تونس: مرجعيّة المقاومة والديمقراطية في مواقف الدولة والأحزاب من معركة القدس

تونس: مرجعيّة المقاومة والديمقراطية في مواقف الدولة والأحزاب من معركة القدس

لا يمكن لمن يدعو إلى شطب المسار الديمقراطي في تونس، على علاّته، أن يكون مساندًا أصيلًا للمقاومة في فلسطين (صورة من المسيرة الوطنية دعمًا للقضية/ ياسين القايدي/الأناضول)

 

نعني بمرجعيّة المقاومة موقفَ الدولة والأحزاب في تونس من حقّ الشعب الفلسطيني التاريخي على أرضه ومقدّساته ومشروعيّة مقاومته بكلّ الأساليب والوسائل المتاحة لاستعادته. ونعني بمرجعيّة الديمقراطيّة مسارَ الانتقال الديمقراطي الذي عرفته البلاد منذ 2011، ودرجة حضوره في الخطاب السياسي وفي مواقف الدولة من جهة ديبلوماسيّتها وسياستها الخارجية، وصداه في بيانات الأحزاب السياسية. فتجربة تأسيس الحريّة وقيمها السياسية والأخلاقيّة المؤسسة ثابتٌ تُقاس عليه المواقف والتقديرات والسياسات وكل ما تعلّق بالقضايا والاتفاقيات الإقليمية.

ما درجة حضور مرجعيّتي المقاومة والديمقراطية في الموقف التونسي من القضية الفلسطينية وتطوراتها الأخيرة؟

فما درجة حضور هذين المرجعيّتين في الموقف من القضية الفلسطينية وما عرفته مدينة القدس من اعتداءات واسعة على المصلّين في المسجد الأقصى وما يشنّ من عدوان همجي على غزة؟

  • الموقف الرسمي

قبل انتخابات 2019، ورغم ما شهدته السياسة من تقلّبات بعودة القديم مع انتخابات 2014 فإن الحديث عن موقف للدولة موحّد كان ممكنًا. حتّى أنّ الخلاف بين الجديد والقديم حول الملفّ السوري وتجميد العلاقات مع نظام بشار تواصل مع الرئيس الباجي، وقد كان وعد في حملته الانتخابية بإعادة العلاقات مع سورية.

بعد 2019، ضاعف التجاذب السياسي، في أعلى مؤسسات الدولة، من استحالة أن يكون لها موقف موحّد من المستجدّات الإقليميّة والدوليّة. ويشهد الملف الليبي بحقيقة هذا الفراغ الديبلوماسي الذي تفاقم مع الرئيس قيس سعيّد. وقد كان إصراره على إظهار الخلافات في أعلى مؤسسات الدولة إلى العلن سببًا كافيًا ليَيْأس نظراء تونس من الظفر بوجهة نظر تونسية يُعتدّ بها حول الملفات الكبرى في القضايا العربية الإقليمية والدولية.

ومع ذلك فإنّ ما عرفته مدينة القدس من اعتداءات همجيّة على المسجد الأقصى وعمليّات إجلاء قسري من شوارع القدس العريقة تطوّرت إلى انتفاض شعبي جماهيري مسنود بالمقاومة في كلّ فلسطين التاريخيّة دفع رئاسة الجمهورية ومجلس النواب ووزارة الخارجية إلى الإصداع بمواقف. وهي مواقف بدت متفاعلة مع تطوّر الأحداث في الأرض المحتلّة إلى مواجهة شاملة باستهداف مدينة غزّة المحاصرة بالطيران الحربي والمدفعيّة الثقيلة بشرًا وعمراناً.

يجمع بين مواقف مؤسسات الدولة التونسية حول التطورات الأخيرة في فلسطين استعادتُها في البداية صيغًا سائدة تتقاطع في تذكيرها بالمرجعية الأممية وقراراتها ولا تتجاوز دعوة مجلس الأمن إلى إدانة العدوان

ويجمع بين مواقف مؤسسات الدولة المشار إليها استعادتُها صيغًا سائدة في التعبير عن إسناد القضية الفلسطينية. صيغ تتقاطع في تذكيرها بالمرجعية الأممية وقراراتها. ولا تتجاوز دعوة مجلس الأمن إلى إدانة العدوان. وتتحدّث هذه المواقف عن معتَدٍ غير واضح الملامح بما فيه الكفاية في أقدم صراع وأعدل قضيّة. فتشير جميعها إلى "الاحتلال" وأحيانًا إلى "قوات الاحتلال" وأحيانًا أخرى إلى "شرطة الاحتلال". وكانت عبارات الرئيس قيس سعيّد أكثرها التباسًا رغم "فخامة" المترادفات والتعبير الفضفاض وشغف صاحبها بالمطلقات.

