات من أجل استعادة كرامة الضحايا ولو بصفة رمزية". ويضيف، في حديثه لـ"ألترا تونس"، أن "اللاّمبالاة بالعدالة الانتقالية في البرامج الحزبية متوقعة لكن نحن لا تكترث بها كثيرًا فدائمًا الأمل قائم حتى تسترد الحقوق الى أهلها".

والمجتمع المدني، الذي تولّد مسار العدالة الانتقالية من رحمه، خاض، طيلة السنوات الماضية، معركة حماية المسار والتصدّي لكل محاولات الالتفاف عليه خاصة بمناسبة قانون المصالحة، يواصل الآن معركته بإطلاقه مؤخرًا لحملة "لا رجوع" من أجل استكمال مسار العدالة الانتقالية والدفع نحو تنفيذ مخرجات أعمال هيئة الحقيقة والكرامة.

اقرأ/ي أيضًا: كانت سجونًا ومعتقلات تعذيب.. هل تصبح مراكز للذاكرة التونسية؟ (صور حصرية)

منسّق "لا رجوع": هذه أهداف حملتنا

يطمح مشروع "لا رجوع"، حسب منسقه سيف بن تيلي في حديثه لـ"ألترا تونس"، إلى تقريب معاني العدالة الانتقالية وأسسها لأكبر شريحة ممكنة من المجتمع التونسي وتفسير المسار المتعلق بها على المستوى السياسي والمؤسساتي.

وبيّن أن أصحاب المبادرة قاموا بإجراء سبر آراء حول رؤية المواطنين للعدالة الانتقالية كشف أن 83.8 في المائة منهم يعتبرون أن إصلاح المؤسسات ضرورة لعدم تكرار انتهاكات حقوق الانسان، وتأكيد 70.1 في المائة أن المصالحة الوطنية يجب أن تكون بتحقيق كل الشروط اللازمة لمسار العدالة الانتقالية.

سيف بن تيلي (منسق "لا رجوع"): يهدف مشروع "لا رجوع" إلى تقريب معاني العدالة الانتقالية وأسسها لأكبر شريحة ممكنة من المجتمع التونسي وتفسير المسار المتعلق بها

ويهدف المشروع لمتابعة القضايا التي تهم فترات مختلفة من تاريخ تونس المعاصر أمام الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية عبر المبادرة من أجل تأمين النقل المباشر لعدد من جلسات هذه القضاء. فيما تشير التسمية "لا رجوع"، وفق محدثنا، لضرورة فتح ملفات انتهاكات الماضي وكشف حقيقتها للشعب التونسي إضافة لمتابعة إرساء ضمانات عدم تكرارها مستقبلًا وبصفة نهائية.

وأوضح بن تيلي أن فكرة المشروع مشتركة بين ثلاثة منظمات مكوّنة لائتلاف منظمات المجتمع المدني لدعم العدالة الانتقالية وهي "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، ومنظمة "البوصلة"، و"محامون بلاحدود"، كانت غايتها الرئيسيّة متابعة المسار فيما بعد تسليم الهيئة لعهدتها لضمان تواصل المسار وحماية له من أي انقلاب سياسي من شأنه إجهاض هذا المسار.

وعن النشاط الميداني للمشروع، أفاد محدّثنا أن الاتصالات والتنسيق مستمرّة بين منظمات مجتمع مدني من أجل دعم مسار العدالة الانتقالية، متحدثًا عن وجود مشاركة مع مختلف الهياكل والمؤسسات الداعمة للمسار من زاوية نقدية.

وذكّر أن قانون العدالة الانتقالية ينص على إعداد الحكومة في أجل أقصاه سنة من نشر تقرير هيئة الحقيقة والكرامة إعداد خطّة عمل لتنفيذ توصياتها، كما يتولّى مجلس نواب الشعب مراقبة هذا البرنامج، مبينًا أن هذا المطلوب لم ينطلق إلى الآن قائلًا: "نحن على استعداد تام ونمتلك كل القدرات اللوجيستية والبشرية لمتابعة المسار خاصّة وأن منظمة البوصلة تمكّنت بعد 7 سنوات من متابعة ما يجري تحت قبّة باردو من اكتساب معرفة كبيرة بمختلف دواليبه بالإضافة إلى ثقة مختلف مؤسسات الدولة فيها".

ينص قانون العدالة الانتقالية على لزوم إعداد الحكومة في أجل أقصاه سنة من نشر تقرير هيئة الحقيقة والكرامة لخطّة عمل لتنفيذ التوصيات

وأضاف سيف بن تيلي أن مسار العدالة الانتقالية أشمل من المؤسسات وأنهم يطمحون للتعامل الشامل للعدالة الانتقالية بصفة غير ظرفية مؤكدًا على أهمية استغلال عمل هيئة الحقيقة والكرامة على مستوى التوثيق السمعي البصري والتقارير ولما توفره من بيانات ومن حقائق تتعلق بالانتهاكات وحيثيات الاحداث التي تتعلق بها. وأضاف أن مشروع "لا رجوع" يرنو لتعاطي أوسع مع تحديات العدالة الانتقالية بتموقعها كتواصل لمسار انطلق بعد ثورة 14 جانفي/كانون الثاني 2011.

