ضحايا

ضحايا "S17" في تونس.. مواطنون برتبة مُلاحقين دون تهمة

يُعتبر الإجراء الحدودي "S17" أهم تجليات انتهاكات حقوق الإنسان في تونس بعد الثورة (صورة توضيحية/إيناس كانلي/وكالة الأناضول)

 

عالم ضحايا الإجراء الحدودي "الاستشارة قبل المغادرة" والمعروف اختصارًا باسم "S 17"، هو عالم يضم حوالي 100 ألف مواطن تونسي وفق إحصائيات مرصد الحقوق والحريات، تختلف تفاصيلهم الدقيقة لكن الخطوط العريضة متشابهة في أكثر تجليًات انتهاكات حقوق الانسان في تونس بعد الثورة. إذ تجمع التقارير الحقوقية الوطنية والدولية على أن الانتهاكات الحاصلة بسبب هذا الإجراء الأمني هي تعسفية وتعارض عددًا من الحقوق الدستورية منها حرية التنقل وحرية اختيار مقر الإقامة والمسكن، كما قضت المحكمة الإدارية في وقت سابق ببطلانه في قضايا مرفوعة أمامها.

تجمع التقارير الحقوقية الوطنية والدولية على إن الانتهاكات الحاصلة بسبب "S 17" هي تعسفية وتعارض عددًا من الحقوق الدستورية منها حرية التنقل وحرية اختيار مقر الإقامة والمسكن

يؤكد النائب والناطق الرسمي باسم "ائتلاف الكرامة" سيف الدين مخلوف لـ"ألترا تونس" أن الغاء العمل بهذا الإجراء الحدودي هو شرط الائتلاف ضمن مفاوضات تشكيل الحكومة معتبرًا أن وزارة الداخلية تعيش فوق القانون بتقييدها حركة عشرات الألاف من التونسيين وتنفيذ قرارات وصفها بالمخالفة للقانون.

وكان قد تعهد ائتلاف الكرامة في برنامجه الانتخابي بالعمل على الرفع الفوري لحالة الطوارئ وإلغاء الإجراء الحدودي "S17" وبالفصل التام بين الإداري والأمني وبين النقابي والسياسي في وزارة الداخلية.

ولم يتسنّ لـ"الترا تونس" الحصول على معلومات من وزارة الداخلية حول عدد التونسيين المشمولين بقيود الحركة على التنقل والسفر، وإن كان يتم تحيين قائماتهم بصفة دورية أخذًا بعين الاعتبار ثبوت براءة بعض المشمولين بهذا الإجراء الوقائي.

اقرأ/ي أيضًا: "العصا في المؤخّرة".. لا بأس بالتعذيب مادامت التهمة الإرهاب!

مروان جدة (مرصد الحقوق والحريات): الـ"S 17" لا يليق بتونس الثورة

أحصى تقرير لمرصد الحقوق والحريات بتونس أن 96 في المائة من المشمولين بهذا الإجراء هم من الذكور و93 في المائة ينتمون الى الفئة العمرية ما بين 20 و40 سنة.

وأفادنا، في هذا السياق، المدير التنفيذي للمرصد مروان جدة أن الإجراء الحدودي المذكور يشمل التضييق على التنقل بين المدن، ومن استخراج وثائق رسمية أهمها جواز السفر، وهو ما تسبب في فقدان الكثير من المشمولين به لوظائفهم ودراستهم وفوتت عليهم حصص لعلاجهم أوعلاج ذويهم.

وأضاف أن "لعنة هذا الإجراء" شملت التونسيين بالخارج أيضًا عبر تعطيل رحلات ذهابهم أو عودتهم الى تونس وفقدان فرص إقامتهم وعملهم في بلدان الإقامة، بالإضافة إلى تعطيل تسليم جواز السفر في القنصليات في الخارج وما يمثله ذلك من تهديد نظرًا لارتباط جواز السفر في الخارج بالعمل والدراسة والإقامة.

