النفايات الإيطالية في تونس.. كل الطرق تؤدّي إلى روما

النفايات الإيطالية في تونس.. كل الطرق تؤدّي إلى روما

ملف النفايات الإيطالية الموردة طغى فيها البعد القضائي والإداري على البعد البيئي الذي هو جوهرها ونقطة قوتها (ماهر جعيدان / الترا تونس)

 

دعا نواب الاتحاد الأوروبي إلى تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في النفايات الإيطالية صلب الاتحاد الأوروبي، آخر تطورات ملف النفايات الإيطالية في تونس بحسب ما نقل النائب في البرلمان عن دائرة إيطاليا مجدي الكرباعي الجمعة 29 جانفي/يناير 2021.

وأعلن النواب إدانة منطقة كامبانيا لخرقها الواضح لمبادئ اتفاقية "بال" حول تصدير النفايات المجمعة وتحميلها المسؤولية الكاملة ودعوتها إلى تحمل مسؤولياتها في إعادة النفايات.

 هذه القضية طغى فيها البعد القضائي والإداري على البعد البيئي الذي هو جوهرها ونقطة قوتها، وعلى الآثار السلبية لتواجد حوالي 120 ألف طن من النفايات المجمّعة الإيطالية المحظورة التي ما تزال عالقة منذ حوالي 7 أشهر في الأراضي التونسية، رغم الدعوات المتكررة من منظمات المجتمع المدني المحذّر من الخطر البيئي.

وزارة الشؤون المحلية خرجت عن صمتها فيما يتعلق بملف النفايات الإيطالية، وأكّدت تمسّكها بحقوق الدولة والدفع نحو إعادة تصدير كل النفايات التي تم توريدها

الدولة التونسية ممثلة في وزارة الشؤون المحلية خرجت عن صمتها في هذا الصدد، وأكّدت تمسّكها بحقوق الدولة والدفع نحو إعادة تصدير كل النفايات التي تم توريدها دون اتباع القنوات القانونية والرسمية في أقرب الآجال بالتنسيق مع المكلف العام بنزاعات الدولة.

 وقالت في بيان لها  يوم 27 جانفي/ كانون الثاني 2021 إنه يتم التواصل الدوري مع السلط الإيطالية المختصة لتبادل المعطيات والوثائق اللازمة. بالإضافة إلى التنسيق مع أمانة اتفاقية بال وأمانة اتفاقية باماكو المتعلقتين بعمليات توريد النفايات.


بيان وزارة البيئة حول التواصل الدوري مع السلط الإيطالية المختصة

مراوغة وتنصّل من المسؤولية

أول تعليق إيطالي على القضية قبل أيام بحسب ما نقل الكرباعي هو الدعوة إلى تكوين لجنة مختصة من الخبراء التونسيين والإيطاليين خاصة بعد تمسّك الشركة الإيطالية بأنها نفايات بلاستيكية وليست منزلية، وذلك من خلال فتح قنوات ديبلوماسية للتعاون بين البلدين والتحدث عن إمكانية تمديد آجال النهائية لإعادة النفايات إلى حين صدور الاختبارات النهائية لنوعية النفايات.

الرواية الإيطالية التي تتحد مع رواية الشركة التونسية المتورطة في القضية على لسان محاميها بأن النفايات المزودة هي نفايات بلاستيكية استوردت بغاية رسكلتها وإعادة تصديرها هي مجرد مراوغة أشبه برقصة الديك المذبوح،  وليست إلا مناورة من الدولة الإيطالية، خاصة وأن كل المؤشرات والتقارير الرقابية تقرّ بأنها نفايات منزلية مجمّعة.

اقرأ/ي أيضًا:  أطنان من النفايات الخطرة في مياه تونس.. ما قبل الكارثة!

النفايات المرسلة إلى تونس هي من فئة النفايات التي تتطلب مراعاة خاصة تندرج ضمن المرفق 2 لاتفاقية بال هي نفايات منزلية مجمعة y46.

فالعقد الموقع يوم 30 سبتمبر/ أيلول 2019 بين الشركة التونسية سوريبلا وشركة سفلوبو ريزورسي امبيانتالي المساهمة الإيطالية، والذي تحصل "ألترا تونس" على نسخة منه، ينصّ على ان المواد موضوع العقد هي نفايات مجمعة مصنفة حسب اتفاقية بال Y46. حوالي 120 ألف طن من النفايات المجمعة مقابل 48 أورو للطن الواحد حسب ما جاء في الفصل الثالث والرابع من العقد.

