القضية الفلسطينية والأحزاب التونسية.. من المساندة إلى المزايدة

القضية الفلسطينية والأحزاب التونسية.. من المساندة إلى المزايدة

تعمل قوى سياسية في تونس على الاحتكار النضالي والعاطفي للقضية الفلسطينية (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

 

تسكن القضيّة الفلسطينيّة في وجدان التونسيين منذ سنين وعقود، وقد تشكّل هذا الشغف فعلًا وفكرًا وخطابًا، إذ جادت السواعد التونسيّة بفدائيين ومقاتلين التحقوا بالجبهات منذ النصف الأوّل من القرن العشرين، منهم ميلود بن ناجح نومة وعبد القادر المولدي الجندوبي وعمران كيلاني المقدمي وخالد بن صالح الجلاصي ومقداد الخليفي وغيرهم.

ظّلت فلسطين العنوان الأبرز في محاور مواد التاريخ والحضارة والأدب والمطالعة، فساهم ذلك في ترسيخ جملة من الثوابت في أذهان التونسيين

وقد جرت تلك العمليّات البطوليّة بأساليب متنوّعة منظمة وعفويّة وجماعيّة وفرديّة ومتواترة ومتقطّعة ومعلنة وسريّة، وتواصل النضال بمناهج وخطط أعمق وأدقّ وأخطر، فتوّجها محمّد الزواري من خلال مساهمته العلميّة في تطوير أسلحة المقاومة، فنال الشهادة في سبيل واحدة من أشرف القضايا الإنسانيّة، وذلك في الخامس عشر ديسمبر/ كانون الأوّل سنة 2016.

حفلت المدوّنة التونسيّة بالأعمال التحليليّة والأدبيّة والفنيّة الداعمة للقضيّة الفلسطينيّة، كما تناغمت غائيّات النظام التربويّ والبرامج التعليميّة مع هذا المنحى التضامني، فقد ظّلت فلسطين العنوان الأبرز في محاور مواد التاريخ والحضارة والأدب والمطالعة، فساهم ذلك في ترسيخ جملة من الثوابت في أذهان التونسيين، منها شرعيّة المقاومة السلميّة والمسلّحة في سبيل تحرير الأرض وعودة المهجّرين عن وطنهم.

اقرأ/ي أيضًا: قراءة في كتاب "تطوّر الخطاب السياسي في تونس تجاه القضية الفلسطينية"

قيس سعيّد وبداية التحرّر من "الواقعيّة السياسيّة"

تدعّم هذا الحسّ التضامنيّ والإنسانيّ والوحدويّ بعد ثورة 2011، فقد تحرّر التونسيون من قبضة العقلانيّة المجفّفة لمنابع الشعور، وأعرضوا عن التفكير الديبلوماسيّ المفرط في الحذر والاعتدال، فتصاعدت شعارات داعمة للقضيّة الفلسطينيّة تتناغم من مبادئ الحريّة والكرامة التي شكّلت المحفّز الأساسيّ لانتفاضة الشارع التونسي ضدّ الاستبداد والفساد.

ولئن ارتبط الخلاف بين حماس وفتح وبقيّة الفصائل حول سبل مواجهة العدوّ و شروط التصدّي للعدوان الصهيونيّ، فإنّ التباين بين الأحزاب التونسيّة قد نحا منحى أخطر وأكثر تعقيدًا وتوظيفًا

بلغ الاهتمام بالقضيّة الفلسطينيّة ذروته خلال الانتخابات الرئاسيّة 2019، فقد ساهم موقف قيس سعيّد من مسألة التطبيع في إعلاء منزلته بين المترشّحين، ولم يستعمل أستاذ القانون الدستوريّ تلك المراهم اللغويّة والمغالطات الساكنة بين فروج التنسيبات والاستدركات، إذ كان خطابه صارمًا لا يحتمل تعدّد القراءات والتأويلات، "التونسيّون في حالة حرب مع كيان غاصب ومحتلّ.. وتونس لن تستقبل في ترابها أفرادًا يحملون جواز سفر إسرائيليّ"، ولئن بدا هذا التوجّه موضوع إجماع لدى جلّ التونسيين فقد تنكّر له الكثير من المتمسّكين بالواقعيّة السياسيّة.

