رضا الجندوبي.. صانع عود يبعث الروح في الخشب

رضا الجندوبي.. صانع عود يبعث الروح في الخشب

291 مشاهدة
ما يميز عود العم رضا صوته فهو يجتهد ليخلق أصواتًا مختلفة ليجاري تعدّد الأذواق والأحاسيس

في حضن العازف مستقر العود، تنساب نغامته وتسترسل فلا تعلم إن كانت نبضات قلب العود أو قلب من ضمه إليه، لنغمات العود سحر يأخذك إلى عوالم الشجن والطرب والهدوء. في نغمات العود سرّ يشدّك إليها حيثما كانت، تتبعها لتنغمس أكثر في تفاصيلها، تعرض عن كل الأصوات من حولك وتستسلم لإغوائها فتجد نفسك أمام معرض لآلة العود في مدينة الثقافة.

امتهن صناعة العود منذ 35 سنة ولأن العود آلة قريبة من صدر العازف، يضمها بحب ويلقي عليها برأسه، يتوحد معها ويتولد عن لقائهما نغمات حالمة

اقرأ/ي أيضًا: النّحات حافظ المساهلي: السياسة الثّقافية في تونس لم تتغيّر وأنا أباغت جماليًا

تنسى أنك قدمت لمدينة الثقافة لحضور عرض على هامش أيام قرطاج الموسيقية، وتتأمل رجلًا يحكي الشيب الذي غزا رأسه العلاقة المتأصلة مع العود.

هو رضا الجندوبي، أصيل مدينة منزل تميم من ولاية نابل، امتهن صناعة العود منذ 35 سنة. ولأن العود آلة قريبة من صدر العازف، يضمها بحب ويلقي عليها برأسه، يتوحد معها ويتولد عن لقائهما نغمات حالمة، فإنّ رضا الجندوبي عشق العود حينما كان شابًا.

في حديثه لـ"الترا تونس"، عرّج صانع العود على بداية رحلته في هذا المجال، كان حينها يتلقى تكوينًا في النجارة وكان متميّزًا في مجاله، كانت تربطه علاقة استثنائية بالخشب وفي ذات الوقت كان يهوى العزف على العود.

لم تكن الظروف قبل 35 سنة سانحة لكي يقتني رضا الجندوبي عودًا، فما كان منه إلا أن استثمر موهبته في النجارة ورغبته الشديدة في امتلاك عود خاص به. زاده كثير من الشغف وعود ما عاد صالحًا للعزف، حاول أن يقلّد طريقة صنعه وكان أن أعجبت النتيجة أستاذه في مدرسة التكوين وبدأت حكايته مع العود تأخذ منحى جديًا إلى أن انقطع عن النجارة وتخصص في صناعة العود.

رضا الجندوبي لـ"الترا تونس": صناعة العود تتفرّد بكونها ذات طابع إنساني وغني تتمازج فيه البراعة اليدوية بالإحساس

يحترف رضا الجندوبي صناعة العود منذ 35 عامًا (يسرى الشيخاوي/ الترا تونس)

اقرأ/ي أيضًا: صناعة الأواني الخشبية: عادة قديمة وتجارة تزدهر في المواسم الكبرى

وقبل أن ينقطع عن العمل في مجال النجارة، كان رضا الجندوبي يصنع العيدان ويتصل بعدة تجار في ولايات مختلفة من الجمهورية إلى أن لاقى تجاوبًا منهم وصنع مجموعة كانت محل إعجاب وبيعت كلها، وفق روايته. وصناعة العود تتفرّد بكونها ذات طابع إنساني وغني تمازج فيه البراعة اليدوية بالإحساس، وصانع العود يتقن العزف على الآلة التي خلقها وبعث فيها روحًا، وما أجمل النغمات حينما تصل الخالق بالمخلوق.

وفي حديثه عن صناعته للعود، يقول العم رضا الجندوبي إنها صناعة يدوية بالأساس، والآلات التي يتم استعمالها ينتهي دورها عند قطع الخشب أما تكوين هيكل العود وتفاصيله فيدوية بحتة.

ولكل صانع أعواد طريقة خاصة به، ولئن تشابهت الأعوام في ظاهرها فإن ذلك لا يحجب نقاط الاختلاف التي تميّز كل صانع عن غيره، وما يميز عود العم رضا صوته فهو يجتهد ليخلق أصواتًا مختلفة ليجاري تعدّد الأذواق والأحاسيس، ويلوّن أعواده بألوان مختلفة، وفق قوله.

لأن عود العم رضا الجندوبي مصنوع بحب وشغف فإنه شدّ إليه عددًا من الفنانين من داخل تونس وخارجها

وفيما يتعلّق بالجودة، يقول الجندوبي إن الناحية الجمالية والصوتية للعود تحسنت وتطورت إذ لم تكن مثلما عليه اليوم، وهي جودة تجعل العازفين يقبلون على شراء العود من ورشته. ولأن عود العم رضا الجندوبي مصنوع بحب وشغف فإنه شدّ إليه عددًا من الفنانين من داخل تونس وخارجها على غرار زياد غرسة ولطفي بوشناق وعبد الحميد بلقايد وشكري بوزيان ونصير شمة وتلاميذه.

ودّعنا العم رضا على وقع نغمات عزفه على عود صنعه بيديه، ونحن نفكر في مصير مهنته التي لم يتوارث عشقها أي من أبنائه، الذين وإن كانوا يساعدونه أيام العطل فإن اهتماماتهم أخرى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

جولة في المعالم الأثرية للقيروان.. ذاكرة الحضارة الإسلامية

عرض "عروڨ": أصل الموسيقى التونسية ثابت وفرعها في السماء