في مواجهة كورونا.. رسامون وتشكيليون تونسيون يدعمون المستشفيات ببيع أعمالهم

في مواجهة كورونا.. رسامون وتشكيليون تونسيون يدعمون المستشفيات ببيع أعمالهم

مزادات تشكيلية لمجابهة فيروس كورونا (صورة توضيحية/جيتي)

 

رغم الأضرار المادية والمعنوية التي تكبدتها أغلب القطاعات الثقافية في تونس جرّاء أزمة كورونا من تأجيل التظاهرات والأنشطة الثقافية والفنيّة إلى آجال غير معلومة ما تسبب في إرباك للحياة الثقافية برمّتها، وأيضًا إرباك الفاعلين الثقافيين والمتقاطعين معهم الذين يعود دخلهم الأساسي من النشاط الثقافي.

إلا أنّ قطاع الفنون التشكيلية تحرّك بثبات داخل هذه العاصفة المفاجئة وبأسلوب لافت، فكانت مواقف الرسّامين والفنانين التشكيليين مفعمة بالإنسانية. إذ عوض الاستكانة للتبعات القسرية للوباء، نجدهم ينبرون لمواجهته بشجاعة الفرسان بالفراشي والألوان والجمال في لحظة تحدّ ثمّنها كل من تابع مواقف الرسامين التونسيين وتصريحاتهم في الآونة الأخيرة لوسائل الاعلام وتدويناتهم على شبكات التواصل الاجتماعي التي تحيل على تشبثهم بفكرة فلسفية أساسية وهي الإيمان بقدرة الفنّ ودوره الهامّ في أعتى الأزمات فتكًا بالإنسان.

 قرر عشرات الفنّانين التشكيليين وبشكل طوعي عرض أعمالهم للبيع في المزادات المحلية والدولية وعلى صفحاتهم على فيسبوك من أجل دعم المجهود الوطني في مواجهة وباء كورونا

ففي وقت قياسي ومنذ الأيام الأولى للحجر الصحي الشامل، قرر عشرات الفنّانين التشكيليين وبشكل طوعي عرض أعمالهم للبيع في المزادات المحلية والدولية، وعلى صفحاتهم على فيسبوك ضمن تحركات ثقافية عفوية فردية وجماعية مفعمة بالنبل ومعاني التضامن الإنساني من أجل دعم المجهود الوطني في مواجهة وباء كورونا.

بل ثمة من هؤلاء الرّسامين من قدّم ثمن أعماله مباشرة لبعض المستشفيات التونسية بالجهات الداخلية التي تعاني نقصًا حادًا في التجهيزات والأدوات الصحية الضرورية لمجابهة الوباء القاتل.

اقرأ/ي أيضًا: حوارات | كيف يفهم كبار أساتذة الفلسفة في تونس أزمة كورونا؟

"ألترا تونس" سلّط الضوء على هذه المبادرات الفنية المتأصلة في البعد الإنساني وتحادث إلى المبادرين والرسامين:

مزاد علني افتراضي للرسام العمر كريّم لمواجهة كوفيد 19

عمر كريّم، أستاذ الفنون الجميلة بعدة مدارس منها أعرق مؤسسة تعليم عالي للفنون والرسم بتونس وهي مدرسة الفنون الجميلة هو رسام مرموق منذ سبعينيات القرن الماضي ومؤسس مدرسة الفنون والحرف بالقيروان. وهو أيضًا فنّان متعدّد يمارس النحت والنّسج والرّسم بأنواعه، وأحيانًا يزاوج بين التقنيات والفروع الفنية، أقام عشرات المعارض الفردية في تونس وخارجها.

عمر كريّم رسام وأستاذ الفنون الجميلة بمدارس تونسية

 

أطلق مؤخرًا مبادرة إنسانية تتمثل في إنجاز مزاد علني افتراضي تعود عائداته لفائدة الصندوق الوطني 1818 المخصص لدعم مجهودات الدولة في مواجهة كوفيد 19.

أكد الرسام والجامعي المقيم بمدينة القيروان، في بداية حديثه معنا، أنه بدأ، منذ بداية انتشار وباء كورونا بتونس، في مساعدة وطنه ومد يد المساعدة، فبرقت فكرة بعث مزاد علني فنّي افتراضي لدعم قطاع الصحة عبر الصندوق 1818.

وبيّن أنّه بادر عبر صفحته على فيسبوك بدعوة أصدقائه من الفنانين إلى دعم الفكرة ومن ثمة التبرّع والمساهمة في هذا المجهود الوطني، وقد لبى الدعوة الى حدّ الآن 101 فنان تشكيلي قاموا برصد لوحات فنية من رصيدهم تتراوح بين عمل وثلاثة أعمال.