مروان جدّة (مرصد الحقوق والحريات): يشمل الإجراء الحدودي التضييق على التنقل بين المدن ومن استخراج وثائق رسمية أهمها جواز السفر، وهو ما تسبب في فقدان الكثير لوظائفهم ودراستهم 

ولفت جدة، في حديثه لـ"ألترا تونس" إلى أن ساعات طويلة من البحث الارشادي للضحايا أدت لحرمانهم من ممارسة كل حقوقهم بما يذكر بحقبة بن علي في بحث لا فائدة منه ولا جدوى قانونية أو أمنية، وفق تأكيده.

وقد سجل مرصد الحقوق والحريات بتونس المنع من السفر سنة 2014 كانتهاك جديد لحقوق الإنسان بعد الثورة، ثم تطور الأمر للمنع من استخراج جواز السفر أطلق بموجبها المرصد في أفريل/نيسان 2015 حملة "سيّب لخضر"، مع رصد منع التنقل بين المدن في تونس سنة 2015، وإخضاع الضحايا الى بحث ارشادي، لتُطلق حملة أخرى بعنوان "سيّبني نعيش".

الانتهاكات الحقوقية للإجراء "S17"

 

ودعا المدير التنفيذي للمرصد رئيس الجمهورية ومجلس النواب إلى "رفع المظلمة عن التونسيين وتمكينهم من حقوقهم القانونية والدستورية" مشيرًا الى تجاهل وزارة الداخلية لطلبات سابقة لعقد جلسات عمل بخصوص هذا الاجراء، مؤكدًا أن القضاء هو الوحيد المخول قانونًا بتحجير السفر في إطار عقوبة احترازية أو تكميلية بعد البحث والتحري.

واستغرب فرض هذا القرار "الذي لا يليق بثورة تونس التي نادت بالحرية والكرامة دون إعلام الضحايا بأسباب الإدراج أو مدتها ودون منحهم فرصة للطعن" مستغربًا إن كانت تونس هي الوحيد التي تحارب الإرهاب في العالم باعتمادها هذا الإجراء التعسفي، وفق قوله.

العفو الدولية: الإجراء الحدودي تمييزي وغير قانوني

وجاء في تقرير منظمة العفو الدولية لسنة 2018 أن السلطات التونسية "استمرت في فرض إجراءات بموجب حالة الطوارئ، وطبَّقت تلك الإجراءات في كثير من الحالات بطريقة تتسم بالتعسف. واستخدمت وزارة الداخلية أوامر مراقبة الحدود المعروفة باسم "الإجراء S17" لتقييد الحق في حرية التنقل لآلاف الأفراد بشكل غير مشروع".

العفو الدولية: استخدمت وزارة الداخلية أوامر مراقبة الحدود المعروفة باسم "S17" لتقييد الحق في حرية التنقل لآلاف الأفراد بشكل غير مشروع

وحددت المنظمة الانتهاكات الحقوقية للإجراء الحدودي "S17" بأنها قيود تمييزية وغير قانونية على الحق في حرية التنقل مشيرة إلى غياب الوضوح في الأسباب وعدم إمكانية الطعن مع عدم إعلام المشمولين بالإجراء إلا عند محاولة السفر.

وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قالت المنظمة إن مسؤولًا في وزارة الداخلية أعلمها أن وزير الداخلية شكل فريق عمل لإدخال إصلاح على "الإجراء S17" ووضع حد لتنفيذه التعسفي، وأصدر تعليمات بعدم ربط رفض وثائق السفر بالإجراء المذكور.

وقالت هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، في رسالة وجهتها إلى الأعضاء الجدد في مجلس النواب في 10 أكتوبر/ تشرين الأول، "إن للمشرعين الجدد في تونس دور حاسم في إنهاء التأخير في إصلاحات حقوق الإنسان المتوقفة، وإدخال التغييرات اللازمة لحماية الانتقال السياسي في تونس، وضمان توفير أقصى درجات الحماية لحقوق الإنسان المنصوص عليها في الدستور التونسي".