مجدي الكرباعي (نائب عن دائرة إيطاليا) لـ"الترا تونس": يجب خلق قنوات ديبلوماسية لا تكتفي بالمتابعة لكن تكون أكثر يقظة بالنظر إلى خطورة المسألة وتبعاتها البيئية والصحية التي تتطلّب تدخلًا عاجلًا

كما أن تقرير بحث التفقدية العامة في وزارة الشؤون المحلية والبيئة بخصوص القضية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 انتهت إلى أن النفايات الموردة هي فضلات منزلية مجمّعة وقرّرت إحالة الملف على أنظار القضاء.

وقبل ذلك، انتهت جلسة مشتركة يوم 8 جويلية/ تموز 2020 بين ممثلي الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات والإدارة العامة للتجارة الخارجية والإدارة العامة للصناعات المعملية ووكالة

ووكالة النهوض الصناعية بالصّناعة والتجديد في غياب ممثلين عن الإدارة العامة للبيئة وجودة الحياة، تقرّر على ضوئه عدم قبول توريد حاويات النفايات الجديدة وعددها 73 حاوية وإعادة تصديرها إلى الخارج ودعوة وكيل الشركة المستوردة لتصدير الكمية التي تم تسريحها لكن ذلك لم يتم.

وفي 8 سبتمبر/ أيلول 2020، وافقت الإدارة العامة للديوانة على تأجيل إعادة تصدير النفايات المجمعة بمدة 30 يومًا على أن تستظهر الشركة بوثيقة رسمية صادرة عن وزارة البيئة تحدد رمز النفايات، وإمكانية السماح بدخولها من عدمه.

وبحسب المراسلة التي جاءت ردًّا على "طلب مراجعة قرار إعادة التصدير والترخيص في رفع بضاعة (نفايات)، فإنه يسمح للشركة برفع الـ232 حاوية الموجودة بالميناء بشروط منها توفر مكان يستوعب العدد الجملي للحاويات البالغ 302 حاوية.


الشروط التي قدمتها الإدارة العامة للديوانة لإعادة تصدير النفايات

قبل أن ينتهي اجتماع آخر بمقر الإدارة العامة للديوانة بحضور محامي الشركة، بـ"تعهّد لجنة التعريفة بالإدارة العامة تحديد التصنيف الديواني للنفايات المورّدة. بالإضافة إلى "تقديم الشركة طلبًا جديدًا بخصوص الحاويات الموجودة في الميناء وإمكانية الإعفاء المستوجب أو التخفيض فيه".

لكن مدير عام البيئة وجودة الحياة في وزارة البيئة نفى في مراسلة وجّهها إلى المدير العام للديوانة بتاريخ 11 سبتمبر/أيلول 2020 تلقّي أي إشعار من الجانب الإيطالي بخصوص تصدير النفايات المحظورة وهو ما يعتبر مخالفًا لمقتضيات اتفاقية بال.


مراسلة المدير العام للبيئة إلى المدير العام للديوانة


مراسلة المدير العام للبيئة إلى المدير العام للديوانة

يشار في هذا الخصوص إلى أن العقد الموقع بين الشركة الإيطالية والتونسية يلزم في النقطة الثابقة من الفصل الثاني الطرفين بأن تكون كل الأنشطة موضوع العقد طبقًا للتشريعات الجاري بها العمل فيما يتعلق بضوابط اتفاقية بال.

ويقضي في النقطة الرابعة منه بأن يتحمل الطرف الإيطالي نفقات وإجراءات إعادة النفايات أو التصرف فيها في حال ثبوت مخالفة للقانون في عملية إرسال النفايات وفق ما تحدده الاتفاقية المذكورة.

السلطات الإيطالية على هذا المعنى مخالفة لأحكام هذه الاتفاقية التي تنص في المادة 4 منها: "تحظر الأطراف تصدير النفايات الخطرة أو النفايات الأخرى أو لا تسمح بتصديرها إذا لم توافق دولة الاستيراد كتابة على عملية الاستيراد"، وبأن تمنع عملية النقل إلى دولة المورد غبر أراضيها.

عادل الهنتاتي (خبير في البيئة) لـ"الترا تونس": الطرف التونسي غير جاد في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وبذل الجهود الدبلوماسية في هذا الملف الشائك والذي لم يسبق أن تمت فيه إعادة النفايات

 كما تحدد المادة 9 الاتجار غير المشروع وهو ما تنطبق عليه الحالة موضوع الجدل لأن العملية حصلت دون إخطار جميع الدول المعنية عملًا بأحكام الاتفاقية، أو دون الحصول على موافقة الدولة التونسية وبالحصول على الموافقة عن طريق التزوير أو الادعاء الكاذب أو الغش من جانب المصدّر أو المستورد حسب الحالة، أو لا يتفق من الناحية المادية مع الوثائق، ينتج عنه تخلّص متعمّد مثل الإلقاء من نفايات خطرة أو نفايات أخرى وهو ما يتعارض مع مبادئ الاتفاقية.

