13-سبتمبر-2023
الرسم على الزجاج في تونس

يخلّد فن الرسم على الزجاج في تونس قصصًا وحكايا آخذة في القدم من الذاكرة الشعبية (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

 

عندما تتجول في المدينة العتيقة في سوسة وتعبر "سوق القائد" من جهة "الباب الغربي" نزولًا نحو "الباب الجديد" تعترضك الدكاكين الصغيرة والمقاهي ذات الطابع العمراني القديم، وتستمع إلى حفيف المارين وطقطقة النقش على الأواني النحاسية، وتتطلع إلى أروقة رسوم وفنون تمزج الذاكرة بالحاضر. 

لا تزال بعض الدكاكين ذات الأقبية تصارع الزمن من أجل البقاء، وأمام إحداها يجلس "عم الناصر" (60 سنة) الذي أخذه الشغف بجمع كل الأدوات المنزلية والحرفية القديمة ذات القيمة الحضارية التي ترمينا بين أحضان الماضي وتذكرنا بأساليب عيشنا وبجانب من ثقافتنا وفنوننا في أواخر القرن الـ19.

تزدان واجهة الدكاكين في "سوق القايد" في المدينة العتيقة بسوسة برسومات تأسر الألباب خطّت على الزجاج بألوان متنوعة تخلّد قصصًا وحكايا من الذاكرة الشعبية التي ربما لولا هذه اللوحات وغيرها لكانت في طيّ النسيان  

لم يكن من الخفي في "سوق القايد" أن ترى في واجهة الدكاكين رسومات متنوعة تأسر الألباب، رُسمت على الزجاج بألوان متناسقة فاقعة وأخرى باهتة من أثر الزمن. هذه الرسوم على قطع الزجاج التي شدت إلى أطر لوحية منقوشة كانت كاللآلئ تحلي الجدران البيضاء وتعتلي الخزائن الخشبية المصنوعة من لوح الصندل.

 

 

  • تيه في حكايا تخلدها رسومات على الزجاج

كان العم الناصر ينظر إلى تلك اللوحات والرسومات ويتجول بنا في خفاياها ويسافر بنا إلى الماضي لتأويل مضامينها، كان هو الراوي والمعبّر عنها بما توفر له من معارف أو بما استقته مسامعه عنها.

كان ودودًا في تأويلاته ومتحصنًا بالذاكرة الشعبية القديمة، فحدّثنا عن "البراق" الذي اتخذ شكل حصان ورأس امرأة وأجنحة طير؛ البراق الخرافي المجسم الذي يعبر عن البراق في مخيال الشعوب الإسلامية، ذاك الذي عرّج إلى السماء بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام.

 

صورة
لوحة البراق معروضة في دكان بالمدينة العتيقة بسوسة (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

 

كانت العشرات من الرسومات على الزجاج معلقة وقد اكتساها الغبار وكلّما انتبهنا إلى واحدة نفض عنها ما علق بها و سعى إلى كشف أسرارها. فرأينا من الرسوم المتكررة قصة الأمير عبد الله بن جعفر المسلم وحبيبته يامينة البيزنطية وهما يمتطيان الجواد الأسود مختطفًا إياها وشاهرًا سيفه، وهي عبارة عن رواية أسطورية تراجيدية تناقلتها الذاكرة الشعبية كباقي مضامين الرسوم المتداولة آنذاك.

تصوّر بعض اللوحات قصصًا آخذة في القدم كقصة الأمير عبد الله بن جعفر المسلم وحبيبته يامينة البيزنطية وهما يمتطيان الجواد الأسود مختطفًا إياها وشاهرًا سيفه، وهي رواية أسطورية تراجيدية تناقلتها الذاكرة الشعبية

قصة "عنتر" و"عبلة" استأثرت بالمخيال الشعبي في ربوع تونس، فجسّمتها هذه الصور الزجاجية التي صورتهما عاشقين جانحين على ظهر خيل لا يشق له غبار، وتداولتها الذاكرة كواحدة من قصص العشق الأبدية في تاريخ الإنسانية.

