للثورة صناديق تحميها

للثورة صناديق تحميها

التطلّعات الثوريّة بالنسبة إلى الكثيرين تبدو غير منسجمة مع السبل الانتخابيّة (نيكولا فوكي/Getty)

 

مقال رأي

 

إنّ مَثَل الصندوق الانتخابيّ كمثل الرحم، هذا تنسل منه الولدان ذكورًا وإناثًا، وذاك سلالته السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة، ومن أحكامه أن يكون عامًا مباشرًا سريًا شفّافًا، ولا يشترط في تونس وفي العديد من الدول غير بلوغ سنّ الثامنة عشر والتمتّع بالحقوق المدنيّة والسياسيّة.

يتطلّع المقبلون على مكاتب الاقتراع والمراقبون والمشرفون إلى أن يكون المولود الانتخابيّ شرعيًا لا يحتمل الطعن والتشكيك، غير أنّ الناخبين متباينون في لونه وسماته وخصاله ووظائفه، هذا يريده صالحًا مُصلحًا، وذاك يتمنّاه حكيمًا حسن التدبير، وهؤلاء يحلمون بأن يتّصف بالقوّة والعدل، غير أنّ فئة أخرى لم تكفّ عن التطلّع إلى مولود ثوريّ يتعهّد بكنس المنظومة القديمة، رهانه الالتزام بخطوات عدّت الخيار الأمثل لبلوغ الحقيقة وتحقيق الكرامة، منها تفعيل ما تمّ التعهّد به من مواصلة المكاشفة والمحاسبة، فحمّى الرغبة في "سقوط الهيكل القديم" لا يمكن أن تهدأ بالنسبة هؤلاء بمسكّنات التعويض والتوافقات المغشوشة القائمة على الإرغام والابتزاز والمصلحة الحزبيّة والحسابات الفرديّة الضيّقة.

 ألم يعترف راشد الغنّوشي زعيم النهضة أنّ التقارب بين النداء والإسلاميين كان مبنيًا على ضرب من "النفاق السياسيّ"، ألا يعدّ هذا الاعتراف قرينة أخلاقيّة تنفي الشرعيّة عن بعض القوانين التي خلّفها التوافق

 ألم يعترف راشد الغنّوشي زعيم النهضة أنّ التقارب بين النداء والإسلاميين كان مبنيًا على ضرب من "النفاق السياسيّ"، ألا يعدّ هذا الاعتراف قرينة أخلاقيّة تنفي المصداقيّة والنزاهة والشرعيّة عن بعض القوانين التي خلّفها ذاك التوافق، منها ما تعلّق بالمصالحة الاقتصاديّة، وهو ما عدّه شكري بن عيسى الناشط الحقوقيّ "سوقًا موازية للعدالة"؟ ألا يحقّ للبعض أن يتمسّك بشعار "مانيش مسامح" وقد تبيّن بشهادة أحد مهندسي المصالحة أن الشيخين قد قبلا هذا المشروع وذُؤابة سيف الفتنة والفوضى والاقتتال على رقبتيهما؟

اقرأ/ي أيضًا: عن القضايا المنسية في البرامج الانتخابية...

التطلّعات الثوريّة بالنسبة إلى الكثيرين تبدو غير منسجمة مع السبل الانتخابيّة، فالثوريّ هو المندفع إلى التغيير تغييرًا ينحو منحى جذريًا أسلحته الهمّة والشجاعة والقوّة والبأس والصبر والمقاومة والكرّ والفرّ والصّدام ومن أدواته الحناجر والسواعد.

في المقابل لا تتعدّى آمال الناخب عبر صناديق الاقتراع الرغبة في صعود سلطة قادرة على حماية المكتسبات وتحقيق بعض الإصلاحات، لكن هل يحدّ هذا المسار الديمقراطيّ من الطموحات الثوريّة، وهل يفسد التداول السلميّ للسطلة حلم هدم المنظومة القديمة المتواطئة مع الظلم والفساد والتبعيّة تلك التي حافظت إلى الآن على تماسكها ومصالحها وأخطر ما فيها؟ هل يتعارض غمس السبّابة في الحبر الانتخابيّ مع التوق إلى بناء منظومة جديدة قوامها العدل والاستقلاليّة والحوكمة الرشيدة؟

الناظر في صلة الثورة بالدولة والديمقراطيّة والمؤسّسات المدنيّة واجد تباينا يجعل الثائر التقليديّ أبعد ما يكون عن الالتزام بالمسارات السلميّة، فالثورة في بعض وجوهها تلغي الدولة وتعطّل بعض أسسها من أحكام وأنظمة وقوانين، يتّضح ذلك خاصّة عند مقاومة المستعمر أو التصدّي للسلطة الوطنيّة الغاشمة أو مواجهة الأنظمة العميلة.

حينما تنتصر الثورة وتحقّق أهدافها تهدأ وتخبو ويخفت صوتها، فتتناغم مع الدولة، ويتحوّل الخيال الثوريّ الممتزج بالعنف والاندفاع إلى "ترشيد عقليّ فيتحقّق المثال/ الحلم في الواقع" على حدّ تعبير حسن حنفيّ

حينما تنتصر الثورة وتحقّق أهدافها تهدأ وتخبو ويخفت صوتها، فتتناغم مع الدولة، ويتحوّل الخيال الثوريّ الممتزج بالعنف والاندفاع إلى "ترشيد عقليّ فيتحقّق المثال/ الحلم في الواقع" على حدّ تعبير حسن حنفي المفكّر المصريّ، لكنّ ذلك لن يحدّ من الصراع، إذ يمكن أن يقع الثّوار أنفسهم في خلاف وشقاق بين " ممثّلي الواقعيّة السياسيّة " والمتمسّكين بـ" النقاء الثوريّ".