وفي مرحلة أولى من هذه المواقف لم نجد عبارة "الصهيوني" التي يسمّي بها العدوّ نفسه سوى في زاوية من حديث رئيس البرلمان. وأهميّة الإشارة إلى هويّة العدوّ يستدعيها سياق جرائم القتل وهدم البيوت على رؤوس أهل غزّة على مدار الساعة. وهي جرائم لا تسمح بأقلّ من وصف المجرم بما فيه. ولم تتوقّف تصريحات رموز الدولة، في بداية الأحداث، إلى ثلاثة مستويات هي الحدّ الأدنى في موقف سياسي يَعتبر أصحابُه القضيّةَ الفلسطينيّة قضيّتَهم المركزيّة، وتتمثّل في دعم المقاومة وحثّ سلطة أوسلو على إيقاف التنسيق الأمني، ودعوة المطبّعين العرب إلى الكفّ عن تطبيعهم. مع أهميّة دعوة المنظمات العربية والإسلاميّة والدوليّة إلى دعم الشعب الفلسطيني والمبادرة إلى خطوات توقف الاعتداء وتردع المعتدي.  

ومع اتساع دائرة الاعتداء وشراسته في اختيار الأهداف المدنيّة باعتبارها حاضنة مقاومة مقتدرة نجحت في إقامة توازن ردع حقيقي أربك العدوّ، بدأت مواقف الدولة في التخارج. وكان البرلمان الأبرز في التعبير عن الوجدان العام. وقد عقد جلسة حول دعم غزّة والقدس والوقوف الكامل إلى جانب الحق الفلسطيني. فحضر هذا الحق كاملاً في توجّه وبالخطاب الملائم مع دعوة ملحّة إلى تفعيل مشروع قانون تجريم التطبيع بالتصويت عليه. ولكنّ ربط المقاومة بالديمقراطيّة والاختيار الشعبي الحر، وهو ما يجب أن يميّز الموقف التونسي كان شبه غائب.

مع اتساع دائرة الاعتداء وشراسته، بدأت مواقف الدولة في التخارج وكان البرلمان الأبرز في التعبير عن الوجدان العام مع دعوة ملحّة إلى تفعيل مشروع قانون تجريم التطبيع بالتصويت عليه

عبّرت المؤسسة النيابيّة في كلمة رئيس مجلس النواب وكلمات الكتل عن موقف قويّ قريب من الوجدان الشعبي المنتصر للحق التاريخي والمقاومة. وكان بيان المجلس الذي شدّد على همجيّة "العدوان الغاشم للكيان الصهيوني المغتصب" وعلى "الطبيعة العنصريّة للكيان الصهيوني". وكان واضحًا في إدانة" الاعتداءات الإرهابيّة لجيش الاحتلال الصهيوني" ولم يتردّد في "الدعم الكامل للمقاومة الفلسطينيّة ولصمود كلّ الفصائل التي توحّدت حول خيار المقاومة والوحدة الوطنيّة" والدعوة إلى إحداث "لجنة القدس وفلسطين" لدعم النضال الفلسطيني ومقاومته بـ"جميع الوسائل المتاحة".

ويمثّل نزوع البرلمان إلى تأصيل موقفه في نصّ الدستور المنتصر لـ"حقّ الشعوب في تقرير مصيرها" خطوة غير كافية باتجاه مرجعية المقاومة والديمقراطية في مقاربة الحق الفلسطيني.   

