رأس جدير.. بوابة مشاكل لم تجد لها الحكومة التونسية حلًا

رأس جدير.. بوابة مشاكل لم تجد لها الحكومة التونسية حلًا

2213 مشاهدة
ينشط حوالي 4000 ساكن من بن قردان في التهريب والتجارة الموازية (مريم الناصري/ الترا تونس)

تحوّلت أسواق بن قردان مؤخرًا، على مدى أكثر من شهر ونصف، إلى مكان شبه مهجور، بعد أن كانت قبلة الزوار والتجار من مختلف الجهات التونسية لشراء سلع تدخل من ليبيا عبر معبر رأس جدير. ولم تكن حالة الركود تلك بالواقعة الجديدة على المنطقة على مدى السنوات الأخيرة. فكثيرًا ما عرفت منطقة بن قردان أزمة تجارية بسبب غلق معبر رأس جدير سواء من الجانب التونسي أو الجانب الليبي، لأسباب ومبررات مختلفة في كلّ مرّة أهمّها رفض الليبيين تهريب البنزين نحو تونس.

تعتبر بن قردان أحد أبرز معابر التجارة الموازية عبر البرّ بالجنوب التونسي إذ ينشط في التجارة الموازية والتهريب قرابة 4000 ساكن من أهالي المدينة

اقرأ/ي أيضًا: استئناف حركة العبور بمعبر رأس جدير

وبعد انتظار قرابة الشهرين، تصاعدت أعمدة الدخان في سماء المدينة ليلة الثلاثاء 28 أوت/ آب الماضي، ليعلن شباب وتجار المنطقة الاحتجاج على غلق المعبر وتضرر تجارة المئات من الشباب. مما استوجب تدخل عناصر الأمن لاسيما بعد تعرّض منطقة الأمن ببن قردان إلى الرشق بالحجارة وإصابة رئيس المنطقة على مستوى الرأس. فيما حاول أحد الشباب المعتصمين في مخيّم "سيّب نسيّب" الانتحار بعد سكب البنزين على جسده مما استوجب نقله إلى المستشفى الجهوي بالمنطقة.

تحوّلت أسواق بن قردان على مدى أكثر من شهر ونصف إلى مكان شبه مهجور (مريم الناصري/ الترا تونس)

ورغم أنّ بلدية بن قردان قد أعلنت سابقًا أنّ وفدًا رسميًا بقيادة رئيس المجلس البلدي فتحي عبعاب انتقل يوم 18 أوت/ آب إلى مدينة زوارة الليبية للبحث عن حلول جذرية لاستئناف الحركة بمعبر رأس جدير، إلا أنّ اللقاء على ما يبدو لم يسفر عن أي نتائج إيجابية. ممّا جدّد حالة الاحتقان بالمدينة، للمطالبة بالتنمية وإعادة الحركة التجارية بالمنطقة وفتح المعبر الذي بقي بوابة مشاكل يبدو أنّ الحكومة فشلت في إيجاد حلّ نهائي لها. والحال أنّ المعبر يعتبر أكبر مشغل لأبناء الجهة، إذ لم يوجد على مدى السنوات الأخيرة مساع جدية ورسمية لإيجاد حلول فعلية لأزمة المعبر التي تكررت أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة. بل واقتصرت الجهود الرسمية الأخيرة على ما قامت به بلدية بن قردان ولقاءاتها في زوارة الليبية لإيجاد حلّ لأزمة المعبر واستئناف النشاط فيه.

وتعتبر بن قردان أحد أبرز معابر التجارة الموازية عبر البرّ بالجنوب التونسي. إذ ينشط في التجارة الموازية والتهريب قرابة 4000 ساكن من أهالي مدينة بن قردان. كما أنّ التهريب والتجارة الموازية يمثلان أكثر من 50 في المائة من المبادلات التجارية مع ليبيا حسب دراسة للبنك الدولي صدرت سنة 2013.

علي (شاب من منطقة بن قردان) لـ"الترا تونس": نحن مجبرون على التهريب والتجارة الموازية بسبب انعدام فرص الشغل في المنطقة وغياب التنمية

في هذا السياق، يقول علي، أحد شباب المنطقة، يبلغ من العمر 29 سنة، لـ"الترا تونس"، إنّ "المعبر يعتبر المصدر الأول لرزق شباب وأهالي المنطقة الذين يعيشون على التجارة المتبادلة بين البلدين، ولكن تكرّر إغلاق المعبر خلال السنوات الأخيرة من الجانب الليبي لمنع عبور السلع إلى تونس وأهمّها الوقود". ويضيف أنّهم مجبرون على التهريب والتجارة الموازية بسبب انعدام فرص الشغل في المنطقة وغياب التنمية أو أي نشاط آخر.

