الأطفال التونسيون العالقون في ليبيا.. مواطنون مع وقف التنفيذ

الأطفال التونسيون العالقون في ليبيا.. مواطنون مع وقف التنفيذ

موجودون في السجون مع أمهاتهم أو في دور رعاية في ليبيا (صورة تقريبية/محمود تركية/أ.ف.ب)

 

لا تزال تثير قضية الأطفال التونسيين من أبناء مقاتلي وإرهابيي تنظيم "داعش" العالقين في ليبيا منذ سنوات، جدلًا واسعًا طيلة السنوات الأخيرة في ظل الاتهام الموجه للسلطات التونسية بالتباطؤ والمماطلة من أجل تسريع عودة العشرات من هؤلاء الأطفال الموزعين بين دور الرعاية والسجون رفقة أمهاتهم في مصراتة وطرابلس دون أن توجه أي تهمة للأمهات.

ولم يخف الجانب الليبي منذ حوالي سنتين امتعاضه مما وُصف بالموقف التونسي السلبي، وهو ما حدا بجمعية الهلال الأحمر الليبي إلى إمهال السلطات التونسية، في وقت سابق، مدة شهرين لتسلم الأطفال التونسيين المودعين في دار الرعاية.  فيما أعلنت بدورها وزارة الخارجية التونسية، المسؤولة مباشرة عن القضية بحكم الاختصاص، سعيها لإيجاد حل لعودة هؤلاء الأطفال العالقين.

تثير قضية أطفال تونس من أبناء مقاتلي وإرهابيي تنظيم "داعش" العالقين في ليبيا جدلًا واسعًا في ظل الاتهام الموجه للسلطات التونسية بالتباطؤ والمماطلة

يترقب، في الأثناء، ذوو العالقين اليائسين في تونس أقاربهم في ليبيا، وقد أعياهم طرق أبواب السلطة في تونس دون أي تفاعل جدي وفق تعبيرهم، هم أقارب تقطعت بهم السبل بين طرابلس ومصراتة وقد فشلت محاولاتهم لإرجاع أبنائهم، حسب تصريحاتهم.

نهاية شهر جانفي/ كانون الثاني 2018، زفّ الهلال الأحمر الليبي فرع مصراتة (غرب ليبيا) نبأ وصول وفد تونسي لأخذ عينات الحمض النووي لستة أطفال مقيمين بدار الرعاية التابعة للجمعية، وللمقيمين بمؤسسة الإصلاح والتأهيل طرابلس فيما اعتبرت خطوة إيجابية لحلحلة القضية.

وقد مثلت وقتها وساطة اللجنة الدولية للصليب الأحمر لإعادة أطفال مصريين من ليبيا، في نفس الوضعية، محفزًا لقرب انفراج أزمة الأطفال التونسيين، لكن لا جديد يُذكر حتى الآن. فكيف تعاملت السلطات التونسية مع قضية التونسيين العالقين في ليبيا وخاصة الأطفال؟ وهل عجزت الخارجية التونسية عن القيام بالجهود اللازمة في ليبيا لإرجاع مواطنين تونسيين إلى بلدهم؟

اقرأ/ي أيضًا: "14 فردًا من عائلتي في سوريا": تونسية تروي لنا قصّتها

طفولة حبيسة البيروقراطية

تكوّن الوفد التونسي، خلال زيارته إلى دار الرعاية في مصراتة في جانفي/كانون الثاني 2018، من ممثلين عن وزارة الخارجية والشرطة الفنية التونسية، وكان الأمل في إتمام كافة الإجراءات بأسرع وقت ممكن من أجل إقفال هذا الملف ورجوع الأطفال التونسيين إلى ذويهم. وقد باشر الوفد فور وصوله بأخذ عينات للتحقق من هويات 6 أطفال تونسيين متواجدين تحت رعاية الجمعية وذلك تمهيدًا لإعادتهم لأقاربهم في تونس. ولم تفصح وزارة الخارجية التونسية بالخصوص حينها عن أية معطيات.

