حوار| أخصائية نفسية:

حوار| أخصائية نفسية: "مدبرم".. أو حين يطبّع التونسي مع مرض الاكتئاب

هل ارتفعت حالات الاكتئاب فعلًا أم أن التعرّف عليه صار أكبر؟ (Getty)

 

تكاثرت الاضطرابات النفسية المتعلقة بالخوف والرهاب لدى عامة المواطنين ومنهم أطفال، وفي صفوف المتعافين من فيروس كورونا خاصة، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة الإقبال على العلاج النفسي بعيادات مستشفى الرازي والعيادات النفسية الخاصة في الأشهر الماضية. الأمر الذي أكده عضو اللجنة العلمية لمكافحة فيروس كورونا ورئيس قسم الطب النفسي بمستشفى الرازي بمنوبة وحيد المالكي.

عضو اللجنة العلمية لمكافحة فيروس كورونا: ارتفعت نسبة الإقبال على العلاج النفسي بعيادات مستشفى الرازي والعيادات النفسية الخاصة في الأشهر الماضية

وقد أشار المالكي في تصريحه لوكالة تونس إفريقيا للأنباء (الوكالة الرسمية) الأربعاء 9 جوان/ يونيو 2021 إلى أن مخلفات الكورونا النفسية لدى حالات الإصابة الخطرة، تتطلب متابعة نفسية وعلاجًا دوائيًا، اعتبارًا لتأثيراتها على صاحبها على عدّة أصعدة، من بينها: مستوى التركيز أو النمو والشهية والاضطراب في الذاكرة الذي قد يدوم طويلًا، والإحساس بالوهن والضعف، والعجز عن القيام بأي جهد، فضلًا عن حمل أفكار سوداوية وزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب.

وقد سعى "الترا تونس" في خضمّ تزايد حالات الاضطرابات النفسية بعد جائحة كورونا خاصة، إلى محاولة سبر أغوار أشهر هذه الاضطرابات وأخطرها ربما.. هذا المرض الملقّب بـ"مرض العصر"! هل من تعريف واضح له؟ من هو الشخص المصاب بالاكتئاب؟ كيف نتعامل معه؟ ما أهمية العلاج النفسي في تحسّن حالته؟ توجّهنا بهذه الأسئلة وأكثر إلى الأخصائية النفسية بمستشفى الرابطة والحاصلة على الدكتوراة في علم النفس المرضي والإكلينيكي ابتسام فنّيرة فكان لنا معها الحوار التالي:

  • الاكتئاب.. لماذا أطلقنا عليه هذه التسمية: "مرض العصر"؟ وما مدى صحتها، فهل عرف العالم هذا المرض متأخرًا؟

في الواقع، يمكن أن نجيب عن السؤال بسؤال، فهل ارتفعت حالات الاكتئاب فعلًا أم أن التعرّف عليه صار أكبر؟ هنا مربط الفرس، لأني غير مقتنعة بهذه التسمية من الأساس، وأعتقد أنّ هذا المرض كان موجودًا في السابق وإن لم يكن متعارفًا على تسميته بهذا الشكل. إنّه أقرب إلى "المرض الصامت"، فالناس لا تتفطّن إليه، وإن تفطّنت فهي قلّما تعترف به، ولا أظننا نملك إحصاءات بشأنه، وحتى الموجودة منها غير دقيقة نظرًا لاستبطاننا هذا المرض كأفراد.

اقرأ/ي أيضًا: التونسيون يعانون نفسيًا!؟

  • هل تقصدين أنّ الفرد منّا قد يكون مكتئبًا ثم يعتاد على كونه كذلك، خاصة مع  ما دخل في قاموسنا اليومي من عبارات مثل كلمة "مدبرم" التي تحيل إلى الكلمة الفرنسية "depression" وتعني الاكتئاب؟

بالضبط، فكأنه صار نوع من التطبيع مع الاكتئاب، وفي الإجابات عن الأسئلة الموجهة حول الشعور بالقلق مثلًا ومنذ أي تاريخ، يجيبني الكثير من المرضى: "أعاني من القلق منذ 20 سنة، وهذا عادي".. لكن للأسف هذه ليست "حالة عادية" بالمرّة، فالتونسي لا يتفطّن إلى الاكتئاب إلا في حالات متأخرة حين تبلغ الأعراض أقصاها مثل عدم القدرة على الخروج من المنزل أو العجز عن ممارسة الحياة الطبيعية.

