تداعيات وثيقة

تداعيات وثيقة "الانقلاب الدستوري"

التعطيل الذي تعرفه البلاد صورة من الانقلاب على الدستور غير المعلن ولم تأت وثيقة الانقلاب الدستوري لتنشئه وإنّما لتنبئ عن وجوده (أمين الأندلسي/ الأناضول)

مقال رأي

 

تعيش تونس منذ مطلع هذا الأسبوع على وقع الوثيقة التي نشرها موقع "ميدل إيست آي" البريطاني وقد صارت تُعرف بوثيقة الانقلاب الدستوري. وجاءت كلمة رئيس الجمهوريّة بحضور وزير الدفاع ورئيس الحكومة بصفته وزير داخليّة بالنيابة لتنهي جدلًا حول الوثيقة ذهب فيه بعض أنصار رئيس الجمهورية من الكتلة الديمقراطيّة إلى حدّ اعتبار الوثيقة محض خيال لا يخرج عن حملة شيطنة الرئيس واستهداف مؤسسة رئاسة الجمهوريّة.

ولئن أقرّ رئيس الجمهوريّة بوجود الرسالة ووصولها إلى رئاسة الجمهوريّة فإنّ كلمته بشأنها فتحت جدلًا واسعًا حول طبيعة الأزمة السياسيّة وحالة العطالة التي تعرفها مؤسسات الدولة في ظلّ تحدّيات الوضع المالي الاقتصادي و الصحّي.

الوثيقة والفصل 80 من الدستور

بدت كلمة رئيس الجمهوريّة في ظاهرها جديدة شكلًا ومضمونًا. فقيس سعيّد، الذي ألزم نفسه حتّى قبل أن يصبح رئيسًا بالعربيّة الفصحى، تكلّم في لقائه بضيفيه باللهجة التونسيّة المحكيّة. وقيس سعيّد، الذي لم يخرج في خطبه وتصريحاته منذ تولّى الرئاسة عن التذكير بكونه رئيس تونس الوحيد ولم يغادر خطاب المؤامرة والتخوين وأنّ الخونة والمتآمرين يتحركون من داخل مؤسسات الدولة وخارجها، اعترف لأوّل مرّة بتعدّد المؤسسات وباختلاف وجهات النظر والتصوّرات وما يستدعيه من ضرورة التكامل بين مؤسسات الدولة.

لئن أقرّ رئيس الجمهوريّة بوجود الرسالة ووصولها إلى رئاسة الجمهوريّة فإنّ كلمته بشأنها فتحت جدلًا واسعًا حول طبيعة الأزمة السياسيّة وحالة العطالة التي تعرفها مؤسسات الدولة 

استعمال اللهجة المحكيّة والدعوة إلى تكامل مؤسسات الدولة الأولى والاعتراف بوجود الرسالة ثلاث نقاط غطّت على كلمة رئيس الجمهوريّة والأخطر فيها وصرفت إليها أنظار وسائل الإعلام والرأي العام.

وقد كان قيادي ونائب عن حركة الشعب نفى وجود الوثيقة، وهي عنده مختلقة، وأنّ "كلّ من يصدّق بمحتوى وثيقة الانقلاب المزعومة فاقد لسلامة المدارك العقليّة". ولا يُعرف على ماذا استقرّ موقف النائب، بعد كلمة الرئيس وإقراره بالرسالة وبوصولها إلى مكتب الضبط بديوان رئاسة الجمهوريّة.

اقرأ/ي أيضًا: كيف علق سياسيون تونسيون على سيناريو "الانقلاب الدستوري" المزعوم؟

ولو لم تكن هناك دعوة من قبل بعض قيادات حزبي الكتلة الديمقراطيّة لرئيس الجمهوريّة إلى تحريك الجيش واعتقال الخصوم السياسيين وبعض من رجال الأعمال بدعوى مكافحة الفساد لكان للتشكيك في الوثيقة معنى. والحال أنّ ما ورد على لسان الأستاذ محمد عبّو من هذه الدعوة وعلى صفحته بمواقع التواصل الاجتماعي، يجعل من الوثيقة والجدل حول وجودها من عدمه تغطية على دعوات مازال مطلقوها مصرّين عليها وعمدوا إلى إعادة نشرها في هذا الجدل المحتدم حول الوثيقة صلفاً وتحديّا.   