وتلك الزيارة للوفد التونسي هي الأولى من نوعها وقد كان من المقرر إجراؤها خلال الفترة الممتدة بين 12 و14 ديسمبر/ كانون الأول 2017 بوفد مكون من ستة إطارات يترأسهم القنصل العام للجمهورية التونسية بطرابلس، حسب وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية تطلب منح التراخيص اللازمة لتمكين فريق من الشرطة الفنية والعلمية للتحول إلى ليبيا لأخذ العينات من الأطفال في السجون ودور الرعاية، وذلك قبل تأجيل موعدها.

أرسلت تونس وفدًا يضم ممثلين عن وزارة الخارجية والشرطة الفنية إلى ليبيا في جانفي 2018 للتحقق من هويات 6 أطفال تونسيين قبل إعادتهم إلى بلدهم

وكان قد زار وفد برلماني تونسي يرافقه رجل الأعمال شفيق جراية، في أفريل/ نيسان 2017، الأطفال التونسيين في مصراتة، ولم تدم الزيارة غير ثلاث ساعات وفق ما أفاد به مسؤول الدعم النفسي بجمعية الهلال الأحمر الليبي فيصل جلوال حينها، تم خلالها تباحث كيفية إعادة هؤلاء الأطفال إلى ذويهم في تونس مع وعود بتقديم مساعدات للجمعية إلى حين تأمين عودة الأطفال.  

ثم زار وفد تونسي آخر العاصمة طرابلس، قبل أن يعود على أدراجه دون نتيجة تُذكر ودون أن يزور سجن معيتيقة، وفقًا لما جاء في تصريح متلفز للعقيد صلاح السموعي مدير مديرية أمن طرابلس.

ويرى متابعون أن إجراء رفع البصمة الوراثية مثل انفراجًا لأزمة أثقلت كاهل المضيفين في ليبيا والأهالي في تونس على حد السواء. وبالرغم من تكتم الخارجية التونسية حول الموضوع، إلا أن الإجراء لم يشمل كل الأطفال العالقين في القطر الليبي، بل شمل فقط الأطفال الستة الذين تبنتهم جمعية الهلال الأحمر الليبي بعد فقدان ذويهم.

اقرأ/ي أيضًا: مخيم "الشوشة".. قصص منسيين في سجن مفتوح

وقد اتهم وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي، في جلسة استماع له بمجلس نواب الشعب بتاريخ 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، الجهات الليبية بتعطيل عودة التونسيين العالقين في ليبيا من أطفال ونساء. وقد أعلن حينها عن عودة طفلين إلى تونس قبل يومين، يدعيان محمد ويقين، مشيرًا إلى تعذّر أخذ عينات للتحقق من هويتهما، بكل الطرق، دون أن يعلن عن الأسباب.

كما أعلن الجهيناوي، خلال نفس الجلسة البرلمانية، عن عودة عدد من الأطفال دون أن يقدم أي تفاصيل، لكن لم يسبق للخارجية التونسية أو أي من مكونات المجتمع المدني المتابعة للملف الإعلان عن عودة أيّ طفل من الأطفال التونسيين العالقين. 

وقد وجهت الجمعية المستضيفة في مصراتة نداءً إلى السلطات التونسية لتسلم الأطفال التونسيين، وأكدت على لسان مسؤول الدعم النفسي فيها فيصل الجلوال توفر قاعدة بيانات كاملة الشروط تسهل عملية التسليم المنتظرة.

وزير الخارجية خميس الجهيناوي يتحدث أمام البرلمان حول ملف التونسيين العالقين في ليبيا

كم عدد الأطفال التونسيين العالقين في ليبيا؟

تنقل منظمة "هيومن رايتس ووتش"، وفق ما تؤكده مصادرنا، عن وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن أنه يوجد 200 طفل و100 امرأة من أبناء وزوجات المقاتلين التونسيين في تنظيم "داعش"، وقالت إن أغلبهم موجودون في سوريا وليبيا.

فيما أفادت الكاتبة العامة لجمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج هدى الجندوبي، بتاريخ 14 أوت/ آب 2018، أن عدد ملفات الأمهات والأطفال التونسيين العالقين في مناطق النزاع المسلّح، بما يشمل ليبيا، بلغ 105 حالة، مبينة أن هذه الملفات تخصّ 83 طفلًا تونسيًا و22 أمًا تونسية مازالوا عالقين بالخارج في مناطق النزاع.