  • الموقف الحزبي

يتميّز الموقف الحزبي عن موقف الدولة. هذا في مطلق التجارب بدرجة التحفّظ في موقف الدولة. وهو ما نلحظه في مواقف الأحزاب الرئيسيّة في تونس من خلال بياناتها المتواترة. ففي حين يدين حزب مشروع تونس في بيانه "الاعتداء الهمجي الذي تقوم به قوّات الاحتلال" ويعبّر عن "تضامنه المطلق مع الشعب الفلسطيني من أجل تحقيق مطالبه المشروعة" تتابع حركة الشعب في بيانها المعنون بانتفاضة القدس "ما يسجّله شعب الجبّارين من بطولات ضدّ آلة الجيش الصهيوني". وتدعو ما أسمته بالقوى الوطنيّة وكلّ أحرار العالم إلى "نصرة الشعب العربي الفلسطيني في القدس والضفّة وغزّة وكل فلسطين". وفي الاتجاه نفسه أدان حزب التيار الديمقراطي "جرائم الاحتلال الصهيوني" واستهداف مدينة القدس. وبدا موقف الحزب على قوّته أقرب إلى ما يسمّى بالشرعيّة الدوليّة بدعوته وزارة الخارجية إلى "التحرّك ومطالبة الهيئات الدوليّة بالضغط لإيقاف الجرائم الصهيونيّة وحماية حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة".

والملاحظ هو تطوّر موقف الأحزاب بتطوّر العدوان على غزة وتوسّع المواجهة بين جيش الاحتلال والمقاومة وبتفاعلات المشهد السياسي وجدله حول المسألة الفلسطينية. وهو جدل لا يمكن أن يكون بمعزل عن الرهانات المحليّة والأزمة السياسية التي تعرفها البلاد. فلئن كان هناك بعض الحذر عند جلّ الطيف السياسي في بناء الموقف ومنه مقترحات الأحزاب في إسناد الحق الفلسطيني وكفّ العدوان على المدنيين والعمران والمؤسسات فإنّ مستجدّات برزت في موضوع "تجريم التطبيع" باتّجاه حسم الموضوع وإنهاء المزايدات بشأنه. وبدا المتحمّسون لمشروع القانون القابع في أدراج مكتب المجلس أقلّ حماسًا، والمتحفّظون أقلّ تحفّظًا. ويتقاطع كلّ هذا مع الصراع السياسي في أعلى مؤسسات الدولة وامتداداته في صراع المحاور الإقليميّة والدوليّة.

مستجدّات برزت في موضوع "تجريم التطبيع" تونسيًا باتجاه حسم الموضوع وإنهاء المزايدات بشأنه وهو ما  انجر عنه أن بدا المتحمّسون لمشروع القانون أقل حماسًا والمتحفّظون أقل تحفّظًا

وفي هذا الصدد، يبرز موقف حركة النهضة المحسوبة سابقًا على الجهات المتحفّظة، كما يلحّ خصومها، تجاه قانون تجريم التطبيع. فبدت من الجهات المتحمّسة لتفعيل القانون. وقد ورد في بيان مجلس النواب الذي يرأسه زعيمها دعوة إلى "التسريع في عرض المبادرة التشريعيّة المتعلّقة بتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني على الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب في أقرب الآجال".

وتطوّر موقف حركة النهضة مثل غيرها من الأحزاب مع تطوّر العدوان على غزّة وانتفاضة الأقصى. فانعقد مكتبها التنفيذي في اجتماع طارئ حول "ما يرتكبه الكيان الصهيوني من جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة والقدس وأراضي 48" وانتهى البيان إلى إدانة "العدوان الصهيوني الغاشم" وحيّا "جهود الدولة التونسية والأحزاب والمنظّمات والمجتمع المدني في إدانة الجرائم الصهيونيّة والوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني". وأكّد التفاعل مع "كلّ مشاريع القوانين الرامية لنصرة الشعب الفلسطيني".

وأهمّ ما يمكن التوقّف عنده في مواقف الدولة والأحزاب في المشهد السياسي في تونس، من زاوية مرجعيّة المقاومة والديمقراطية، غيابُ بُعْدِ الديمقراطية وبناء المواطنة من المرجعيّة المذكورة عن هذه المواقف. وفي هذا عدول عن إضافة الثورة النوعيّة المتمثلة في تلازم المقاومة والمواطنة. وهذا التلازم أصيل في الثورة منذ انطلاقها. فليس من المصادفة العرضيّة أن تًجْمَعَ الجماهير في شارع الثورة يوم 14 جانفي/ يناير 2011 بين إسقاط النظام في شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، و"الشعب يريد تحرير فلسطين". وسارت الحشود بتلازم الشعارين في مصر وليبيا واليمن وسوريّة في 2011. واستعادته الموجة الثانية من الربيع في 2019 في الجزائر والسودان في مواجهة نظام الاستبداد، ثمّ في لبنان والعراق في مواجهة أنظمة الطائفيّة والفساد.