المنسوجة الفنية التي تبرّع بها عمر كريّم لفائدة صندوق "1818"

 

واستحضر من الرسامين على سبيل الذكر كل من فاتن شوبة، وإيمان بن حسين، ومحمد العايب، ومحمد البعتي، ونجلاء مطاوع، مشفر بنور، ولمجد النوري، والمنصف بن جامع، ومبروكة شرقي برينصي، وعبد الوهاب الشارني وفاطمة الشماخ.

وأكّد محدثتنا أنه مع الضبط النهائي لقائمة الفنانين المتبرعين وسيرهم الذاتية وعدد الأعمال وعناوينها وبطاقاتها الفنية، سيُفتح المزاد العلني للعموم الافتراضيين بحضور رجال القانون والإعلام والفنانين وستقدم الهبة كاملة لصندوق 1818 ضمن إطار من الشفافية والوضوح.

وختم الرسام عمر كريم، حديثه معنا، بأن الفنّ في جوهره وكنهه ليس جمالًا فقط وإنما هو فناء خلفي للمعاني والقيم الإنسانية الكبرى موجهًا التحية إلى النبل المتأصل في الفنانين التشكيلين التونسيين وفق تعبيره.

الفنان التشكيلي حافظ مساهلي: كل أعمالي للبيع والإنسان أهم من الفنّان

حافظ مساهلي هو الآخر فنان تشكيلي تونسي يقيم بألمانيا منذ سنوات، ويمارس فنون النحت بتقنيات جديدة وسبق له أن أنجز معارض فنية فردية بتونس وألمانيا، وهو حاليًا في طور مرحلة شديدة الإثارة والفرادة وهي تحويل ملاعق الأكل إلى أعمال نحتية فنية.

حافظ مساهلي فنان تشكيلي تونسي يمارس فنون النحت

 

المساهلي أطلق منذ أيّام مبادرة فنيّة تضامنية أعلن عنها على صفحته على فيسبوك تتمثل في عرض جميع أعماله الفنية للبيع من أجل دعم بعض المستشفيات التونسية ومساعدتها بالمال على مواجهة وباء كورونا.

"ألترا تونس" تواصل معه ليؤكد، بداية، أن بيع جميع أعماله والتبرع بها لتونس لمعت في ذهنه كما تلمع فكرة بارقة في العمل الفني وذلك منذ بداية انتشار الفيروس في تونس، مشيرًا إلى أنه سعى بكل محبة لترجمتها في الواقع بإعلانه عن المبادرة عبر الأنترنت. وأضاف قائلًا إنه "نعطي بذلك تعريفًا آخر للفنّ لا يمكن أن تستوعبه التعريفات القديمة تمامًا كفكرة الله التي لا يمكن أن يستوعبها تعريف".

"دونكيشوت" من الأعمال التي تبرّع بها حافظ مساهلي

 

وأوضح أنه إلى حد الآن باع ثلاثة أعمال لتونسيين في ثلاثة عواصم وهي بروكسل وأبو ظبي ومدريد مضيفًا أنه حوّل مباشرة كلّ العائدات إلى صندوق 1818، وجزء آخر وجّهه إلى المستشفى الجهوي بالقصرين. كما أكّد، في ذات الخصوص، أن هناك وعود جديّة لااقتناء بعض الأعمال الأخرى وستذهب عائداتها بدورها إلى مستشفيات جهوية تونسية.

وعبّر النحات التونسي عن سعادته القصوى وهو يبذل جميع أعماله فنية باستثناء بعض الأعمال القليلة في سبيل عمل نبيل تجاه مواطنين تونسيين يتربص بهم الوباء قائلًا: "الأهم من الفنان هو الإنسان الذي يسكن داخل الفنان والذي ينهض في مثل هذه الحالات للقيام بما يجب القيام به".

مبادرة وفاء القابسي: رواق افتراضي لمجابهة كورونا

وفاء القابسي المختصة في علوم الثقافة وتاريخ الفن والأستاذة بمدرسة المهندسين المعماريين بسيدي بوسعيد وبمعاهد علوم التصميم بتونس، أطلقت، من جانبها، مبادرة خاصة لدعم مجهود الدولة في مواجهة وباء فيروس كورونا عبر منصة إلكترونية على شبكة الأنترنت بإطلاقها لرواق افتراضي.