تواصل "الترا تونس" مع نجيب محمد الرايس، وهو مدير جمعية الهلال الأحمر الليبي بمصراتة، الذي أكد أن عدد الأطفال التونسيين في دار الرعاية التابعة للجمعية يبلغ 6 أطفال. 

ومنذ تبني الأطفال بعد تحريرهم من قبضة "داعش" في سرت، قامت جمعية الهلال الأحمر الليبي بإعداد قاعدة بيانات للأطفال بالاعتماد على تصريحات الأطفال الذين تجاوزوا ثمانية سنوات وبالقيام بتقاطعات مع السجينات التونسيات. وقد تمكنت الجمعية بالتعاون مع منظمة الصليب الأحمر من التواصل مع ذويهم في تونس وربط اتصالات مباشرة بالصوت والصورة معهم.

وفي مبنى الكلية الجوية في مصراتة، يوجد 11 طفلاً مع 10 أمهات تونسيات، وتطالب النساء، وفق ما أخبرتنا به هاتفيًا مديرة المنظمة العربية لحقوق المرأة وعضو منظمة "أوهارد" الهولندية مبروكة بسيكري، بالعودة إلى تونس وإن كلفهن ذلك السجن.

أما في طرابلس، يقبع في سجن معيتيقة 22 طفلًا و14 امرأة من ذوي الجنسية التونسية، ولا يُعرف بعد مصيرهم رغم مرور أكثر من سنتين على خضوع النساء للتحقيق وعدم توجيه أي تهمة ضدهنّ.

وتعود قصة بعض هؤلاء الأطفال الى الخامس من شهر ديسمبر/ كانون الأول 2016، عندما بث المركز الاعلامي لعملية البنيان المرصوص (العملية العسكرية لتطهير مدينة سرت وسط ليبيا من عناصر "داعش") صورًا وشريط فيديو لعملية إجلاء أطفال ونساء من تحت ركام البنايات المهدمة في أحياء المدينة، عندما ظهر أطفال يتعثرون الخطى على وقع إطلاق الرصاص ونداءات التحذير عبر مضخمات الصوت، وقد ألحقت العمليات الانتحارية والاشتباكات إصابات مختلفة لدى العديد منهم. تم إثر ذلك توجيه الأطفال إلى مستشفى ميداني ومنه إلى مستشفى مصراتة المركزي، لتمكينهم من الإسعافات الأولية والإحاطة النفسية.

اختلاف بين الجهات الرسمية والمنظمات الوطنية في تقدير عدد الأطفال التونسيين العالقين في ليبيا

اقرأ/ي أيضًا: "العصا في المؤخّرة".. لا بأس بالتعذيب مادامت التهمة الإرهاب!

تسببت مواجهات حينها في إصابة الطفل براء ذي السنوات الأربع بطلق ناري اخترق أمعاءه مما استوجب خضوعه لأربع عمليات جراحية وتأخر خضوعه لعملية خامسة بسبب استحالة إجرائها في ليبيا، ما جعل براء يقضي حاجته البشرية على خلاف الطبيعة. ورغم حالته الصحية الحرجة، لا يزال براء مودعًا صحبة والدته وحيدة بسجن معيتيقة، وهو مصنف كمجهول الهوية رغم أنه مدرج بجواز سفر والدته التونسية والمتزوجة بالصيغ الرسمية للبلاد التونسية، إلا أن الإجراءات التمهيدية للعودة إلى تونس لم تشمله.

لم يخف خال الطفل منصف العبيدي، وهو أيضًا نائب رئيس الجمعية التونسية لإنقاذ العالقين في ليبيا، في تصريح لـ"الترا تونس" خيبته من أداء الوزارات في تونس والهياكل التي يتردد في طرق أبوابها منذ ما يزيد عن العامين دون أن يظفر بأي جديد.

