مسرحية ذاكرة.. مرارة الذكريات على عتبات النسيان

مسرحية ذاكرة.. مرارة الذكريات على عتبات النسيان

نحن نحيا بالذاكرة بحثًا عن النسيان لكن فكرة الوجود تأبى ذلك النسيان

 

(أن تتم دعوتك لما يسميه أهل المسرح "بالفيلاّج" فإن في الأمر شجاعة غريبة لا يقبل عليها إلا الفنان المغامر استيطيقيًا والذي يروم عيونًا تهدي العيوب وتشهد ميلاد العمل الفني، بل إن في الأمر الكثير من الرمزية  لأنّ  "الفيلاّج" هو لحظة مكاشفة للملامح الأولى للمسرحية بعد ضنى الكتابة والتفكير فوق الخشبة والتمارين والتدريبات القاسية والوقوف على هواجس الفريق وهو يرتب ما بذلته الروح من أجل المسرحية حتى تكون فكرة طارقة في ذهن المتلقى..)


لقد تمّت دعوة "ألترا تونس" مساء 24 سبتمبر/ أيلول 2020 ضمن نخبة مصغّرة من حملة أقلام النقد الثقافي والمتابعين الخلّص للحياة المسرحية في تونس لحضور "فيلاّج" مسرحية "ذاكرة"، التي كتبتها الممثلة المتمرسة صباح بوزويتة عن نص "العذراء والموت" لآربيل دورفمان وأخرجها سليم الصنهاجي وقام بالتمثيل إلى جانب صباح بوزويتة كل من علاء الدين أيوب ورضا بوقديدة.

و"الفيلاّج" احتضنه مسرح المبدعين الشبان بمدينة الثقافة بالعاصمة تونس ودام لأكثر من ساعة ونصف. وهي بادرة نادرة الحدوث في تونس إذ ليس من اليسير أن تجلس وسط الفريق الموسع للمسرحية وتسترق النظر لوجه المخرج لترى الدهشة  في عينيه في لحظة مشاركة الميلاد بعد المخاض. 

مسرحية "ذاكرة" تحوم حول سؤال مركزي وهو الذاكرة التي تعتبر المكون الوجداني الأساسي للإنسان 

مسرحية "ذاكرة" في هذه الانبلاجة الأولى أو هذا الاكتمال الأول تحوم حول سؤال مركزي وهو الذاكرة التي تعتبر المكون الوجداني الأساسي للإنسان فنحن نحيا بالذاكرة بحثًا عن النسيان لكن فكرة الوجود تأبى ذلك النسيان، فالذاكرة شقيقة الأكسيجين تستنشقها الروح لتتسلل إلى روابي العقل فيبيحها بيننا تذكرًا ونحن نركب عجلة الزمن نشدانًا للمستقبل.

في هذا العمل المسرحي، تتلبس الذكرى بالأبطال الثلاثة لتتمظهر كخيط راتق لكل شيء فوق الخشبة أو فيما يشبه الكشف الصوفي لبعض الأحداث التي عاشها الشخوص في مكان ما وزمن ما فتتحوّل عملية التذكر لدى "كنزة" إلى مطلق شمولي يلفها بالكامل فتحدد الذكريات شكل وجودها وانفعالاتها وطبيعة علاقاتها مع محيطها فتراها كالثور الهائج وهي تسرد حادثة اغتصاب تعرضت لها سابقًا في محاولة نفسية  للتخلص منها لكن النسيان يأبى ذلك، إنه عتوّ الماضي. 

تقول كنزة وهي شاخصة بعينين ثابتتين: "سامحت أما ما نسيتش.. سهيت أما ما نسيتش.. كل شيء مدفون لهنا.. ما نحبش ننسى وما يلزمنيش ننسى.. يلزمني اعتراف في حجم اللي عشتو.. ما عادش نسمح باش نتجوع أكثر..".

"ذاكرة" من إخراج سليم الصنهاجي

 

لكن وفي لحظة مباغتة دونما شعور بالتخلص يمكن أن يلمسه المتلقي، تنتقل المسرحية من ذاكرة الفرد المفرد وألمه الشخصي إلى ذاكرة المجموعة أو ذاكرة الشعب فيتحول الحوار بين الأبطال الثلاثة إلى حوار تذكريّ تمتزج فيه السياسة بالتاريخ فيشار بألم لأعطاب الوطن في العشرية التي تلت الثورة في تونس وخاصة منها الإرهاب والفساد بأنواعه والمحاسبة. 