من أهم ما يمكن التوقّف عنده في مواقف الدولة والأحزاب في تونس غيابُ بُعْدِ الديمقراطية وفي هذا عدول عن إضافة الثورة النوعيّة المتمثلة في تلازم المقاومة والمواطنة

تلازم إسقاط النظام وتحرير فلسطين ووجهه الآخر تلازم المواطنة والمقاومة يشيران إلى خلاصتين جليلتين، قوام الخلاصة الأولى أنّ المجال العربي باعتباره وحدة لسانيّة وثقافيّة وسياسيّة لم ينجح في بناء كيانه السياسي مثلما كان عليه أمر مجالات جارة (إيران، تركيا)، لعاملين أساسيين: الاحتلال والاستبداد. وقوام الخلاصة الثانية أنّ تحرير الأوطان لا يكون إلاّ بالإنسان الحر والمواطن الكريم.

وهذا التلازم بين المقاومة والمواطنة هو الذي مكّن من التمييز بين المقاومة الوظيفيّة (حزب الله) التي تمكّنت من تحرير جنوب لبنان بالسلاح سنة 2000 وكسْر شوكة جيش العدوّ لأوّل مرّة في تاريخه في حرب تموّز 2006 ، غير أنّ ارتباطها الوظيفي (والعقدي المرجعي) المُعلن بالاستراتيجيّة الإيرانيّة في المنطقة هو الذي جعلها تدور مع مصالح هذه الاستراتيجية. فمن قاتل في مارون الراس وجبشيت وبنت جبيل في مقاومة العدوّ أدار بندقيّته باتجاه القصير ويبرود ثم حلب المحاصرة نصرةً لأبشع أنظمة الاستبداد العربي، تحت دعاوى الممانعة (وحماية المراقد) ودرء خطر الإرهاب المتوحش ونظام بشّار أحد أهمّ روافده. فكانت المحصّلة: قتل ما يقارب المليون سوري وتشريد عشرة ملايين، وسورية بلد مقسّم ومحتل من قبل ست قوى أقدمها النظام الأسدي والاحتلال الصهيوني.

لا يمكن لمن يدعو إلى شطب المسار الديمقراطي في تونس، على علاّته، أن يكون مساندًا أصيلًا للمقاومة في فلسطين وهذا هو الحوار الغائب في ظلّ موجة الانتصار لفلسطين وحقّ أهلها التاريخي

الموقف من الاحتلال الصهيوني لا يمكن أن ينفصل عن الموقف من الاستبداد. ومَنْ ناهض الثورة التي انحرفت إلى احتراب أهلي بتسليحها وتطييفها في ملابسات إقليميّة ومحليّة معلومة، لا يمكن أن يكون معها في تونس ومصر وليبيا وسائر بلدان الربيع، لأنها ثورة المجال العربي في مواجهة نظم الاستبداد والاحتلال.

تلازم المقاومة والمواطنة صار منوالاً تقارب به السياسة في مجالنا وفي مشهدنا السياسي في تونس. ومِنْ ذلك التلازم بين تجريم التطبيع وتجريم الاستبداد ومناهضة الديمقراطية. فلا يمكن لمن يدعو إلى شطب المسار الديمقراطي، على علاّته، أن يكون مساندًا أصيلًا للمقاومة في فلسطين. وهذا هو الحوار الغائب في ظلّ موجة الانتصار لفلسطين وحقّ أهلها التاريخي، وهو أمر محمود. وإنّ النجاح في تأسيس التلازم بين المقاومة والمواطنة وبين تجريم التطبيع وتجريم الاستبداد والدعوة إليه سينهي كلّ استثمار في الحق الفلسطيني من قبل بقايا أنظمة الاستبداد ولواحقها الوظيفيّة من أحزاب ونخب أكاديميّة ومنظّمات مجتمع مدني. هذا فرز يجب أن يبلغ مداه.    

 

اقرأ/ي أيضًا:

تجريم التطبيع.. مبادرات تشريعية متعددة والتفعيل غائب في تونس

شمس فلسطين الغائبة عن برامج التعليم في تونس..

ازدواجية مواقع التواصل.. عن فلسطين وسياسات الحجب