مصنفون بالصدفة

يجمع ضحايا "S17" الذين استمعنا إليهم إلى أنه لم يتم إعلامهم بهذا الإجراء إلا بطريق الصدفة بعد منعهم أو تعطيلهم من السفر أو بمناسبة استخراج وثائق رسمية. ويروي الناشط الحقوقي منصف العبيدي لـ"ألترا تونس" أنه اُدرج في قائمة المصنفين بعد ظهوره في برنامج تلفزيوني واكتشف ذلك بعد أسبوع بمناسبه سفره إلى الجزائر، مؤكدًا أنه يمكن تصنيف أي مواطن فقط بوشاية أو تقرير أو تخوف أو احتراز.

يجمع ضحايا "S17" الذين استمعنا إليهم إلى أنه لم يتم إعلامهم بهذا الإجراء إلا بطريق الصدفة بعد منعهم أو تعطيلهم من السفر أو بمناسبة استخراج وثائق رسمية

ولم يخف محدثنا يأسه من السلطات ومن وزارة الداخلية التي لا تمتثل حتى لحكم القضاء في هذا الشأن، وفق قوله، مبينًا أن التأثير السلبي لهذا الإجراء جعله يشعر بالتمييز السلبي والعنصرية والإقصاء.

شاهد/ي أيضًا: التعذيب في تونس بعد الثورة.. الكابوس لم ينته بعد

ع. ح هو ضحية أخرى منعته القيود من السفر وحرمته من الارتزاق وذللك منذ إدراجه بالإجراء الحدودي "S17" أعقاب أحداث بن قردان عام 2016 على خلفية وشاية كيدية وفق قوله، مؤكدًا أن تنقلاته من الجنوب التونسي إلى العاصمة والمطالب الكثيرة التي تقدم بها لوزارة الداخلية م تفلح لتسوية وضعه رغم تأكيدات مصالح الوزارة نفسها في رفع الحظر وتخفيف القيود.

وحال محدثنا كحال المواطنين في بن قردان حيث لا عمل غير التجارة عبر المعبر الحدودي الذي يقطعه التجار والعاملون فيه مرات عديدة في اليوم، وهو يضطر للانتظار 3 ساعات في الذهاب و3 أخرى في الإياب قبل السماح له في العبور. وقد دفعه مؤخرًا حماسه وفرحته بعد انتشار خبر إلغاء الإجراء الحدودي إلى المسارعة إلى المعبر قبل أن يعود بخيبته الأولى، فلم يكن الخبر إلا إشاعة.

هيثم بن عياد.. ضحية سنوات متراكمة

هيثم بن عياد هو الآخر ضحية يشترك مع بقية ضحايا الإجراء الحدودي في معاناة تتفاقم عبر السنوات، لكن ربما معاناته تتخذ صبغة أكثر تراجيدية. فهو كان بحاجة لاستخراج جواز سفر وبطاقة السجل العدلي في آجال محددة بغرض السغر لمواصلة دراسته في الخارج غير أنه ضاعت فرصته، في مظلمة يتعرض لها منذ 2006 عندما كان يبلغ من العمر 18 سنة على خلفية مشاركته في مظاهرات لنصرة فلسطين بعد أحداث سليمان. 

قد يبدو الحديث في تفاصيل رحلة هيثم الذي مكنه تميزه في شهادة الباكالوريا من الالتحاق بكلية طب الأسنان بالمنستير، مسقطا على الموضوع لكن جزء من كل، تتشابه الأحداث بعد الثورة بما قبلها ويترابط السبب والنتيجة في علاقة بحياته الطلابية المتوترة داخل أسوار الكلية وإجراءات تعسفية وصلت حد قراره السفر لاستمال دراسته بالخارج.