من جهته، يبيّن مختار (36 سنة) لـ"الترا تونس" أنّ التهميش والفقر وارتفاع معدّلات البطالة، إلى جانب غياب الحلول التنموية والاقتصادية دفع بشباب المنطقة إلى العمل في التهريب والتجارة الموازية، رغم ما يتعرّضون له من مخاطر في ليبيا بسبب الحرب واعتداءات الليبيين على التجار لمنعهم من تمرير بضائعهم نحو تونس.

على صعيد آخر، يؤكد محدثنا أنّ التونسيين وأهالي الجهة لم يمنعوا أي تاجر ليبي من العبور إلى ليبيا والحال أنّهم يحملون أغلب المواد الغذائية من تونس، قائلًا "فلم لا يعاملوننا بالمثل؟". ويشير إلى أنّهم لن يقبلوا بحلول أو قرارات أحادية الجانب من الطرف الليبي بل يجب الوصول إلى اتفاق ثنائي لحلّ الأزمة بصفة نهائية.

اقرأ/ي أيضًا: منتدى الحقوق الاقتصادية: نستغرب الصمت الحكومي تجاه الوضع بمعبر رأس جدير

عودة للهدوء في بن قردان (مريم الناصري/ الترا تونس)

ورغم عودة الهدوء وإعادة فتح المعبر يوم السبت 1 سبتمبر/ أيلول الجاري لتسهيل حركة المسافرين الليبيين والتونسيين، إلاّ أنّ القرار أثار غضب المحتجين من جديد لأنّه تم "دون اتفاق رسمي" بين السلطات الليبية والتونسية.

يذكر أنّ الحكومة التونسية أشارت أكثر من مرّة سابقًا إلى صعوبة التفاوض مع السلطات الليبية بشأن الإجراءات الجمركية، في ظل "الفوضى" التي تعيشها ليبيا.

رغم عودة الهدوء وإعادة فتح المعبر يوم السبت إلاّ أنّ القرار أثار غضب المحتجين من جديد لأنّه تم "دون اتفاق رسمي" بين السلطات الليبية والتونسية

من جهته، يوضح رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير في تصريح لـ"الترا تونس" أنّ الجانب الليبي أغلق المعبر أكثر من مرّة لمنع مرور المحروقات والبضائع نحو تونس، إلى جانب سوء المعاملة من الجانب الليبي وتعرض التجار عديد المرات إلى اعتداءات مادية من طرف القائمين على المعبر.

على صعيد آخر، يذكر محدّثنا أنّ الجانب التونسي كان قد ألغى إتاوة على الليبيين إلاّ أن الجانب الليبي لم يلغ  إتاوة بـ 30 دينار وهي الخاصة بالدخول إلى المعبر على التونسيين، مضيفًا أنّ الأهالي رغم احتجاجهم سمحوا بمرور سيارات الإسعاف فقط نحو تونس.

ويؤكد مصطفي عبد الكبير ضرورة إيجاد حل واتفاق رسمي بين الجانبين لضمان عدم تكرر الأزمة والحال أنّ التجار التونسيين كثيرًا ما اشتكوا الاعتداءات التي تلحقهم من الجانب الليبي لمنع مرور البضائع نحو تونس، رغم أنّ عديد التجار الليبيين والتونسيين يدخلون بضائع إلى ليبيا. ويبرز أنّ "فتح المعبر دون اتفاق رسمي ليس بحلّ حقيقي والدليل أنّ الأزمة تتكرر كلّ سنة".

يذكر أنّ وزير التجارة التونسي السابق محسن حسن أعلن منذ 2016 عن البدء في إجراء الدراسات الفنية لمشروع منطقة التبادل الحر في بن قردان بميزانية مقدرة بنحو 120 مليون دينار تونسي، على أن تنتهي سنة 2017 كأقصى تقدير. ويهدف المشروع حسب الوزير إلى تقنين التبادل التجاري على الحدود وغلق منافذ التهريب وخلق حركة اقتصادية في المنطقة، إلى جانب خلق ما يقارب 2500 فرصة عمل مباشرة و6 آلاف بصفة غير مباشرة. مع ذلك بقي مشروع السوق الحرّة معطلًا إلى اليوم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مدن الحدود الجنوبيّة لتونس: الإقصاء والعقاب (1/2)

مدن الحدود الجنوبيّة لتونس: الإقصاء والعقاب (2/2)