هذا كان ظاهرَ كلمة رئيس الجمهوريّة. وهو ظاهر موهم بأنّ تحوّلًا طرأ على الرئيس باتجاه تقارب يُنهي عمليّة التعطيل التي شلّت المؤسسات العليا في الدولة بسبب تخلّيه شبه الكلّي عن مهامّه وآخرها رفض ختم قانون المحكمة الدستوريّة بعد التصويت عليه بالأغلبيّة المعزّزة من قبل البرلمان، فضلًا  عن تجاهله دعوات الحوار وفي مقدّمتها دعوة الاتحاد العام التونسي للشغل في مناسبتين.

استعمال اللهجة المحكيّة والدعوة إلى تكامل مؤسسات الدولة الأولى والاعتراف بوجود الرسالة ثلاث نقاط غطّت على كلمة رئيس الجمهوريّة والأخطر فيها وصرفت إليها أنظار وسائل الإعلام والرأي العام

أمّا جوهر الكلمة فتركّز على نفي رئيس الجمهوريّة أيّة علاقة له بالوثيقة، وأنّ تلقّيها لا يمكن أن يكون دليل إدانة. وأقام مرافعته على أسلوب حجاجي لنقض فكرة الانقلاب. فشدّد على أنّه إذا كان الانقلاب خروجًا عن الشرعيّة فإنّ الوضع الحالي خلاف ذلك، لأنّ البلاد في وضع استثنائي بموجب الفصل 80. وهو يريد بذلك أنّ ما يسمّيه خصومه انقلاباً يمثّل وضعاً استثنائياًّ بنصّ الدستور. فحالة الطوارئ المتجدّدة بموجب أمر 26 جانفي/يناير 78 المخالف لدستور 1959 قبل دستور 2014 صارت عند رئيس الجمهوريّة جزءَا من الفصل 80 من الدستور.  

الانقلاب على الدستور سابق على وثيقة "الانقلاب الدستوري"

معلوم أنّ الرئيس قيس سعيّد مدّد في قانون الطوارئ في أواخر ماي/آيار 2020 بستّة أشهر. واعتبَر يومها قرار تمديد حالة الطوارئ شبيهًا بالقبض على الجمر، مؤكدًا أنّ دوافع هذا القرار، الذي يواجه انتقادات حقوقية واسعة في تونس، أمنية بالأساس. فالأمر أوّل ما صدر في أحداث 26 جانفي/يناير 1978 المعروفة بالخميس الأسود. وكانت مواجهة مفتوحة بين النظام والاتحاد العام التونسي للشغل لجأ فيه نظام بورقيبة إلى هذا الأمر لإطلاق يد المؤسسة الأمنية. والمفارقة أنّ الأمر استعيد بعد الثورة في 2015 مع الرئيس الباجي قايد السبسي إثر العمليّة الإرهابيّة بشارع محمد الخامس التي استشهد فيها اثنا عشر من عناصر الأمن الرئاسي. وقد كان الأستاذ قيس سعيّد، قبل أن يصبح رئيسا، اعتبر هذا الأمر غير دستوري. ولكنّه اليوم يتعمّد خلطه بينه بالفصل 80 من الدستور.

 ولا يُعرف إن كانت "قراءته القانونية" هذه وليدة لحظة "قبضه على الجمر"بالإمضاء على تمديد قانون الطوارئ، فيكون كمن يُظهر ما لا يُضمر، أم أنّها وليدة التداعيات السياسة المتلاحقة منذ استقالة حكومة إلياس الفخفاخ ومنح الثقة لحكومة هشام المشيشي من قبل الأغلبية البرلمانية. وهي أغلبيّة انبثقت في سياق خلافات اللحظة الأخيرة بين الرئيس والمشيشي. وقد كان اختاره ليكون "وزيرًا أوّلًا" عنده على خلاف ما يقرّره صريح الدستور من صلاحيّات لرأسي المؤسسة التنفيذيّة في النظام السياسي شبه البرلماني.  

