تونس من الخطر الداهم إلى الخطر الجاثم..

تونس من الخطر الداهم إلى الخطر الجاثم..

تشير حالات الظهور الأولى للرئيس إلى مقاربة سطحية لوضع مالي واقتصادي معقّد

 

مقال رأي

 

تعلّلت الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها رئيس الجمهورية يوم 25 جويلية/ يوليو الماضي بخطر داهم لم تحدّد هويّته ودرجة خطره على الدولة وتعطيل دواليبها مثلما ينصّ عليه الفصل 80 من الدستور، فدخلت البلاد فيما يشبه الفراغ المؤسسي بعد تجميد مجلس نواب الشعب وإقالة الحكومة.

وتعاظم الشعور بأنّ البلاد خرجت من أزمة مالية صحيّة خطيرة إلى مأزق شامل بلا أفق. وبعد أكثر من مرور شهر على هذه الإجراءات عمد الرئيس إلى التمديد مكتشفاً أنّ الخطر الداهم إنّما يتمثّل في الحكومة ومجلس نوّاب الشعب، وههو كاف عنده ليجعل الخطر الداهم خطرًا جاثمًا. 

اقرأ/ي أيضًا: العفو الدولية: يجب على الرئيس التونسي رفع حظر السفر التعسفي

  • خطر الفراغ المؤسسي

ندخل إلى الشهر الثاني من الإجراءات الاستثنائيّة والبلاد بلا برلمان وبلا حكومة وهما المؤسستان اللتان استُهدفتا من قبل ما قيل إنّه هبّة شعبية لتصحيح المسار. ويقوم الاختلاف حول طبيعة الإجراءات الاستثنائية هل هي انقلاب أم تصحيح مسار دليلاً على أنّ ما حدث يوم 25 جويلية إنّما كان حسامًا لصراع سياسي احتدم في أعلى مؤسسات الدولة بين رئيس الجمهورية وحزامه السياسي ممثلاً في حزبي الشعب والتيار الديمقراطي اللذين حرّضاه على الانقلاب، وحكومة المشيشي وحزامها البرلماني المكوّن من كتل النهضة والكرامة وقلب تونس المدعوم من رئيس البرلمان.

ندخل إلى الشهر الثاني من الإجراءات الاستثنائيّة والبلاد بلا برلمان وبلا حكومة وهما المؤسستان اللتان استُهدفتا من قبل ما قيل إنّه هبّة شعبية لتصحيح المسار

الانقسام السياسي العمودي الحاد، بعد أن حسم رئيس الجمهورية الأمر لفائدته، يُعطي صورة عن طبيعة الحركة التي أتاها وعلاقتها بالدستور ومرجعيته وبالديمقراطية ومسارها. فإمساك الرئيس بكلّ السلطات مخالف لصريح الدستور، ولاقى ما رافق الإجراءات الاستثنائية من استهداف للحريات الأساسية ومن توجّه واضح لتدجين مؤسسة القضاء ردود أفعال متباينة، من منظّمات القضاة وجمعيّات المحامين ونقابة الصحفيين وغيرهم، وفي ذلك إضاءة لطبيعة ما جرى وعلاقته بالدستور والديمقراطية. وتنبيه إلى أنّ خطورة ما بلغته مؤسسات الدولة من شلل وما أحدثه من فراغ مخيف في ظل الأزمة المالية والجائحة الصحية.

ولقد توجّه أنصار الرئيس إليه بالتسريع في بناء الوضع الجديد، وشدّدوا على محاسبة من تسببوا في وصول البلاد إلى هذا الوضع غير الطبيعي المهدّد للدولة وللسلم الأهلي، دون أن تكون منهم إشارة إلى دور القضاء. ولكنّ الرئيس يراوح مكانه. فلا هو قدّم خارطة طريق لما بعد 25، ولا هو قبل مقترحات لخرائط طريق من قبل منظمات وشخصيات سياسية. واكتفى بجولات استعراضيّة تحت عنوان محاربة الفساد وتفقّد أحوال الرعيّة، توهّمًا بأنّ الفرد الذي يمسك بكل السلطات بين يديه، بديلاً عن المؤسسة، يمكن أن يكون شمسًا تضيء كل زوايا المشهد الاجتماعي والزوايا المعتّمة من اقتصاد الرخص والريع والاحتكار.