الأخصائية النفسية ابتسام فنّيرة: يمكن أن يتطور الاكتئاب إلى أمراض عضوية كأمراض القلب والسكّري والسمنة وضغط الدم.. ولا يمكن للحالة المزاجية أن تكون خطًا مستقيمًا، بل هي تسير في خط متعرج

ولعله من الغريب أن نعرف أنه يأتينا من يشكو آلامًا في رأسه وظهره وعضلاته إلى غير ذلك، لكن التشخيص يكشف أنه عضويًا سليم، لنكتشف بعد ذلك أنها من تبعات الاكتئاب التي تظهر في الطباع والأمراض الجسدية.

اقرأ/ي أيضًا: ما حقيقة أزمة الأربعين؟

  • هل يذكر الشخص المكتئب متى بدأ يشعر بأعراض مرضه؟

هناك من يذكر متى بدأت معه الحالة تحديدًا.. فيقول مثلًا إنها بدأت منذ حادثة وفاة شخص مقرّب، أو منذ رسب في إحدى السنوات الدراسية.. وهناك من لا يتذكّر بتاتًا لأنه تعايش مع حالته الجديدة، وأغلب الحالات تعيش اكتئابًا غير معلن. إنّ الاضطرابات النفسية عمومًا قد تكون علامة صحية في أحداث معيّنة، مثل الشعور بالقلق بعد حياة روتينية أو فقدان الابن أو الأم.. فتتدرّج الحالة هنا من الحداد إلى الصدمة فالاكتئاب والقبول، وقد تصبح الحالة مرضية أصلًا إن لم يكتئب الشخص في حالات بعينها. ولهذا فالحالة المزاجية لا يمكن أن تكون خطًا مستقيمًا، بل متعرجًا، وجميعنا يشكو من حالات القلق اليومية، لكنّنا نشخّص الاكتئاب حين تكون الحالة دائمة وعامة.


الحاصلة على الدكتوراة في علم النفس المرضي والإكلينيكي ابتسام فنّيرة

  • كيف نتعامل مع الشخص المكتئب؟

أوّل ما يجب القيام به هو توعية المكتئب بأنه كذلك، لأننا في تونس نملك للأسف قدرة رهيبة على التعايش مع الاكتئاب. ويمكن أن يسبّب هذا العديد من المشاكل إن لم يقع التفطن إليه فانعكاسات هذا المرض تظهر على الحياة المهنية والأسرية وحتى الصحية، إذ تتطور إلى أمراض القلب والسكّري والسمنة وضغط الدم. إذن فالتعامل الأول هو التوعية والإقناع بالذهاب إلى مختصّين، وبعد عيادة الطبيب، وعلى ضوء التقييم يقع تحديد طبيعة العلاج النفسي، ويمكن أن نقدّم مضادات الاكتئاب.

  • يشكو البعض من غلاء أسعار هذه الجلسات العلاجية، وعلى سبيل الدعابة حين طرحتُ على أحد الأفراد ممّن كانت الأعراض بادية عليه، التوجّه إلى طبيب نفسيّ، أجابني بأنه لو امتلك مبلغ العلاج لما شعر أبدًا بالاكتئاب، فهل نجد العلاج النفسي منتشرًا بالمرفق العمومي؟ 

هناك توجه لإدخال طب النفس في المستشفيات العمومية، وما أعرفه أن هناك عيادات عمومية داخل الجمهورية نجدها في مستشفى المنجي سليم، وبن عروس، ومستشفى نابل، والكاف، ومستشفى الرازي طبعًا، فضلًا عن وحدات الطب المدرسي والجامعي التي تحتوي على أخصائيين نفسيين. وقبل 2010، حين بدأ الإدراك بأن المرض النفسي قد يصبح مشكلة صحة عمومية، حدث نوع من التوجّه إلى تكوين أطباء الصف الأول في المستوصفات كي تكون لهم القدرة على تشخيص هذه الأمراض وعلاجها، لكن لم أسمع بعدها عن تواصل هذا التوجّه أو توقّفه.