تكتسي كلمة رئيس الجمهوريّة خطورة حقيقيّة في علاقة بالدستور وأحكامه وبالأزمة السياسية المتواصلة، فتقديرُ الرئيس أنّنا في سياق وضع استثنائي على قاعدة الفصل 80 يعدّ انقلابًا فعليًّا على الدستور

تكتسي كلمة رئيس الجمهوريّة خطورة حقيقيّة في علاقة بالدستور وأحكامه وبالأزمة السياسية المتواصلة. فتقديرُ الرئيس أنّنا في سياق وضع استثنائي على قاعدة الفصل 80 يعدّ انقلابًا فعليًّا على الدستور. هو في نظر رئيس المحكمة الإداريّة السابق القاضي أحمد صواب انقلاب بالدستور. وشدّد في تعليقه على أنّ شروط تفعيل الفصل 80، وهي شروط استثنائية، غير متوفّرة في وضعنا الحالي رغم حدّة التجاذبات وسياسة رئيس الجمهوريّة في استدامة التعطيل السياسي.

اقرأ/ي أيضًا: نص الأزمة في تونس في سياق ما بعد الحداثة: جاك دريدا وجان ليوتار نموذجًا

وتتمثّل شروط استدعاء الفصل 80 في ثلاثة كما ضبطها الدستور في تهديد لكيان الدولة، وتعطّل السير العادي لدواليبها، ووجود محكمة دستوريّة. فيكون تفعيله في الوضع الحالي، من وجهة نظر القاضي أحمد صواب، انقلابًا من داخل الدستور. وعليه فإنّ الانقلاب الدستوري حاصلٌ منذ إمضاء الرئيس على تمديد حالة الطوارئ.  

ولا يخفى الفارق بين لأمر 26 جانفي/يناير 78 الذي ينظّم حالة الطوارئ بتدابير استثنائية دائمة، وبين الفصل 80 الذي يقوم على تدابير استثنائيّة محدودة في الزمان (30 يومًا). ويكون تنزيل الفصل، عندما تتوفّر شروطه، بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس البرلمان. ويتوجّه أثناءه رئيس الجمهوريّة بخطاب إلى الشعب يشرح فيه التدابير وأفقها لزمني. ويوحّد به المؤسسات والقوى السياسيّة لدرء الخطر الداهم.

الفرز جار على قاعدة الموقف من وثيقة "الانقلاب الدستوري". دون أن يدشّن هذا الفرز تحوّلًا جذريًا في المواقف وفي الصفوف المتقابلة في الأزمة السياسية المحتدمة. فالكتلة الديمقراطيّة مازالت تمثّل حزام الرئيس السياسي. ولهذا الحزام امتدادات في ثنايا السيستام ولوبياته تَظهر بعضُ نتوءاتها من حين لآخر. وهي أكثر وضوحًا في إعلام اللوبيات الموجّه. وقد تجنّد لاستيعاب "حدث الوثيقة" وتلطيف وقعه ومحاولة صرف الأنظار عنه بإبراز موضوع "رفع الحصانة" في مجلس النواب. فصار الخطأ أولى بالتناول الإعلامي من الخطيئة.

مع قيس سعيّد تكثّف الخطاب القانوني ليكون أداة التعطيل الأساسيّة والبلوكاج السياسي المهمّش للمؤسسة ودورها

وفي الجهة المقابلة يقف حزام الحكومة البرلماني بتناقضاته. وهو بقدر ما يمثّل العقبة الرئيسيّة أمام قيس سعيّد للمضيّ قدمًا في مشروعه الشكلاني في الانتظام والتمثيل السياسي، فإنّ هشاشة مكوّناته تجعل منه هدفًا سهلًا. وتقف بينهما حكومة المشيشي "حكومة الأكاديميّة" (نسبة إلى أكاديميّة حزب التجمع في النظام السابق) وهي إحدى تعبيرات السيستام  المُدَقْرطَة (نسبة إلى الديمقراطيّة).

فالسيستام على ضعفه وتوزّعه له تمثيليّتة في القوى الأساسيّة في المشهد السياسي (الشعبويّة، الفاشيّة، الديمقراطيّة) وله من المهارة والخبرة ما بهما يوزّع الأدوار بين مكوّناته في مواجهة شروط بناء الديمقراطيّة وتواصل مسارها ومن بينها حركة النهضة. وفي هذا السياق يستثمر خرّيجو أكاديميّة التجمّع من توترها مع الشعبويّة وصدامها مع الفاشيّة. فهي واقعة بين سعيّد الذي لم يكفّ عن التحرّش بالمؤسسة الأمنيّة والعسكريّة ومحاولة جرّها إلى مربّع التجاذب السياسي ورهانات السلطة في سياق معركة الصلاحيّات، وبين استهداف عبير بأجندتها الإماراتيّة للمؤسسة الأصليّة وسحب الثقة بالتعاون مع كتلة سعيّد البرلمانيّة من راشد الغنّوشي رئيس مجلس النواب احتجاجًا على أدائه.