المشهد التونسيّ يبدو أشدّ تعقيدًا ممّا أبانه حسن حنفي في مقال عنوانه "الثورة والدولة"، فقد عرض تصنيفا تحدّث فيه عن دولة بلا ثورة (تكثر فيها التنازلات رغبة في ضمان الاستقرار) وثورة بلا دولة، ودولة وثورة متوازيتان (يد تبني ويد تحمل السلاح). وواصل الكاتب التفريعات والتصنيفات عارضًا أمثلة عديدة منها نمط تنتفي فيه الدولة والثورة معا، فتحلّ الفوضى.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا التلاعب بواسطة استطلاعات الرأي؟

الشأن التونسيّ مختلف، فريد ومتميّز عن هذه الأنماط كلّها، فهو في حاجة إلى مزيد "التشريح"، ذلك أنّ جلّ محاولات التصنيف وفق قوالب جاهزة تنتهي إلى التعسّف والتهافت والسطحيّة حسبُنا دليلًا على ذلك في هذا الحيّز الضيّق أنّ أشدّ الناس حرصًا على بعض مكسبات الثورة هم أشّدهم تمسّكًا بالنهج السلمي الديمقراطيّ وأكثر الموالين إلى المنظومة القديمة تراهم أميل إلى منطق التصفية والاستئصال والاحتجاج والمطلبيّة والسخط والدعوات المتكرّرة إلى الانتفاضة، حتّى ظهر لون ثوريّ لا نظير لها يمكن نعته بالصمود ضد محفّزات ثوريّة تبدو موضوعيّة، غير أنها في الحقيقة قائمة على الافتعال والإيهام والمغالطة، لا تتطلّع إلى تغيير الواقع، إنّما تبحث عن مسوّغات فوضويّة لإعادة السلطة الاستبداديّة وتبرير العمليّات الانقلابيّة.

هذه الأطروحة تحتاج إلى مقام علميّ واسع معمّق لتفسيرها وتعليلها، غير أنّ المتابع لبعض وجوه الشأن السياسيّ والأمنيّ والنقابيّ والإعلاميّ في تونس يستطيع بيسر التأكّد من وجهاتها، وبناء على ذلك يصحّ القول إنّ المسار السلميّ الانتخابيّ الديمقراطيّ يبدو أوثق صلة بالثورة من خيار المقاطعة أو التحريض على العنف، فلا حاجة إلى رابطات حماية الثورة بقدر حاجاتنا إلى رابطات حماية المسار الديمقراطيّ، ولا سبيل إلى ذلك إلّا بجملة من الاختيارات السلوكيّة المدنيّة التي يمكن التذكير بها رغم طابعها البديهيّ، منها:

أوّلا: التمسّك بالنزعة العقليّة والفكر النقديّ حرصًا على كشف المغالطات وفضح الفاسدين وزبانيتهم  من الساسة والمفكّرين والإعلاميين.

ثانيا: الترشّح للمراكز القياديّة عبر العمل الحزبيّ والنقابيّ لقطع الطريق عن الوصوليين والمتطرّفين والمتاجرين بأصوات الناخبين والباحثين عن الحصانة ومن العدالة هاربين.

 جلّ محاولات التصنيف وفق قوالب جاهزة تنتهي إلى التعسّف والسطحيّة حسبُنا دليلًا على ذلك في هذا الحيّز الضيّق أنّ أشدّ الناس حرصًا على بعض مكتسبات الثورة هم أشّدهم تمسّكًا بالنهج السلمي الديمقراطيّ

ثالثا: الإقبال على التصويت، فهذه العمليّة على بساطتها فيها نصرة لدم الشهداء، بل هي السبيل الأمثل لحماية الثورة، فللثورة أجساد وسواعد وحناجز تُنشئها وصناديق وأصوات انتخابيّة تحميها، ولنا في الانتخابات البريطانيّة سنة 1945 آية، لقد صعد الاشتراكيّون صعودًا مفاجئًا، فعدّ الأمريكيّون ذلك بمثابة الثورة أو ما يمكن تسميته "الثورة عبر الصناديق"، إذ فاز حزب العمّال آنذاك على تشرشل المنتشي بالفوز في الحرب العالميّة الثانية، وقد ساهمت في ذاك التغيير السلمي الجذريّ في نظام الحكم جملة من العوامل الاجتماعيّة والثقافيّة بدت خفيّة على رئيس وزراء المملكة المتحدة (1940-1945).

لا يمكن أن نستسيغ هذا التوجّه نحو الدعوة إلى" ثورة انتخابيّة " مدنيّة إلّا إذا اتّفقنا على أنّ مفهوم الثورة قابل للمراجعة والتعديل شأنه شأن العديد من المفاهيم، يقول كرين برينتون المؤرّخ والأكاديمي الأمريكيّ في مقدّمة كتابة "تشريح الثورة": "كادت كلمة الثورة من فرط عدولها عن الصرامة الاصطلاحيّة أن تتحوّل إلى مرادف لكلمة "تغيير" مع الإيحاء بأنّ التغيير مفاجئ أو لافت للنظر"، تبعًا لذلك جاز وصل كلمة ثورة بنعوت تبدو غريبة عنها من قبيل هادئة وناعمة وديمقراطيّة وزاهدة، ألم يوصف قيس سعيّد بالمتصوّف الثائر حينما فاز  في الدور الأوّل من الانتخابات الرئاسيّة السابقة لأوانها في 15 سبتمبر/ أيلول 2019؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

الدولة في خطر.. خطاب الأزمة لدى نخب السيستام

لماذا يصوّت الشباب بكثافة لقيس سعيّد؟