في الأثناء وعلى خلاف الوضع التونسي، نجح السودان في شهر جوان/ حزيران 2017 في استعادة 8 أطفال من أبناء مقاتلي "داعش" في ليبيا تسلمتهم السلطات السودانية من معيتيقة، ثم تسلمت 4 أطفال فقدوا آباءهم في ليبيا بعد شهرين قبل أن يتم تسلّم 10 مواطنين سودانيين في أفريل/ نيسان 2018 من بينهم طفلين. كما تمكنت مصر من استعادة 12 طفلًا كانوا في دار الرعاية التابعة لجمعية الهلال الأحمر بمصراتة بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

عودة الأطفال مسألة وقت ولكن..

رحّب رئيس جمعية الهلال الأحمر الليبية بـ"الخطوة الإيجابية والمهمة" من الجانب التونسي تمهيدًا لعودة الأطفال، وذلك في علاقة بزيارة الوفد في جانفي/كانون الثاني 2018. فيما لم يخف مصدر من اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتونس، يفضل عدم الكشف عن اسمه، وجود قنوات للحوار مع السلطات التونسية، إلا أنه قال في تصريحه لـ"ألترا تونس" إن وساطة اللجنة لن تكون إلا في حال اتفاق الطرفين الرئيسين أي السلطات في تونس وليبيا، مؤكدًا أن دورها لوجستي في تأمين عودة الأطفال العالقين بعد الاتفاق دون أن يفصح المصدر عن تفاصيل إضافية.

 المكلفة بالإعلام في اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتونس: دورنا لوجيستي في تأمين عودة الأطفال إلى تونس في حال الاتفاق بين السلطات التونسية ونظيرتها الليبية

يُشار إلى أنه في الحالة المصرية، لم يفصح أي من الأطراف المتدخلة في عملية إجلاء الأطفال الاثني عشرة العالقين عن أي معلومات إلا بعد إتمام العملية بنجاح. ويتوجّس المجتمع المدني التونسي المعني بالملف أن تكون عودة الأطفال الستة بمثابة المسكّن لطي صفحة الباقين، وتركهم لمصير مجهول، خاصة وأن المدعي العام ومدير الشؤون القنصلية في ليبيا حمّلا السلطات التونسية مسؤولية تقاعسها في هذا الملف.

والنقطة الخلافية، بحسب ما أفادنا به ناشط ليبي مطّلع على الملف، تكمن في تمسك الجانب الليبي بضرورة إعادة هؤلاء الأطفال مرفوقين بأمهاتهم وهو ما ترفضه السلطات في تونس.

دفعنا احتمال وجود شروط ليبية مجحفة عطلت التوصل إلى اتفاق إلى البحث عن إجابة من وزارة الخارجية التونسية من خلال المكلف بالإعلام أو مسؤول الشؤون القنصلية، مكالمات هاتفية متواترة لم نغنم منها إلا بسماع مقطوعتين موسيقيتين ثم إجابة يتيمة مفادها: "يجب الاتصال بوزارة الشؤون الاجتماعية هناك إدارة تعنى بالتونسيين بالخارج".

وزارة الخارجية التونسية تتحفظ عن تقديم معلومات حول ملف الأطفال التونسيين العالقين في ليبيا

التحفّظ على المعلومة تقليد عرفت به الخارجية التونسية مع كل حادثة لعل أبرزها اختطاف دبلوماسيين تونسيين في طرابلس واختفاء الصحفيين سفيان الشورابي ونذير القطاري في أجدابيا شرق ليبيا، وغيرها.

يُذكر أن تونس لم تفتح سفارتها في ليبيا منذ إغلاقها قبل خمس سنوات، لكنها أعادت في شهر أفريل/ نيسان 2018 فتح القنصلية في طرابلس لتقديم خدماتها للجالية التونسية بعد إغلاقها عام 2015.

ويعطّل الغياب الدبلوماسي التونسي، أو على الأقل ضعفه، على الساحة الليبية سرعة حلّ عديد الإشكاليات العالقة منها هذا الملف المتعلق بالأطفال من أبناء المقاتلين التونسيين في "داعش" العالقين في السجون ودور الرعاية الليبية، وذلك دون تجاوز ملف عودة المقاتلين أنفسهم إلى تونس، وهي قضية تبدو أكثر تعقيدًا وإثارة للجدل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عودة المقاتلين إلى تونس.. الإطار والسيناريوهات

واشنطن بوست: التهديد الإرهابي من داخل تونس وليس من المقاتلين العائدين (ترجمة)