معالم القضيّة الفلسطينيّة واستحقاقاتها واضحة في بعدها الوطنيّ والعربيّ والإنسانيّ والحقوقيّ بيد أنّ مساليعك الدفاع عنها تحوّل في تونس إلى موضوع تشكيك وتنابز وادّعاء، ولئن ارتبط الخلاف بين حماس وفتح وبقيّة الفصائل حول سبل مواجهة العدوّ و شروط التصدّي للعدوان الصهيونيّ، فإنّ التباين بين الأحزاب والشخصيّات والمنظمات التونسيّة قد نحا منحى أخطر وأكثر تعقيدًا وتوظيفًا وأدعى إلى القلق والدهشة.

لست وحدك حبيبها

لا نتحدّث هاهنا عن التباين بين المتمسّكين بالحقّ الفلسطيني والمنكرين له، فالمسافة مكشوفة مفضوحة لا تحتاج إلى الإيضاح والتّمييز، ولسنا معنيين بالمختلفين حول أولويات المواطن  التونسيّ أهي المشاغل الداخليّة أم هموم الأمّة ومحنها. فقد حظيت هذه المسائل بما تستحقّ من نظر ومراجعة وتحقيق، إنّما قصدنا في هذا المقام أثر القضيّة الفلسطينيّة في العلاقة بين الأحزاب والمنظمات التونسيّة، كيف تحوّلت أمّ القضايا العربيّة والإسلاميّة من بوصلةِ توحيدٍ حول الدعم والمساندة إلى مصدر تخوين واتّهام ومزايدة، وكيف أصبحت فلسطين عند هؤلاء وأولئك موضوع احتكار عاطفيّ ونضاليّ، فكلٌّ يدّعي ملكيّة الحّل الأنجع لتحريرها والسبيل الأمثل لدعمها والشعارات الأشدّ تأثيرًا لنشرها وإكسابها بعدا وطنيًا أو أمميًا أو إنسانيًا.

لا نبالغ إن قلنا إنّ أكثر الأطراف ميلًا إلى تبنّي هذا "الاحتكار العاطفيّ النضالي" في صلة بالقضيّة الفلسطينيّة هي المنظمات والأحزاب والشخصيات التي تصدر عن خلفيّة قوميّة

في المقابل، تتسرّب أصوات أخرى خافتة تنطق في حياء "لستم وحدكم أحبّتها.. لست وحدك حبيبها.. كلّ يحبّها على هواه". ولا نبالغ إن قلنا إنّ أكثر الأطراف ميلًا إلى تبنّي هذا "الاحتكار العاطفيّ النضالي" في صلة بالقضيّة الفلسطينيّ هي المنظمات والأحزاب والشخصيات التي تصدر عن خلفيّة قوميّة، ولا شكّ أنّ لهذه الجهات مبرّرات تاريخيّة وفكريّة وثقافيّة تبيح لها أن تتصدّر الخطاب النضالي حول تحرير فلسطين، لكن هل يحق لهذا الطرف السياسيّ أن ينكر فضل روافد إيديولوجيّة ودينيّة أخرى في دعم القضيّة؟

"الشعب يريد".. يدًا تبني ويدًا ترفع السلاح

"الشعب يريد تحرير فلسطين" شعار يتغنّى به غالبيّة التونسيين، وبصرف عن اختلاف الدوافع والمرجعيّات فإنّ هذه الرغبة مازالت تحافظ على حرارتها في الفكر والوجدان، هذا تحرّكه النزعة القوميّة وذاك تحثّه التصوّرات الدينيّة والآخر يستند إلى رؤية حقوقيّة وإنسانيّة.

مساندة الشعب الفلسطيني لم تكن موضوع مفاخرة أو مزايدة، فاختلاف الأساليب لا يعبّر عن درجة الوفاء بقدر ما ينسجم مع التباين في الأفكار والكفاءات والمهارات، فهذا بماله وذاك بساعده وتلك بدعائها وأولئك بأفكارهم وهؤلاء بسياساتهم ومناوراتهم.