عم الناصر كان ينظر بشغف إلى رسومات تعود جلها إلى أوائل القرن الـ19، أصلًا أو تقليدًا، ومن بينها صور محمود الفرياني التي تعود إلى سنة 1890 وتظهر فيها ملاحم "سيدنا عبد الله بن جعفر" وصراعه مع المشركين وتظهر صور حيوانات وأسود وتذكر أماكن بعينها من ربوع إفريقية.

قصة "عنتر" و"عبلة" استأثرت بالمخيال الشعبي في ربوع تونس فجسّمتها رسومات زجاجية صورتهما عاشقين جانحين على ظهر خيل لا يشق له غبار وتداولتها الذاكرة كواحدة من قصص العشق الأبدية في تاريخ الإنسانية

رسوم على الزجاج طفت على سطح الذاكرة وخرجت كالتنين من الأعماق وأظهرت تلك الصورة الجامحة الكامنة في المخيال الشعبي لأجدادنا في ربوع تونس واستعادت شيئًا من الأساطير الشعبية وما رواه "الفداوي" (راوي الحكايات) في "الرحبة" و"المراح".

 

صورة
لوحة يامينة والأمير عبد الله للرسامة ريم الهلالي (ماهر جعيدان/الترا تونس)

 

كل ما وصل إلينا من هذا الفن الأصيل كان معبرًا عن مخيال ضبابي لما يفكر فيه أجدادنا وما عاشته شعوبنا خاصة تلك التي تتعلق ببني هلال واكتساحهم لتونس وما حملته الذاكرة عن "الجازية الهلالية" جميلة الجميلات ذات الحسن البديع التي تصدرت "الغزوة"، ففتحت البلاد بسحرها الخلاب وشعرها الطويل الأخاذ وعينيها الجميلتين وحاجبيها الدقيقين، فخلعت عن الرجال قلوبهم وأغارت على البلاد دون سلاح.

سافرنا لساعات مع تأويلات "عم الناصر" صاحب الدكان الذي رافقته الابتسامة كلما اجتهد في تفسير، ولو لم تسعفه الذاكرة بإجابة صائبة أحيانًا يكفي أن يأخذنا سحر الصورة فيكتمل المراد وقد يقتنيها الزبون ولو غلا ثمنها.

المؤرخ محمد المصمودي لـ"الترا تونس": فن الرسم على الزجاج نشأ أوائل القرن الـ19 وامتد إلى حدود الحرب العالمية الثانية التي حالت دون وصول العديد من الرسوم إلينا نظرًا لهشاشة المحامل الزجاجية وقابليتها للانكسار

حاولنا اكتشاف هذه المدرسة الفنية في الرسم الشعبي من خلال بعض الدراسات المنشورة أو بعض التعاليق الفنية العابرة، فاكتشفنا أنها من العراقة بمكان وقد كانت مدارس صفاقس وتونس ونابل والقيروان رائدة في هذا المجال. ومن أشهر الرسامين التونسيين على الزجاج "محمود الفرياني" أصيل صفاقس ( النصف الثاني من القرن التاسع عشر) ومن أهم رسوماته لوحة ملحمية شهيرة عن عبد الله بن جعفر رسمها في سنة 1888.

 

  • البعد التاريخي للرسم على الزجاج

ويرى الباحث والمؤرخ محمد المصمودي "إمكانية الرجوع إلى العهد الفاطمي للبحث عن جذور هذا الفن فهناك بوادر للتشبيهية أو التشخيصية figuration في إفريقيا وصقلية". 

كما يرجح المصمودي، في حديث لـ"الترا تونس"، "نشأة هذا الفن بإحياء القديم عبر الفن التمثيلي على الرغم من ظاهرة تحريم الصورة أو مقاومتها"، مشيرًا في مقام آخر إلى "تأثيرات المنمنمات الفارسية في تراث الرسم على الزجاج في تونس".

المؤرخ محمد المصمودي: الخامات اللونية المستعملة في الرسم على الزجاج تعود إلى تقاليد حرفية ضاربة في القدم تعتمد على التراكيب اللونية الطبيعية مثل مادة القرمز وأبيض الزنك واللازوردي والكركم

ويذكر الباحثون في هذا الفن أن هذا النوع من الرسوم نشأ أوائل القرن التاسع عشر وامتد إلى حدود الحرب العالمية الثانية التي حالت دون وصول العديد من الرسوم إلينا نظرًا لهشاشة المحامل الزجاجية وقابليتها للانكسار. 

