"تونس القيسية".. عود ملحمي لثورة تأبى الرحيل

عصف صعود قيس سعيّد بسرديات الأحزاب وتوقعات المنظومة السائدة (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

مقال رأي

 

لم تكن جولة الإعادة للرئاسية التونسية السابقة لأوانها لسنة 2019 بين أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد ورجل الأعمال نبيل القروي جولة عادية بين رجلين متنافسين اختارا المشاركة في سباق رئاسة البلد عبر الدروب الكلاسيكية المعتادة.

لقد غمرت تونس في الحيّز الانتخابي الأخير بفائض من الرمزية التاريخية طفت على سطح الحياة التونسية، وقد انتبه إليه عموم الناس منذ الإعلان عن نتائج الدور الأول، ويمكن تمييزها بتشكّل كتلتين شعبيتين، الأولى تمثل الحنين الأبديّ للحظات الذهبية لتاريخ 14 جانفي/ كانون الثاني 2011 واستعادة النفس الثوري الذي سلبته الأحزاب والوجوه القديمة والمرسكلة لمدة تسع سنوات. والثانية تمثل "السيستام " بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات سوسيولوجية وفلسفية وحضارية وسياسية. ومن ثمة عاد للفضاء العام ألقه وتبيّن نضجه بعد أن خفتت جذوته جرّاء التعثرات التي عرفها مسار الانتقال الديموقراطي طيلة السنوات الفارطة.

اقرأ/ي أيضًا: التونسيون.. من الصمت الرهابي إلى الصمت الانتخابي

عصف صعود سعيّد بسرديات الأحزاب وتوقعات المنظومة السائدة المسنودة داخليًا وخارجيًا بالمال والرجال والوعود وكان فوزًا اعتباريًا لروح الثورة التي دحرت غصبًا عنها وغيّبت أهدافها

أما ثمرة هذا الوعي الجديد الذي سرى لدى التونسيين بمختلف شرائحهم والمتّسم بالصلابة والقوة الشعبية، فكان صعود الأستاذ قيس سعيد رئيسًا للجمهورية من رحم الأحلام المؤجلة، أحلام الشباب والجهات المنسية والمهمشين والمثقفين المقصيين.

لقد عصف هذا الصعود بسرديات الأحزاب وتوقعات المنظومة السائدة المسنودة داخليًا وخارجيًا بالمال والرجال والوعود. وكان فوزًا اعتباريًا لروح الثورة التي دحرت غصبًا عنها وغيّبت أهدافها، وذلك بما يمثله "الرئيس سعيّد" من ثقل رمزي خاصة بعد الدعم التاريخي الذي تلقاه من غالبيّة الشعب والنخب التعليمية والطلاّبية وطيف من المجتمع المدني.

اقرأ/ي أيضًا: للثورة صناديق تحميها

وهنا لابدّ من الإقرار أنّ الممارسة السياسية في تونس بعد هذا الحدث المفصلي في مرحلة ما بعد 2011 قد عرفت بما لا يدع مجالًا للتشكيك نوعًا من النضج في أكثر من مستوى، لعل أهمه وأبرزه الوعي السياسي الذي تحلّى به الشعب التونسي وقدرته الفائقة على المعاقبة والمقاطعة وكنس الفاشلين والفاسدين والمنافقين السياسيين اللذين لطالما وعدوا ولم يوفوا، وأيضًا الثقة في النفس التي تحلّى بها الشباب الطالبي وتحلّت بها أيضًا نخب التعليم والتعليم العالي التي قادت باقتدار ألوية الحملة الانتخابية للرّئيس قيس سعيّد، والحد من زحف "الوعي المقروني" الذي أراد تأصيل نفسه في أرض راهنت منذ قرون على التعليم والتنوير والتعقيل دروبًا لا محيد عنها.     