هيثم بن عياد هو الآخر ضحية يشترك مع بقية ضحايا الإجراء الحدودي في معاناة تتفاقم عبر السنوات لكن ربما معاناته تتخذ صبغة أكثر تراجيدية

في الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 2018، دوّن هيثم بن عياد على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "هنا تنتهي فصول الحكاية هنا تنتهي رحلتي في كلية طب الأسنان بالمنستير التي دخلتها منذ 11 عاما تخللها شتى أنواع القمع والنكسات والكبوات والغدر والخيانة.. سأطوف العالم شرقًا وغربًا وسأكمل دراستي في أعرق الجامعات العالمية وسأحصًل أفضل تكوين طبي وسأحاضر في أرمق المنتديات والمؤتمرات الدولية، ستسبقني إليكم نجاحاتي في بلاد المهجر وسأعود يومًا ما لنسف الكلية التي أُخرجت منها ظلما وعنوة وسأدرّس فيها أستاذًا جامعيًا ذا صيت عالمي".

كان ذلك قبل نكسة أولى تذكر بنكسات ماضية عاشها مع المؤسسة الأمنية في عهد بن علي، عندما فوّت عليه الامتناع عن تجديد جواز سفره الذي استغرق أكثر من 10 أشهر وبالامتناع عن مده بنظير من بطاقة السوابق العدلية لأكثر من 3 أشهر أجل التقديم على التأشيرة وتاريخ إجراء المناظرة للالتحاق بطب الأسنان بإحدى الكليات في الخارج.

تحصل هيثم بن عياد على بطاقة السوابق العدلية بعد انتظار لسنوات عديدة

 

ردّت وزارة الداخلية على استفسار النائب ياسين العياري عن وضعية هيثم بن عياد وعن تأخير تسليمه بطاقة السوابق العدلية، وأفادت أن "المعني بالأمر لديه سوابق عدلية لدى المحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ مارس/آذار 2008"، والحال أنه متمتع بشهادة في العفو العام بتاريخ 17 مارس/آذار 2015، كما نال قرارًا فرديًا بجبر الضرر من هيئة الحقيقة والكرامة بتاريخ 28 ماي/آذار 2019، تحصلنا على نسخة منه، يقضي "باسترجاع جميع حقوقه المدنية والسياسية واستخراج جميع الوثائق الشخصية".

قرار جبر الضرر لفائدة هيثم بن عياد

 

وتستمر المظلمة

في فيفري/شباط 2019، قال مدير عام حقوق الانسان في وزارة الداخلية محمد علي خالدي، في تصريح إعلامي، إنّ الوزارة أصدرت ملحوظة مهنية بعدم تطبيق الاجراء الحدودي "S17" داخل المدن واعتماده فقط في نقاط العبور الحدودية.

فيكا لم يقدم وزير الداخلية إجابة محددة عن سؤال كتابي كان تقدم به النائب ياسين العياري جول الاجراء الحدودي وعدد المشمولين به وعدد الذين تمت استشارة وزارة الداخلية في شأنهم وتقدير عدد الرحلات التي فوتها المواطنون جراء هذا الإجراء وكانت نتيجة الاستشارة في حقهم سلبية، ولم يقدم أيضًا عدد الإرهابيين الذين مكن الاجراء من القاء القبض عليهم، إجابة طويلة من الوزير في صفحة ونصف لم تحدد صراحة أو بالإشارة او التقريب ما طُلب والتخفي دائمًا وراء "معطيات أمنية".

وكان الناطق الرسمي باسم المحكمة الإدارية اعتبر، في تصريح إعلامي سابق، أن وزارة الداخلية تعطي لنفسها صلاحية ليست من صلاحياتها المحمولة بالقانون بمنعها مواطنين من السفر، الذي هو اختصاص قضائي.

في ظل هذا الغموض الذي يلف هذا الإجراء وأسباب ادراجه ومعايير رفع الحظر أو وضعه تحت مسمى حالة الطوارئ ومحاربة الإرهاب، يترقب الضحايا بأمل كبير رفع المظلمة عنهم بقرار سياسي بدفع من رئيس الجمهورية قيس سعيّد الذي أعلن رفضه لكل ما يتعارض مع الدستور والقانون.   

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأطفال التونسيون العالقون في ليبيا.. مواطنون مع وقف التنفيذ

"14 فردًا من عائلتي في سوريا": تونسية تروي لنا قصّتها