كما أن لهذا الفن رافدين، وفق ما ذكره محمد المصمودي، وهما: "الأول عربي إسلامي (فن تزويق الكتب والمنمنمات)، أما الثاني فيتمثل في التقليد الإيطالي ليشمل المفردات الزهرية والنباتية مثلما كان للورق المذوب الذي جلب من تركيا دور مهم في تنشيط الرياضيات الزخرفية للوحة.

 

 

و يذكر الباحث محمد المصمودي الذي كان من أوائل المؤرخين لهذا الفن وأصوله في تونس أن "الخامات اللونية المستعملة تعود إلى تقاليد حرفية ضاربة في القدم تعتمد على التراكيب اللونية الطبيعية مثل مادة القرمز وأبيض الزنك واللازوردي والكركم، ولم يستخدم الزيت بل الصمغ العربي".

الرسامة ريم الهلالي لـ"الترا تونس: الرسومات على الزجاج تحاكي التاريخ والقصص والروايات الشعبية وترصد مكامن الحياة في تاريخنا الشفوي المندثر

الرسامة التشكيلية ريم الهلالي اقتنصت من ذاتها ومن التاريخ تلك الصور المشهدية المرسومة على الزجاج فاتخذت من صورة "البراق" ذي الجسد الحيواني للحصان ورأس المرأة وجناحي الطائر فارسًا لها في رسوماتها الأخيرة، فطار في فضاء عربي إسلامي تجسده تلك الخلفية للشبابيك والأبواب والألوان الداكنة التي تسافر بنا إلى الماضي غير البعيد.

 

صورة
لوحة للرسامة ريم الهلالي تجسّد البراق في حلته التي تراها هي (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

 

تقول ريم الهلالي لـ"الترا تونس": "إني أجد في نفسي أشياء من هذه الرسوم على الزجاج وأجد منها الذاكرة الجماعية لمجتمعنا، لذلك اقتبست صورة البراق الأسطوري وطوعتها في رسوماتي على الورق والأنسجة"، مضيفة: كم جميل أن تحاكي التاريخ والقصص والروايات الشعبية وترصد مكامن الحياة في تاريخنا الشفوي المندثر".

الرسامة ريم الهلالي لـ"الترا تونس: يمكن اعتبار أنّ هذه الرسومات تندرج ضمن فن التصوير في العالم الإسلامي أو المنمنمات التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالكتاب

وترى الهلالي أنّه "يمكن اعتبار أنّ هذه الرسومات تندرج ضمن فن التصوير في العالم الإسلامي أو المنمنمات التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالكتاب، إلّا أنّ تطوير هذا الفن تطلب استعمال الزخارف ليس كإطار للمشهد أو تزيين العناصر مثل المباني مثلًا، بل تم أيضًا إدماجها ضمن القصة. كما أصبحت تعبيرًا عن المشاهد التمثيلية أين تجد الحيوانات تلعب أدوارًا تمثيلية للتعبير عن الواقع. هنا المتأمل في اللوحة يستنتج تأثرًا واضحًا بكتاب كليلة ودمنة أو بكتاب ألف ليلة وليلة".

إنّ الصورة الزجاجية الهشة غير الصامدة أمام عوامل الدهر والتي تحمل في بذرتها أسباب التكسر والاندثار قد نقلت لنا في النهاية ذاكرة وحكايا شفاهية لأجدادنا الذين عاشوا أوائل القرن الـ19 وأمتعونا بخطاب تصويري بصري مشهدي وتمثيلي متناغم مع تطور مدارس الرسم في العالم ومتأثر بمخيال المجتمع المحلي الذي تجاذبته الصراعات واختلفت حوله الانطباعات.

رسوم على زجاج انكسر على مر الزمن لكنّه انتصر للوعي الجمعي والطرق التفسيرية للقصص والملاحم والطقوس واختزل كافة أسرار العشق والصراع بين قوى الخير والشر. إنه الفن العفوي الذي ظلّ فيه شيء من الغموض الذي أذكى عليه هالة القداسة الفنية التاريخية والذي ينتعش اليوم من جديد في حلّة بهيّة.

 

صورة
مراسل "الترا تونس" في دكان "عم الناصر" بسوق القايد في سوسة