وكان قد تزامن طرح مشروع "لا رجوع" بداية أكتوبر/ تشرين 2019 مع الحملة الانتخابية التشريعية باقتصاره وقتها على الجزء المتعلق بالبرامج الانتخابية بعرض مصفوفة تحليلية للنظر في مدى التزام البرامج الانتخابية للأحزاب بمسار العدالة الانتقالية في مفهومها الشامل، وهي معرفة الحقيقة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة الوطنية، ومكافحة الإفلات من العقاب، وإصلاح المنظومة القضائية وكذا الأمنية والحدّ من الفروقات الجهوية تماشيًا مع التوصيات التي خلصت إليها هيئة الحقيقة والكرامة في تقريرها الختامي.

تحليل البرامج هو بمثابة مقياس لمدى التزام الأحزاب السياسية في تونس بما جاء بالنقطة التاسعة من الفصل 148 من الدستور والذي ينص على "أن تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها"، وهو في الوقت ذاته إحراج لتخاذل سياسي وتجاهل لمقتضيات استكمال مسار العدالة الانتقالية، ما يستدعي لزوم اليقظة الدائمة للمجتمع المدني.

سهام بن سدرين: الحزام المدني حمى العدالة الانتقالية

لم تُغفل رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة المنتهية مهامها سهام بن سدرين ما لقيته الهيئة من مرافقة منظمات المجتمع المدني وخاصة ائتلاف مساندة العدالة الانتقالية الذي لعب دورًا هامًا لحماية مسار العدالة الانتقالية ومنع إجهاضه، على غرار قانون المصالحة أو خلال التصويت في البرلمان على إيقاف أعمال الهيئة.

وأفادت بن سدرين في حديثها لـ"ألترا تونس" أنه لولا دور منظمات المجتمع المدني المساندة لما كانت هيئة الحقيقة والكرامة استمرت بالقوة التي أنهت بها أعمالها وفق قولها، مذكّرة بدور المجتمع المدني في توزيع التقرير الختامي الشامل والمطالبة بنشره في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية.

سهام بن سدرين: دور المجتمع المدني يبدأ الأن لأنه ضمير المجتمع والبلاد وهو الضامن لإنجاح المسار واستكمال تحقيق أهدافه عبر لعب دور السلطة المعنوية للضغط على المؤسسات للقيام بالإصلاحات

وتقول محدثتنا إن مبادرة "لا رجوع" تعبّر عن التزام المجتمع المدني بمسار العدالة الانتقالية في فترة ما بعد الهيئة وإعادة عرض توصياتها والتأكيد على وجوب تنفيذها طبقًا لمقتضيات قانون العدالة الانتقالية.

وأضاف أن "المبادرة التلقائية جاءت في الوقت المحدد للضغط من أجل استكمال المسار على عكس المركز الدولي للعدالة الانتقالية الذي أخلّ بالتزاماته الدولية ولم يكن طرفًا في هذا المسار ولم يولي لتوصيات الهيئة أية أهمية" وفق قولها.

اقرأ/ي أيضًا: سنة بعد انطلاق الدوائر القضائية المتخصصة.. النقابات الأمنية تضغط والجلاد غائب!

وأوضحت أن هيئة الحقيقة والكرامة نفّذت عهدتها بإصدار التقرير الختامي الشامل وإحالة عدد من القضايا على الدوائر المتخصصة رغم اتهامها بالفشل من رئيس الحكومة لإحالتها لهذه القضايا وهي مهمة محمولة عليها بالقانون، وفق تأكيدها.

وأشارت سهام بن سدرين، في هذا الخصوص، أن دور المجتمع المدني "يبدأ الأن لأنه ضمير المجتمع والبلاد وهو الضامن لإنجاح المسار واستكمال تحقيق أهدافه عبر لعب دور السلطة المعنوية التي تلاحق المؤسسات من أجل القيام بوظائفها المؤسساتية للقيام بالإصلاحات الضرورية التي تجعلها تسترجع عافيتها وقوتها".

سهام بن سدرين: قانون المصالحة مازال ساري المفعول ويُعمل به في الغرف المظلمة دون الكشف عمن انتفع به

وأكّدت أنه بوجود هذه المبادرات الحية في المجتمع سوف لن تُحفظ تقارير الهيئة في الأدراج وستفرض نفسها كأجندة لإصلاح المؤسسات من جميع أشكال التعسف سوى من قوى الرّدة أو الفساد، وفق تعبيرها.