تقول "كنزة" باسم الشعب: "في أرحام الشارع.. وما أدراك ما الشارع.. في صوت برشا أحرار معنقين الشمس.. القمرة، النجوم، الضوء.. نسهى ونفيق وإذا موش أنا.. إنت مازال عندي الوقت.. نتخمد، نتكمم، وفي منامي صوت مكتوم، هايج مايج يرحى.. يرحى ما يحب يرقد.. قوم.. قوم". 

وفي هذا الجزء الأساسي من المسرحية الذي لامس ذاكرة الشعب، فقد طغى الجاني المباشراتي رغم محاولة النص الذهاب إلى أرض الترميز والإشارة والايماءة. وقد تزداد المباشراتية وضوحًا في الحوار الذي جمع كنزة بزوجها وهما يسردان بالتمام والكمال فصول الدستور التونسي المتعلقة بضمان الحريات الفردية والعامة.        

ينبني هذا العمل على هشاشة ما يعيشها الفرد كما تعيشها المجموعة وقد حاولت الكتابة المسرحية تمثلها عبر شخوص مركبة ومعطوبة وأحداث منتقاة تستطيع الوصول الى المتلقى التونسي وغير التونسي لأن الإنسانية قد تشترك في الألم المغمّس في بحر الذكريات.

ينبني هذا العمل على هشاشة ما يعيشها الفرد كما تعيشها المجموعة وقد حاولت الكتابة المسرحية تمثلها عبر شخوص مركبة ومعطوبة وأحداث منتقاة

صباح بوزويتة.. ديمونة المسرح التونسي 

وقد أدت الممثلة صباح بوزويتة دورها باقتدار وبثبات المحارب الإسبارطي  لتبين مرة أخرى أنها فعلاً ديمونة المسرح التونسي، إذ تملك هذه السيدة سطوة على الخشبة فيما يشبه التوهج يندر ملامسته، إنها واحدة من أولئك الذين يتقمصون دورهم بثبات وجبروت الفنان وأنّات الشاعر المجيد.

بعد متابعتي لهذا الـ"الفيلاّج" بقي أن نشير أن الإنارة يطغى عليها الضوء الأبيض وهو ما لا يتلاءم مع الهشاشة النفسية للشخصيات ومع تعبيرات وجوههم خلال بعض الحوارات أو الانكسارات التي تطلبها الدور.. قد يشير الضوء الأبيض إلى الوضوح والبوح والتحرر والتخلص من الأعباء الرمزية لكنه يصبح عائقًا أمام التقاط الأسى من الوجوه التي يأتي من أجلها المتلقي لصالة العرض المسرحي.

"ذاكرة" لم يكن وليدًا مسرحيًا مشوهًا بل كان مكتملاً باستثناء بعض اللمسات التقنية والمتممات الركحية التي عبر المخرج سليم الصنهاجي عن وجودها ووعد بمراجعتها

كما يبقى اللباس وباقي المتممات الركحية بحاجة إلى مراجعة وجعلها ابنة زمنها بعيدًا عن الإجحاف في الالتصاق بالنص الأصلي. 

مسرحية "ذاكرة" لصباح بوزويتة وسليم الصنهاجي في نسختها الجنينية عمل مركب يراوح ويمازج بذكاء بين النظر إلى عمق الذات المسالمة والتي يمكن أن تتعرض للأذية والأسية ضمن مسارات الحياة المختلفة فيتحول كل ذلك إلى رصيد من ندوب ووشوم تحملها الذاكرة للأبد والواقعية بكامل فجاجتها.

"ذاكرة" تقتحم الغرف المظلمة وتمس أوجاعًا نريد نسيانها. "ذاكرة" لم يكن وليدًا مسرحيًا مشوهًا بل كان مكتملاً باستثناء بعض اللمسات التقنية والمتممات الركحية التي عبر المخرج سليم الصنهاجي عن وجودها ووعد بمراجعتها قبل العروض الأولى.    

 

   

صباح بوزويتة (ممثلة وكاتبة مسرحية الذاكرة)

اقرأ/ي أيضًا:

شريط "فتح الله تي في".. ملحمة جيل على صفيح الموسيقى والسياسة وأشياء أخرى

نسرين بن عربية: راقصة باليه خارج خشبات المسرح