الأخصائية النفسية ابتسام فنّيرة: نجد أن الأطفال الذين ينشؤون مع أم مكتئبة أو أب مكتئب، يحدث لهم نوع من عملية التأثر، فتجعلهم البيئة التي تربوا فيها يكتسبون هذا المرض

  • هل يمكن أن يكون الاكتئاب وراثيًا؟

هناك نوع من الاكتئاب الذي يمكن أن يكون وراثيًا، ويحصل خاصة مع الاضطرابات ثنائية القطب، لكن بعيدًا عن العامل الوراثي، نجد أن الأطفال الذين ينشؤون مع أم مكتئبة أو أب مكتئب، يحدث لهم نوع من عملية التأثر، فتجعلهم البيئة التي تربوا فيها يكتسبون هذا المرض. ولعلّ من تمظهرات ذلك أن تكون الأم نائمة دائمًا أو مريضة أغلب الوقت ولا ترعاهم بالشكل الكافي، عدا مشاكل التواصل.. أو أن يكون الأب عصبيًا فيعمد إلى الضرب والصراخ لأنه مكتئب.

  • ما معنى قولك إن الأطفال يتأثرون بآبائهم وأمهاتهم المكتئبين؟ هل يعرفون الاكتئاب منذ ذاك الوقت؟ وهل هناك أساسًا عمر معيّن للاكتئاب؟

ليس الأطفال بمأمن من هذا المرض، بل إنه قد وقع رصده حتى لدى الرضّع، ودعني أوضّح أنه ليس اكتئابًا فقط، بل هو اكتئابات إن صح القول، وبلغات أخرى نقول إنها "أمراض الاكتئاب" في الجمع.. لأنها عديدة ومتنوعة، وتصوّر مغلوط وخاطئ أن نعتقد أن كل اكتئاب يؤدي إلى الانتحار، فهذا غير صحيح.

اقرأ/ي أيضًا: الانتحار.. غول أطفال تونس

  • كثيرًا ما يتبادر إلى الأذهان مصطلح "العلاج الذاتي" في هذه الحالات، فهل يمكن للشخص أن يعالج نفسه بنفسه من هذا المرض؟

أشدّد هنا على أنه من الخطأ أن نعتقد أن الشخص المكتئب يمكن أن يتجاوز اكتئابه بمفرده، والكلام الذي يقال للمكتئب من قبيل: "تحلَّ بالإرادة والعزيمة وو.. يُدخل المريض في دوامة الإحساس بالذنب، في الوقت الذي يكون المرض مفروضًا عليه، فلو كان قادرًا على تجاوزه بنفسه لفعل. لكن لا جهد لديه ليفعل. إننا نسمع عبارات مفادها: "دعك من الطبيب والدواء والعلاج، لماذا تتردّد على العيادات النفسية هل أنت مجنون؟" للأسف نسمع هذا الكلام في بيئتنا، ولا يجب أن نعتبر الاكتئاب نتيجة قلة جهد وعزيمة.

الأخصائية النفسية ابتسام فنّيرة: من الخطأ أن نعتقد أن الشخص المكتئب يمكن أن يتجاوز اكتئابه بمفرده، والكلام الذي يقال للمكتئب من قبيل: "تحلَّ بالإرادة والعزيمة وو.. يُدخل المريض في دوامة الإحساس بالذنب

  • نصل إذن إلى مرحلة العلاج، كيف يُعالج الاكتئاب؟

لا أؤمن بوجود وصفات.. هناك حالات قصوى يمكن أن يخضع فيها المريض للتقييم من قبل مختصين ثم يتقرر وقتها العلاج النفسي أو الدوائي، فالعلاج يكون حالة بحالة، كلّ حسب طبعه وبيئته، إذ لا نصائح عامة وقوالب جاهزة يمكن أن تطبق على الجميع. وما إن نلاحظ انفراجة لدى المريض، نوجهه ونتناقش معه بعدها فيما يمكن عمله.

الاكتئاب ليس عيبًا، وليس دليل ضعف أو تهاون أو دليل جنون، وعلاجه موجود، وآتى أكله، بمعنى أنه ليس مرضًا ميؤوسًا منه. هناك من يبدو له العلاج طويلًا، لكني أقول: سنة أو أكثر في العلاج لا تعدّ شيئًا فيما قد يترتّب عن عدم العلاج من نتائج وخيمة.