 لقد بات الحديث واضحًا الآن عن "تونس القيسيّة" أو تونس ما بعد انتخابات 2019. فأيّ ملامح  لهذه المرحلة التاريخية؟

بقطع النظر عن الصعوبات المتلبّسة بهذه المرحلة التاريخية وخاصة عدم الاستقرار الاقتصادي، فإن المرحلة القيسيّة أبرقت مسبقًا برسالة أساسية "للخارج الديمقراطي" مفادها أن تونس لن تستحم في نفس النهر مرتين وهي لن تعود القهقرى وتتخلى عن ديمقراطيتها وأنّ "شعبها العظيم صوّت لنفسه في اللحظة الحاسمة"، وأنه اختار عدم التسامح مع من يمسّ من سيادته وكرامته وربما يبجل ذلك عن قوته اليومي عملًا بتلك المقولة الشهيرة " خبز وماء وبن علي لا".

برهن الشباب التونسي الذي لطالما وصف بالتراخي والخنوع والعزوف الانتخابي أنه لا يريد مشاركة الأحزاب زيفها وفشلها

يبدو أيضًا أن المرحلة الجديدة ستفسح المجال عاليًا للمجتمع المدني والشباب. فبعد الهزيمة النكراء التي منيت بها الأحزاب ذات الماكينات في المحطات الانتخابية الأخيرة يبدو أنه ثمة توجه جديد للتنظّم وهو الانخراط مليًّا في المجتمع المدني الذي كان وما يزال صمّام أمان المجتمع التونسي في رحلته الهشّة مع الديمقراطية، وذلك على غرار ما يحدث في الديمقراطيات العريقة التي وصلت فيها بعض أطياف المجتمع المدني إلى سدّة الحكم لتكسر بذلك هيمنة الأحزاب السائدة لقرون من الزمن.

كما برهن الشباب التونسي الذي لطالما وصف بالتراخي والخنوع والعزوف الانتخابي أنه لا يريد مشاركة الأحزاب زيفها وفشلها ولا يريد الاصطفاف وراء طموح شيوخ السياسة المؤبدين، بل سعى لمعاقبة أولئك عبر آليات الديمقراطية بأن أختار مرشحه من قلعة الجامعة التونسية وقام بمناقشة برنامجه الذي اتسم بالجدّة وأسنده افتراضيًا ومن ثمة أوصله إلى فصر الرئاسة بقرطاج. إنه درس سياسي مفاجئ للطبقة السياسية التونسية التي لا تريد لنفسها التغيير.         

ستكون مرحلة إرجاع تونس لحواضر هويّتها "تأصيلًا للكيان"، فالرئيس سعيّد يبدو أن شمسه لا تغيب عن مآذن القدس، وأن القضية الفلسطينية ستكون من أولوياته ولو رمزيًّا، وهو الذي يملك في جراب صلاحياته حقيبة الخارجية، وقد أوضح ذلك صراحة وعلانية طيلة حملته الانتخابية وازداد يقيننا ويقين العالم بذلك من خلال المناظرات التلفزية التي شارك فيها معلنًا ــ عندما سئل عن التطبيع ــ "أن الوضع الطبيعي هو أننا في حالة حرب مع الكيان الإسرائيلي".     

لقد اختار التونسيون رئيسهم قيس سعيّد لاستقلاليته ونظافة يده ولشعورهم أنه "ولد الشعب" فعلًا، وذلك بعد أن سئموا الفساد المستشري بأنواعه في البلد. فتونس القيسية يبدو أنها ستخوض حربًا لا هوادة فيها مع المفسدين وخاصة المهربين الذين عبثوا بالاقتصاد الوطني. وقد لمّح لذلك الرئيس سعيّد في حديثه عن تطبيق القانون وتعديل القوانين السارية التي تعالج مسائل الفساد.

" تونس القيسية" التي منحها إيانا التاريخ بإرادة الشّعب ستكون أرضًا للحلم وعروة وثقى بثورة 2011.  

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا يصوّت الشباب بكثافة لقيس سعيّد؟

الدولة في خطر.. خطاب الأزمة لدى نخب السيستام