كما نبّهت، في حديثها لـ"ألترا تونس" إلى أن "قانون المصالحة مازال ساري المفعول ويُعمل به في الغرف المظلمة دون الكشف عمن انتفع به" معربة عن الأمل في أن تلعب مبادرة "لا رجوع" دورًا هامًا في إعادة طرح العدالة الانتقالية على جدول الحكومة القادمة.

وختمت أن مقدمي مبادرة "لا رجوع" لن يتركوا العدالة الانتقالية للنسيان عبر الضغط لتفعيلها، مشيرة إلى أن وجود جهة مجتمعية حريصة على تفعيل توصيات اصلاح المؤسسات وتفعيلها يمكن من الاستفادة من أعمال الهيئة التي ارتكزت على كشف مواطن الخلل وتفكيك منظومة الفساد والاستبداد.

لمياء الفرحاني (جمعية عائلات شهداء الثورة وجرحاها): لا رجوع عن المساءلة القضائية

"لا رجوع عن مسار المساءلة القضائية لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ولا رجوع للقصاص للضحايا أمام القضاء المتخصص"، هكذا استهلت رئيسة جمعية عائلات شهداء وجرحى الثورة "أوفياء" لمياء الفرحاني حديثها مع "ألترا تونس" حول مشروع "لا رجوع" التي قالت إنه يعبر عن مطلب شعبي للضحايا للمضي قدمًا نحو استرداد الحقوق واستكمال مسار العدالة الانتقالية حتى النهاية، وفق تعبيرها.

لمياء الفرحاني: "لا رجوع" هي رسالة طمأنة للضحايا ورئيس الجمهورية هو بمثابة الضمانة والرادع لكل محاولات نسف مسار العدالة الانتقالية

وأكدت أن المبادرة "جاءت في وقت لا يخلو من مؤشرات تهدد مسار المساءلة والمحاسبة بوجود اقتراح مبادرة تشريعية للمصالحة والعفو تجري خلف الأبواب المغلقة وهي تنسف شروط المصالحة في إطار العدالة الانتقالية التي تشترط كشف الحقيقة ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات".

وأكدت شقيقة شهيد الثورة أنيس الفرحاني أنه "لا رجوع عن مخرجات العدالة الانتقالية" مشيرة إلى أن المبادرة "هي بمثابة رسال طمأنة للضحايا لتخوفهم من ارتهان القرار السياسي للمصالح الضيقة والتوافقات الحزبية التي لا تتوافق ومطالب الضحايا ومتطلّبات القطع مع انتهاكات الماضي والقضاء على الممارسات الاستبدادية".

واعتبرت أن وجود رئيس جمهورية متمسّك بتطبيق بالدستور الذي أقر مسار العدالة الانتقالية، ورافع لشعار "الشعب يريد" الذي اختار مسار العدالة الانتقالية منذ الثورة "هو بمثابة الضمانة والرادع لكل محاولات نسف مسار العدالة الانتقالية وخاصة منها التأثير على مسار القضايا في الدوائر القضائية المتخصصة مع تعهّده بعدم التدخل في القضاء".

المهمّة المستمرّة للمجتمع المدني

وشهد مسار العدالة الانتقالية تضييقات عديدة بعرقلة عمل هيئة الحقيقة والكرامة، واتجهت بوصلة التضييقات للدوائر القضائية المتخصصة بعد إحالة 69 لائحة اتهام شملت 1120 ملفًا وُجهت فيها التهم إلى 1426 منسوب اليه الانتهاك و136 قرار إحالة.

واجتهد الكثيرون في التشويش على المسار عبر الايهام باقتصاره على التعويض المادي للحيلولة دون كشف الحقيقة في مرحلة الأولى والمسائلة في مرحلة ثانية، إضافة لمحاولة الإيهام أن المصالحة الوطنية لا يُشترط لتحقيقها إتمام المراحل السابقة من كشف حقيقة، وردّ الاعتبار المادي والمعنوي للضحايا، وحفظ الذاكرة الوطنية لضمان عدم تكرار الاتهام عدا عن قطع الطريق مع ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتظلّ، في الأثناء، مكوّنات المجتمع المدني التونسي التي واجهت الاستبداد هي رافعة لواء مسار العدالة الانتقالية، وهي تعمل اليوم للدفع نحو طرح هذا الملف على طاولة الفاعلين السياسيين مستفيدة من النفس الثوري المنبثق من نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"دحروج" و"شافط" و"المسخ".. التخفي الذي كشفته هيئة الحقيقة والكرامة

عادل المعيزي: مثّلنا الدولة التي تعرّي نفسها في هيئة الحقيقة والكرامة (حوار)