في هذه الحالة، تضمن دولة التصدير أن النفايات "تتم إعادتها من جانب المصدر أو المصدّر أو هي ذاتها عند اللزوم أو التخلص منها عند اللزوم في غضون يوم من وقت إبلاغ دولة التصدير بالاتجار غير المشروع أو خلال مدة زمنية أخرى تتفق عليها الدول المعنية".

اقرأ/ي أيضًا: المنطقة الرطبة بطينة.. بشاعة الصناعة وإجرام اللامسؤولية

تقرير، عرض خلال  برنامج "telematin" على القناة الثانية الفرنسية، كشف تورّط المافيا بإدارة نفايات المستشفيات في جنوب البلاد وشحنها إلى تونس في عدد من الحاويات. 

ولهذه المعطيات في حال ثبوتها أن تغيّر وجهة التفاوض من نفايات محظورة Y46  إلى نفايات خطرة Y1 : النفايات الطبية والاستشفائية،  في وضع وبائي خرج عن السيطرة في إيطاليا تزامنًا مع وصول أولى الشحنات الى تونس.

التصرف في النفايات الإيطالية وسؤال الجدية

قال عادل الهنتاتي الخبير في البيئة والتنمية المستدامة لـ"الترا تونس" إن الطرف التونسي غير جاد في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وبذل الجهود الدبلوماسية في هذا الملف الشائك والذي لم يسبق أن تمت فيه إعادة النفايات إلى بلد المصدر.

كما تحدّث الهنتاتي عن شبهات تتعلق بهذه النفايات وأسباب إرسالها إلى تونس من إيطاليا التي تتصرف في ملايين الأطنان كل شهر. وأضاف أنه في حالة تعذّر إعادة النفايات بسبب هروب صاحب الشركة المستوردة فإنه يمكن التنسيق بين الجيش التونسي ونظيره الإيطالي لإعادتها عبر بواخر حربية.

وأضاف أنه يمكن التوجه لخيار حرق النفايات في مصانع الإسمنت بشرط القيام بعمليات الفرد وتزويد الأفران بتجهيزات تحدّ من انبعاث الدخان والمواد العالقة. وهو أمر متطلّب، حسب قوله.

مجدي الكرباعي لـ"الترا تونس": نقص الثقافة البيئية في تونس أَضعفت بُعد قضية النفايات الإيطالية، ولولا التراخي واللامبالاة كانت القضية تأخذ بعدًا أكبر

في المقابل، قال عضو مجلس النواب مجدي الكرباعي في تصريح لـ"الترا تونس" إنه لا بد من خلق قنوات ديبلوماسية لا تكتفي بالمتابعة لكن تكون أكثر يقظة بالنظر إلى خطورة المسألة وتبعاتها البيئية والصحية التي تتطلّب تدخلًا عاجلًا.

وأضاف عضو مجلس النواب أن تشكيل لجنة تحقيق مشتركة، رغم أنه سيطيل آجال إعادة النفايات، إلا أنه في صالح تونس إذا ما ثبت وجود نفايات طبية في هذه النفايات المجمعة وهو ما من شأنه أن يغيّر معيار التفاوض.

وأشار إلى أن نقص الثقافة البيئية في تونس أَضعفت بُعد قضية النفايات الإيطالية، مؤكّدًا أنه "لولا التراخي واللامبالاة كانت القضية تأخذ بعدًا أكبر"، وفق تقديره.

وعن التفاعل الرسمي التونسي من أجل إعادة النفايات إلى إيطاليا، قال محدّثنا إنه رغم التأخير في التفاعل ورغم غياب توقيع مسؤول في وزارة الشؤون المحلية والبيئة في بيانها بخصوص موضوع النفايات الإيطالية، فإن ذلك لا ينفي قراءة حسن نية الجانب التونسي في إعادة النفايات.

وأكد الكرباعي في هذا السياق، أهمية الضغط على الجانب الإيطالي الذي يبدي إلى حد الآن تفاعلًا إيجابيًا لكنه لن يكون أكثر حرصًا من تونس صاحبة القضية، على حد قوله.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فضيحة النفايات بميناء سوسة التجاري: تونس من "مطمور روما" إلى "مزبلة إيطاليا"

فضيحة النفايات الإيطالية في تونس.. وزراء ومسؤولون وراء القضبان