اقرأ/ي أيضًا: عناصر الأزمة السياسيّة في تونس وسبل تجاوزها

بعد انتخابات 2019 وصعود قيس سعيّد إلى مؤسسة الرئاسة، صار ما كان يُحسب على قوى الجديد في خدمة السيستام سواء من مازال منها مشدودًا إلى مرجعيّة الديمقراطيّة واستكمال مسارها أو مَن انزاح إلى وظيفيّة همّشت دوره الذي من أجله نشأ ويبدو أنّها تدفع به نحو خسارة أخلاقيّة تعقبها نهاية غير مشرّفة. ومع سعيّد تكثّف الخطاب القانوني ليكون أداة التعطيل الأساسيّة والبلوكاج السياسي المهمّش للمؤسسة ودورها.

وللخطاب القانوني وشخصيّاته دور مركزي قديم في الحركة الوطنيّة وفي دولة الاستقلال وحضورٌ متجدّد في الحركة الحقوقيّة والديمقراطيّة، وفي مراحل حاسمة من الثورة، وفي عشريّتها المتقلّبة. ويمكن ملاحظة مفارقة تحكّمت بهذا الخطاب وممثّليه، فبقدر ما كانت النخبة الحقوقيّة فاعلة في مقارعة الاستعمار والاستبداد كانت القوّة المعطّلة في مرحلة بناء دولة الاستقلال وفي مرحلة تأسيس الحرية وبناء الديمقراطيّة.

التعطيل الذي تعرفه البلاد صورة من الانقلاب على الدستور غير المعلن، ولم تأت وثيقة الانقلاب الدستوري لتنشئه وإنّما لتنبئ عن وجوده

وتعود هذه المفارقة إلى علاقة الأخلاق بالقانون. فالثورة في جوهرها تخطٍّ للقانون المسطّر من قبل الدولة لمصالح طبقيّة وفئويّة وجهويّة وشخصيّة. ويشترك الاجتماع السياسي بمختلف أشكال انتظامه في الانبناء على معادلة بين الأخلاق والقانون. غير أنّ الدولة المستبدّة تعمد إلى تأميم الأخلاق تدريجيًّا بتحويلها إلى قوانين في خدمتها وخدمة قاعدتها الماديّة. وإنّما تقوم الثورة عندما تحوّل الدولة كلّ الأخلاق إلى قوانين.

وإذا كنّا عشنا هذا مع نظام بن علي فإنّ مقاربة الرئيس قيس سعيّد تسير في هذا الاتجاه. وانعكس هذا التوجّه على شروط استمرار الانتقال إلى الديمقراطيّة. وإنّ إطلالة بسيطة، من زاوية معادلة الأخلاق والقانون، تنبّه إلى ضمور الأخلاق لفائدة للقانون وصولًا إلى ما نحن فيه من سطوة شكلانيّة قانونيّة لا تتورّع عن خرق متواصل للنصّ المرجعي في سياق نظام لم يستكمل بناء مؤسساته وأهمّها المحكمة الدستوريّة. وهو ما يفسّر العجز عن بناء مشترك جامع. فالمشترك من طبيعة أخلاقيّة قبل أن يصرّف إلى قوانين جامعة.

التعطيل الذي تعرفه البلاد صورة من الانقلاب على الدستور غير المعلن. ولم تأت وثيقة الانقلاب الدستوري لتنشئه وإنّما لتنبئ عن وجوده.

وإذا ما تواصلت سياسة التعطيل ورفض رئيس الجمهوريّة الإيفاء بدوره وفق ما يضبطه الدستور فإنّه لن تكون هناك دعوة إلى انتخابات سواء سابقة لأوانها أو في موعدها. فرفض مبدأ الختم وتنصيب الذات مؤوّلًا وحيدًا للدستور سيوصل البلاد إلى مستوى من التعفين يأتي على الأصل ويفتح الباب على الأسوأ والأبشع.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

في تونس.. الحوار أو الصراع؟

الرئيس قيس سعيّد يقدّم "عرضًا دينيًا"