لم يكن العارفون بالشأن الفلسطيني يميّزون في الصدق والوفاء للقضيّة بين أحمد ياسين في خطّه العسكريّ وياسر عرفات في نهجه الدبلوماسيّ

اقرأ/ي أيضًا: المؤشر العربي: 93 % من التونسيين ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني

لم يكن العارفون بدقائق الشأن الفلسطيني يميّزون في الصدق والوفاء للقضيّة بين الشيخ أحمد ياسين في خطّه العسكريّ وياسر عرفات في نهجه الدبلوماسيّ، وحدهم المتهافتون والمتسرّعون يتجرؤون على اتّهام الأوّل بالتهوّر والتشدّد والإرهاب ويرمون الثاني بالضعف والهوان والعمالة، إنّ ما كان يجري آنذاك أشبه بالمعادلة التي أثمرتها عبقريّة المقاومة الجزائريّة ضدّ المستعمر الفرنسي في طورها الأخير، وقد لخّصتها عبارةٌ جرت مجرى الأمثال "يد تبني ويد تحمل السلاح"، فهنا عقول وألسنة تفاوض وتحاور و تُقارب، وهناك سواعد وأسلحة تقاوم وتقاتل وتحارب.

التطلّع إلى تحرير فلسطين كان و ما يزال جامعًا موحّدًا لكلّ الشرفاء بصرف النظر عن ألوانهم ووسائلهم وانتماءاتهم المذهبيّة، لذلك ظلّ قسم هامّ من الشارع العربيّ والتونسيّ يهتف خاصّة في العشريّة الأخيرة للقرن العشرين وبداية هذا القرن لأطراف متباينة فكرًا ومنهجًا. لا فرق عند عامّة الشعوب بين فتح وحماس والجهاد الإسلاميّ والجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطيّة، لا فرق عندهم بين هذه الفصائل وحزب الله الشيعيّ، لا شأن للمواطن بهذه التفاصيل، وحدها النخبة السياسيّة ميّالة إلى اتّباع الثنايا الشيطانيّة.

التفاصيل الشيطانيّة

بُعيد كلّ عدوان إسرائيلي على الشعب الفلسطينيّ خاصّة في غزّة تصدر الأحزاب والمنظمات التونسيّة بيانات تنديد تحفل بعبارات السخط ضّد الهمجيّة الصهيونيّة، وهو حدّ أدنى تشترك فيه جلّ هذه الأطراف، لكن في إطار توسيع دائرة المسؤوليّة يطال الاتهام الأنظمة العربيّة الميّالة إلى التطبيع والمطبوعة على الخيانة، وهو موقف سليم تؤكّده سلسلة التنازلات الرسميّة التي أفضت إلى مساهمة بعض الأقطار في التحضير لـ"صفقة القرن" التي من شأنها أن تنسف كلّ اللاءات العربيّة.

في ثنايا هذه البيانات، تطلّ علينا مواقف احترفت المزايدة، فهي غير معنيّة بخدمة القضيّة الفلسطينيّة بقدر ما تبدو ميّالة إلى إحراج الخصم السياسيّ لمقاصد انتخابيّة. ولعلّ النهضة تعدّ الأكثر عرضة إلى التشكيك في نصرتها للقضيّة الفلسطينيّة، هذا التشكيك يستند إلى حجّتين، الأولى تشريعيّة ومفادها أنّ الحركة قد ساهمت في تعطيل مناقشة مشروع تجريم التطبيع مع الكيان الصهيونيّ، وقد قدّم علي العريض القيادي في الحركة تعليلات لبست لبوسًا موضوعيًا منها أنّ الفلسطينيين لم يطلبوا من أيّ دولة تجريم التطبيع وأنّ هذه الخطوة تعدّ مغامرة لأنّها تجعل تونس متفرّدة بين الدول العربيّة، أمّا الحجّة الثانية المعتمدة في إدانة النهضة، فهي تاريخيّة إيديولوجيّة، ذلك أنّ صلة الرحم التكوينيّة والفكريّة والتنظيميّة بين النهضة والإخوان المسلمين تدفع خصومها إلى تخوينها متعللين بالواجهة التي فتحها إخوان مصر ضدّ جمال عبد الناصر فعطّلوا قصدًا حسب أطروحتهم طاقاته في مواجهة العدو الإسرائيليّ.

لعلّ النهضة تعدّ الأكثر عرضة إلى التشكيك في نصرتها للقضيّة الفلسطينيّة

يتّخذ هذا التشكيك طابعًا لا يخلو من تناقض، إذ توصف حركة النهضة بقربها من حماس التي تتحمّل الوزر الأكبر في مواجهة إسرائيل وتنعت في نفس الوقت بالعمالة والخيانة والتطبيع، بل إنّ المتمعّن خاصّة في البيانات الصادرة عن الأحزاب والمنظمات ذات المرجعيّة القوميّة واجد إشارات تندرج ضمن خانة التشكيك في إخلاص النهضويين للقضيّة الفلسطينيّة، يتأكّد ذلك من خلال السجل الاصطلاحي المعتمد، ففيه مدح للقوى التحرّريّة والتقدميّة وذمّ للأطراف الرجعيّة والظلاميّة، وهي عبارات تفهم في الغالب في سياق الموازنة بين طرف قوميّ شديد التمسّك بالمقاومة وطرف إسلاميّ ميّال إلى المهادنة ومستعدّ لبيع القضيّة.