اقرأ/ي أيضًا: الكاتب التونسي في زمن الكورونا.. غيمة الوباء قد تمطر أعمالًا أدبية

تبيّن القابسي، في حديثها مع "ألترا تونس" أن "أرشيف آر" هو اسم منصتها الخاصة على الأنترنت، مضيفة أنه مشروع حديث العهد يهتم بمختلف القطاعات الثقافية عرضًا وتسويقًا. وأضافت أنها ومن منطلق إنساني صرف وبعد الدعوة التي وجهتها الدولة لجميع التونسيين لدعمها في مواجهة وباء كورونا بعثت رواقًا افتراضيًا عبر المنصة المذكورة تعرض داخله الأعمال الفنية بأسلوب تقني حديث ووفيّ للحقيقة بما يمكن الزائر من الاطلاع الحسن على المعروضات.

وفّر المعرض الافتراضي مبلغ 14 ألف دينار لفائدة صندوق 1818 فيما سيُوجه الجزء الثاني من مداخيله إلى قسم الإنعاش بمستشفى ابن الجزار بالقيروان 

وأضافت محدّثتنا أنها وجهت الدعوة لعموم الرسامين التونسيين والفنانين التشكيليين وقد تجاوب مع فكرتها العشرات من مختلف الأجيال والأطياف الفنية. وأكدت أن المعرض الافتراضي نال الاعجاب والاستحسان وحقق إلى حد الآن هدفه الإنساني النبيل بتوفير مبلغ 14 ألف دينار تونسي لفائدة صندوق 1818.

فيما سيُوجه الجزء الثاني من مداخيل المعرض، والتي من المتوقع أن تكون مرتفعة، إلى قسم الإنعاش بمستشفى ابن الجزار بالقيروان مؤكدة أن المعرض سيسند لكل فنان شارك في هذه المبادرة شهادة متبرّع.

الرّسام محمد البعتي: في صميم دور النخبة المثقفة تجاه المجتمع

محمد البعتي، رسّام مرموق وأستاذ جامعي بمدارس التعليم العالي للفنون الجميلة، أرّقه وباء كورونا ونال من سكينة الفنان الذي يسكنه فحوله إلى ملهم ومحاور فني وفكري، فأنتج أعمالًا عدة في فترة الحجر الصحي، ودعا زملائه إلى عرض أعمالهم لكسر سطوة الإحساس بالعجز.

محمد البعتي رسّام وأستاذ جامعي بمدارس التعليم العالي للفنون الجميلة

 

كما شارك في عدة مبادرات إنسانية داعمة لمجهودات الشعب التونسي في مواجهة الفيروس. وبيّن، في حديثه معنا، أن انخراطه في هذه المبادرات هو من صميم دوره كجامعي وكرّسام له مشروع في العدم والوجود مضيفًا أن ذلك ينسحب على دور النخبة المثقفة تجاه المجتمع في مثل هكذا أزمات، وموضحًا أيضًا أن ذلك لطالما يشعره بالارتياح الشديد.

واعتبر الفنان التشكيلي أن مشاركته في المبادرة التي أطلقها الأستاذ الرسام القيرواني عمر كريّم من أهم المبادرات خاصة وقد التف حولها العديد من الرسامين المعروفين في الوسط الثقافي، وأيضًا لبعدها الإنساني والتضامني.

وأخبرنا أنه قدّم لوحة من أهم أعماله عنوانها "اصطياد ليلى" تبلغ قيمتها المادية 5 آلاف دينار، خاتمًا أن قطاع الفنّ التشكيلي في تونس كان دائما سباقًا في ذلك وهو لا يتوانى عن القيام بواجبه تجاه الوطن، حسب تعبيره.

عمل "اصطياد ليلى"

 

إن الهبّة التضامنية الإنسانية للفنانين التشكيليين التونسيين بتبرّعهم بأعمالهم الفنية وعرضها للبيع في الأروقة الافتراضية وفي المزادات العلنية من أجل مساعدة الشعب التونسي على تخطي أزمة وباء كورونا سيسجلّها التاريخ الثقافي التونسي بمداد من ذهب، لكنها أيضاً ستشرّع للأسئلة الحقيقية حول سوق الفن التشكيلي في تونس وملف الأروقة وتطوير منظومة التشريعات المتعلقة ببيع الاعمال الفنية التشكيلية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حينما يكون الكتاب ملاذًا زمن الكورونا..عن مبادرة لإيصال الكتب إلى بيتك!

تعافي الطبيعة في زمن الكورونا.. هل هو "عام السعد"؟