الرئيس يراوح مكانه فلا هو قدّم خارطة طريق لما بعد 25، ولا هو قبل مقترحات لخرائط طريق من قبل منظمات وشخصيات سياسية واكتفى بجولات استعراضيّة تحت عنوان محاربة الفساد وتفقّد أحوال الرعيّة

وتشير حالات الظهور الأولى إلى مقاربة الرئيس السطحية لوضع مالي واقتصادي معقّد. وفي هذا السياق تأتي إشارته إلى أنّ أموالاً من القروض والمعونات الدوليّة تحوّل لحساب أشخاص. ومعلوم أنّ التحويل يتمّ عبر البنك المركزي ومن خلال إجراءات إداريّة ومحاسبيّة  في غاية الدقّة والتعقيد تمنع تسريبها إلى غير وجهتها.

ومن جهة أخرى، فإنّ ما كان من هبّة إيجابية مكّنت من تلقيح أكثر من نصف مليون شخص في يوم واحد ارتدت في الأيام الأخيرة إلى عزوف غريب عن التلقيح، حتّى أنّ الفرق الطبية تفكّر في التنقّل إلى الممتنعين في منازلهم وقراهم. وهي تخشى أن تفوت صلوحيّة التلاقيح الممنوحة، فيتعقّد الأمر وقد عرفت العدوى ونسبة الوفيات ارتفاعًا ملحوظًا في الأيّام الأخيرة.

اقرأ/ي أيضًا: منظمات تونسية: شهر من الإجراءات الاستثنائية قد شابته ممارسات تعسفية

  • ردّة فعل سلبية

بعد عشر سنوات من التمرين الديمقراطي، كان منتظرًا أن تلاقي الإجراءات الاستثنائية ردّة فعل قوية وعمليّة من أنصار الدستور والانتقال الديمقراطي. وكان منتظرًا أن تعبّر الأحزاب ومنظّمات المجتمع المدني بقوّة عن الفصل بين السلطات ورفض أن تجتمع في يد فرد واحد، وعن مدنيّة الدولة وعلويّة القانون وحماية الحريّات الأساسيّة المكفولة بالدستور.

ولكن لم يكن شيء من ذلك إلاّ ما أشرنا إليه من ردّ فعل جانب من القضاة والمحامين واتجاههم إلى التعبير المنظّم للتصدّي للتجاوزات المتفاقمة. وهي تضييقات استهدفت نوّابًا يعتبرهم رئيس الجمهورية من خصومه مثل نائب أمل وعمل ياسين العياري أكثر النواب مثابرة في مقاومة الفساد ومساءلة الحكومة وهو اليوم يقبع في السجن بحجّة حكم قضائي سابق.

بعد عشر سنوات من التمرين الديمقراطي، كان منتظرًا أن تلاقي الإجراءات الاستثنائية ردّة فعل قوية وعمليّة من أنصار الدستور والانتقال الديمقراطي ولكن لم يكن شيء من ذلك

اقرأ/ي أيضًا: القضاء العسكري يؤكد إيداع ياسين العياري بالسجن.. ومنظمة العفو تعبر عن قلقها

ومازال نواب ائتلاف الكرامة وعائلاتهم هدفًا لملاحقات وتضييقات لا تُعرف الجهة الأمنيّة التي تقودها وإن كانت الإشارات تتركّز على النقابات الأمنيّة المنفلتة التي تعود إلى العربدة خارج إطار القانون، وقد لعبت دورًا سيّئًا للغاية في 2013 واستثمرت في موضوع الإرهاب إرباكًا لخطّة الدولة في مكافحته وكسره لفائدة مراكز قوى داخل السيستم استثمرت في موضوع الإرهاب بما يجعلها شريكة في استهداف الدولة وأمن المجتمع.

ويمكن التمييز بين موقفين من الإجراءات الاستثنائيّة موقف جذري أقلّي يعتبرها خروجًا عن الدستور واستهدافًا للمسار الديمقراطي المتعثّر. ولئن سلّم هذا الموقف بأنّ في المشهد الديمقراطي المتعثّر أسباب توقّفه فإنّه يشدّد على أنّ الفاعلين السياسيين جميعًا من أحزاب ومنظّمات ومسؤولين في أعلى مؤسسات الدولة جميعهم شركاء في إنتاج شروط التدهور. وأنّ من يدعو إلى تصحيح المسار كان من أهمّ عوامل تعطيله من خلال سياسة التعفين والتعطيل بغاية الترذيل.

ولم تكن هذه المواقف وردّة الفعل الضعيفة مستغربة. لأنّ أسبابها كامنة في المشهد منذ الانتخابات التأسيسيّة ومنظومات الحكم التي توالت على التسيير وهي ثلاث: منظومة 2011 (الترويكا) ومنظومة 2014 (نهضة/نداء) ومنظومة 2019 (ثلاث حكومات في أقل من سنتين). ومنظومات الحكم كانت نتيجة انتخابات حرّة وديمقراطيّة ولكنّها كانت جميعها مشروطة بنفوذ المنظومة القديمة وسيستامها. وقد مكّن هذا الوضعُ المنظومة القديمة، رغم ما مرّت به من حالات ضعف وتدهور، من أن تستثمر في الانقسامات التي تشقّ القوى المحسوبة على الثورة. وأن تصنع منها من يعتصم ويقطع الطريق لها، وأن تجبر من يعيش منها "هاجسًا وجوديّاً" و"فوبيا الاستئصال" على أن يكون عجلة خامسة في حكم نداء تونس (2014 ـ 2019) وأن يتحمّل، بعد تشظّي حزب النداء، كلّ تبعات منظومة الحكم هذه.

  • أسباب عميقة

كنّا في مقالات سابقة اجتهدنا في تأسيس موقف المجتمع المدني من الثورة ودوره في الانتقال الديمقراطي. وأقمنا وجهة نظرنا ترى في المجتمع المدني صنيعة الدولة الوطنيّة. وهي وجهة نظر تقترب من أن تكون أطروحة دفعنا بها في سياق البحث عن أسباب الاستثناء الديمقراطي في تونس.

فقد عرفت تجارب الانتفاض المواطني التي انطلقت من تونس ثلاثة مآلات. فقد انحرفت الحالة الثوريّة في سوريا واليمن إلى حرب أهليّة، في حين تحوّل الانتقال إلى الديمقراطيّة في ليبيا إلى حرب أهليّة، وعرفت تجربة الديمقراطيّة انقلاباً عليها من قبل مؤسسة الجيش.

في تونس كان الاستثناء، وقد أمكن أن نجمع ثلاثة أسباب أساسيّة أمّنت تواصل المسار الديمقراطي، وتمثّلت في إجماع على مفهوم الدولة والمرجعيّة القانونيّة في النزاع، ولقاء بين قوى الاعتدال من القديم والجديد ((نهضة/نداء) على قاعدة توافق قد يكون مقدّمة إلى تسوية تاريخيّة في مجتمع يعرف انقسامًا مضاعفًا هوويًا واجتماعيًّا، ومؤسسة أمنيّة وعسكريّة خارج رهانات السياسية. 

وكان يتوقّع أن تكون انتخابات 2019 حسمًا باتجاه استقرار المسار الديمقراطي، وأنّ الجولة الأخيرة في التناوب على الفوز بين القديم والجديد حسمت لصالح الجديد، مع ما خلّفه الصراع المرير من تغيّر في الحدود بين المكوّنين حتّى بات من الصعب تبيّن حدود حقيقيّة بينهما.

ما بدا واضحًا بعد أشهر قليلة على انتخابات 2019 أنّ العوامل التي كانت سببًا في استمرار الاستثناء الديمقراطي التونسي بدأت بالتآكل بعد بروز عاملين جديدين الرئيس قيس سعيّد ورئيسة الحزب الدستوري الحر

ما بدا واضحًا بعد أشهر قليلة على الانتخابات وتحديدًا مع سقوط حكومة الفخفاخ أنّ العوامل التي كانت سببًا في استمرار الاستثناء الديمقراطي التونسي بدأت بالتآكل بعد بروز عاملين جديدين الرئيس قيس سعيّد ورئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، ويشتركان في أنّ كلاًّ منهما يتقدّم بديلاً عن مشهد الانتقال الديمقراطي وليس شريكًا فيه. وهذا ما أضاف إلى جانب الصراع الديمقراطي في المشهد صراعًا ضدّ الديمقراطية. فقيس سعيّد يبشّر بديمقراطيّة مباشرة بديلاً عن الديمقراطيّة التمثيليّة وعبير موسي تبشّر باستعادة نظام الحزب الواحد.

وجود هذين الضربين من الصراع، وبروز القوى الجذريّة من الجهتين (الكرامة، والدستوري)، وضعف قوى الوسط (النهضة) واضمحلالها (النداء)، وإصرار رئيس الجمهوريّة على محاولات جرّ المؤسسة الأمنيّة والعسكريّة إلى دائرة التجاذب السياسي. كلّ هذه العوامل، إلى جانب سياسة البلوكاج الشامل التي تقاطع فيها رئيس الجمهوريّة والدستوري الحر، وعجز الحكومة عن مواجهة الأزمة الصحيّة والحدّ من تداعيات الأزمة الماليّة الاقتصاديّة، كانت مؤشّرات واضحة على أنّ أسباب استمرار التجربة في تقلّص مستمرّ. ولا يمكن لهذا التوجّه العميق ألاّ يصحبه في سطح المشهد السياسي الاجتماعي.

وسيكون لهذه الأسباب العميقة الدور الحاسم في مستقبل حركة 25 جويلية وموجتها الشعبويّة القويّة التي بدأت بالانكسار التدريجي أمام حقيقة الأزمة وعمقها. وأنّ الخطر الداهم يستدعي استنفار كلّ مؤسسات الدولة في مواجهته، وما شهدناه كان خلاف ذلك إذ تمّ شلّ أهمّ مؤسسات الدولة، وأنّ هذا الشلل لم يستثْن مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة التي اختزلت في شخص رئيس الجمهوريّة الرافض لكلّ حوار وتواصل مع وسائل الإعلام. 

الخطر الداهم يستدعي استنفار كلّ مؤسسات الدولة في مواجهته، وما شهدناه كان خلاف ذلك إذ تمّ شلّ أهمّ مؤسسات الدولة، وهذا الشلل لم يستثْن مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة التي اختزلت في شخص الرئيس الرافض لكلّ حوار وتواصل مع وسائل الإعلام

فالنخبة السياسيّة، وهي في جوهرها نخبة رئاسويّة لم ترتح إلى النظام شبه البرلماني ولكنّها لا تتعرّف إلى مؤسسة رئاسة الجمهوريّة التي ألفتها، بعد دخول قيس سعيّد إليها. ولا ترى لطريقته في ملء الفراغ المؤسسي ومقاربته في مواجهة الأزمة المركّبة أفقًا واضحًا. ويزداد الأمر غموضًا مع شركاء تونس من صناديق دوليّة ومنظمات تصنيف ائتماني تشترط شريكًا ديمقراطيًّا بمؤسسات لمنح القروض والمساعدات ولكي لا ينزل تصنيف تونس إلى مستوى يصبح فيه التعامل المالي معها مستحيلًا، وذلك هو الخطر الجاثم.

ما عرفته بلادنا في 25 جويلية لم يكن بمعزل عن صراع المحاور المحتدم في شرق المتوسّط والساحل والصحراء، سواء من جهة شروطه الداخليّة وقواه الفاعلة أو من جهة القوى الدوليّة والإقليميّة إلى درجة أمكن القول معها إنّ الطبقة السياسيّة بكلّ مشاربها في تونس ونخبتها المتصدّرة للمشهد السياسي نجحتا بامتياز في إيصال البلاد إلى "الدرجة الصفر للسيادة" نتيجة عجزها عن تحقيق تسويات داخليّة تحفظ الديمقراطيّة وتضمن الرفاه والتنمية.        

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

25 جويلية و"خيبة الانتظارات"

الديمقراطية الفاسدة نتاجًا لقضاء تحت رحمة الفساد