النهضة الذي جرّبت مسؤوليّة الحكم بعد الثورة بدت أبعد ما تكون عن المزايدة في ما يتّصل بالمسألة الفلسطينيّة ولعلّ أوضح مثال على ذلك بعض علامات التحوّل بين المؤتمرين التاسع والعاشر. ففي المؤتمر الأوّل عام 2012، تصدّر خالد مشعل المنصّة الرئيسيّة تأكيدًا على منزلة القضيّة، وفي المؤتمر الثاني عام 2016 تمّ التغافل عن هذا الركن في خطابات القياديين، ولم يكن لفلسطين حضور إلّا في مقام الإشارة إلى القضايا الإنسانيّة عامّة، غير أنّ جمهور الحركة مازال يرفع شعارًا حول تحرير القدس لم تفقد "حماستها الجهاديّة".

 وقد تدعّم هذا الصوت الجماهيري بقوّة جديدة في البرلمان هو صوت "ائتلاف الكرامة"، الذي يبدو متماهيًا مع النهضة على مستوى المرجعيّة مختلفُا عنها في نفسه الثوريّ وجرأته على الانتصار للقضايا التي يراها عادلة، وهي جرأة قد تخضع إلى التعديل عند المشاركة في الحكم، فالمزايدة مقامها في الغالب خارج أسوار السلطة وبعيدًا عن المسؤوليّة.

لكن في المقابل، يمكن القول إن ائتلاف الكرامة قد سعى إلى تحرير شعارات نصرة القضيّة الفلسطينيّة من "الاحتكار القوميّ" فظهر نوّاب هذا الوافد السياسيّ الجديد في البرلمان بأزياء ورموز وشعارات كشفت عن حماس فائق واندفاع بلغ ذروته، فلم يسلم قادة هذا التيّار من الاتهام بالمزايدة بعد أن كانوا قد رموا بها مدّعي القوميّة أو "القومجيين" على حدّ تعبير بعضهم.

المسؤوليّة والاطلاع على الخفايا العميقة غالبًا ما تدفع الخطاب نحو الجدّية و الاعتدال، هذا ما يجعل دور المجتمع المدنيّ أساسيًا في إيقاظ السلطة السياسيّة وإحراجها لكن في غير مزايدة أو مغالطة وتخوين

قيس سعيّد رئيس الجمهوريّة الذي عدّ التطبيع جريمة كبرى لم يسلم هو نفسه من طعون المزايدين، فقد اتّهمه البعض بغياب الانسجام بين شجاعة الخطاب الانتخابيّ واعتدال البيان المندّد بالاعتداءات الإسرائيلية التي طالت غزّة منذ 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، فخلّفت عشرات الشهداء والجرحى من بينهم بهاء أبو العطاء أحد قادة سرايا القدس. وقد اتّخذت المزايدة في هذا المقام  لونًا تهكّميًا من خلال دعوة رئيس الجمهوريّة إلى تحريك "الجيوش الجرارة" لتحرير فلسطين.

من خلال هذا العرض يمكن الاهتداء إلى استنتاجين هامّين، أوّلهما يتمثّل في المسافة بين الدعم الجماهيري والمساندة الحزبيّة للقضيّة الفلسطينيّة، إذ تمرّ بين هذه الجحافل الشعبيّة فتجد تلقائيّة وعفويّة وصدقًا، وتمضي إلى تلك المكاتب والصالونات والمنابر النخبويّة فتصدمك نعرات التوظيف والإقصاء والتلبيس، الاستنتاج الثاني متّصل بالتحوّلات التي تفرضها المقامات الرسميّة والمراكز السياديّة، فالمسؤوليّة والاطلاع على الخفايا العميقة غالبًا ما تدفع الخطاب نحو الجدّية و الاعتدال، هذا ما يجعل دور المجتمع المدنيّ أساسيًا في إيقاظ السلطة السياسيّة وإحراجها، لكن في غير مزايدة أو مغالطة وتخوين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تونس.. جدل تجريم التطبيع يتجدد

في لزوم تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني