المناظرات الرئاسيّة.. عن الأفكار والبرامج في السباق التونسي

المناظرات الرئاسيّة.. عن الأفكار والبرامج في السباق التونسي

مثّلت المناظرات، بالإضافة إلى طابعها المهرجانيّ، منبرًا للأفكار والبرامج (ياسين القايدي/ الأناضول)

تعيش تونس هذه الأيّام علِى حمّى النقاشات حول الرئاسيّة وبرامج المُرشّحين، وتابع التونسيّون بشغف كبير مناظرات جمعت المتنافسين في سباق الرئاسيّة ونظّمتها التلفزة الوطنيّة التونسيّة على امتداد ثلاثة أيّام. ورغم المؤاخذات العديدة على شكل المناظرات التي بدت باهتة وأقرب ما تكون للأسئلة الشفاهيّة، إلاّ أنّ زخمها كان مضمونًا تونسيًّا وعربيًّا، وهي بالإضافة إلى طابعها المهرجانيّ فقد مثّلت منبرًا للأفكار والبرامج، الغثّ منها والسّمين.

لكن هل ثمّة أصلًا معنى للبرامج والأفكار في السّباق الرئاسيّ التّونسيّ؟

في النقاش البرامجيّ الرئاسيّ التونسيّ تكمن في الحضور القويّ للرئيس المشرّع ذلك أنّ عددًا مهمًّا من المترشّحين يقيمون بناءهم الرئاسيّ على صلاحيّة المبادرة التشريعيّة للرئيس

اقرأ/ي أيضًا: من أبطالها الرياحي والشاهد ومورو والزبيدي.. حمّى الأكاذيب والتكذيبات

وخلافًا للمُعتاد في طرح مثل هذه الأسئلة، فإنّ الأمر لا يقتصر على هيمنة الصّورة والمنافسة التواصليّة والإعلاميّة على الحملة الانتخابيّة وضمور المضامين وطرحها، إذ يبدو أنّ كلّ ذلك من المعلوم من الديمقراطيّة بالضّرورة في العالم بأسره. كما أنّ هذا السّؤال لا يتعلّق بالسّائد تونسيًّا من جدل حول الصّلاحيّات الدستوريّة للرئيس ومحدوديّتها.

يتعلّق السّؤال بإمكانيّات الفعل السياسيّ من موقع الرئاسة أو الحكومة أو غيرهما: ما هي البرامج التي يمكن فعلًا تنفيذها عبر آليّات الدّولة والمؤسّسات في الاقتصاد والمجتمع، هل ثمّة هامش لفعل شيء اللهمّ أن يكون ذلك من قبيل الوعود الزّائفة أو الوهم؟ وإذا افترضنا أنّه ثمّة هامش للفعل السياسيّ فهل تنطوي الأفكار المطروحة في المناظرات والمهرجان الانتخابيّ الرئاسيّ على مقاربات ذات مغزى؟

الملاحظة الأولى في النقاش البرامجيّ الرئاسيّ التونسيّ تكمن في الحضور القويّ للرئيس المشرّع، ذلك أنّ عددًا مهمًّا من المترشّحين يقيمون بناءهم الرئاسيّ على صلاحيّة المبادرة التشريعيّة للرئيس، فتتلخّص برامجهم في مجموعة نقاط تتعلّق بمبادرات تشريعيّة والحال أنّ الكتل البرلمانيّة والحكومة لها أيضًا تلك الصلاحيّة وليس ثمّة من ميزة إضافيّة لمبادرة تشريعيّة رئاسيّة باستثناء ما يعتبره البعض الجانب الاعتباريّ و"الوجاهة".

وحتّى هذه الميزة يمكن التشكيك فيها أو تنسيبها على الأقلّ: ألم يفارق الرئيس السبسي الحياة قبل أن يصل مشروع قانون الميراث المثير للجدل برّ النقاش البرلمانيّ؟ وإذا ما رمنا الغوص فيما هو أعمق، فإنّ المبادرة التشريعيّة لأيّ جهة تنفيذيّة ناهيك عن تدعيمها بآليّات السلطة التنفيذيّة تنطوي على إخلال معروف بالفصل بين السلطات. ولئن كانت هذه الصلاحيّة مُتداولة في العرف الديمقراطيّ، وهو عرف غير مقدّس وقابل للنقد، فإنّ بناء برنامج سياسيّ رئاسيّ على أساس المبادرة التشريعيّة أمر لا يستقيم.

لم يتطرّق أيّ من المترشّحين – فيما يعلمه كاتب هذا المقال – إلى المغزى من الرقمنة

وإذا كانت صلاحيّة المبادرة التشريعيّة جسرًا يعبره المرشّحون للتطرّق إلى كلّ المواضيع وطرح رؤاهم في المجتمع والاقتصاد والثقافة والتربية، فإنّ الرؤية أيًّا تكن تبقى موضوع بحث شاقّ في متاهة النقاشات الرئاسيّة التونسيّة. إذ يجد التونسيّون أنفسهم إزاء أفكار عامّة مُشوّشة قد تجيب على سؤال ماذا دون أسئلة كيف؟ متى ؟...

ولتبيان ذلك سنتعرّض إلى بعض الأفكار الشّائعة لدى جلّ المرشّحين، فعلى سبيل المثال نجد إجماعًا على الرقمنة والانتقال إلى الثورة الرقميّة ولكن ما من مُرشّح قدّم رقمًا تقريبيًّا لكلفة الرقمنة؟ وكم ستكون الخسائر في الوظائف العموميّة على المدى المنظور بعد خمس أو عشر سنوات؟ وأيّة خطّة لتوفير موارد الرقمنة من ناحية ومعالجة نتائجها على عدد مهمّ من الوظائف من ناحية أخرى؟ وعلى نفس النّحو، لم يتطرّق أيّ من المترشّحين – فيما يعلمه كاتب هذا المقال – إلى المغزى من الرقمنة؟ فهل أنّ الانتقال الرقميّ هدف في حدّ ذاته أم هو عنصر لما هو أشمل من حيث "إصلاح الإدارة "؟ وهل تكفي رقمنة إجراء إداريّ غبيّ ليكون ذكيًّا؟ وماذا عمّا سبق وقامت الدّولة برقمنته مركزيًّا على غرار تطبيقة الحالة المدنيّة والتي تتعرّض لإخلالات دوريّة في البلديّات عنوانها "السيستام طايح "؟

هذا التّهافت وهيمنة الجمل الشعاراتيّة على الرؤى ميّز جزءًا مهمًّا من الأفكار والبرامج الرئاسيّة، إذ قلّما تتوفّر رؤية متكاملة إلاّ فيما ندر، وإذا ما توفّرت فإنّها تجلب الأنظار والانتباه إلاّ أنّها قد تنطوي على ثغرات عميقة من حيث المضامين. ومن ذلك تبنّي جزء مهمّ من المترشّحين للحمائيّة الاقتصاديّة، وذهاب بعضهم إلى التهديد بالمسّ من استقلاليّة البنك المركزيّ التونسي في إطار موجة عالميّة تمثّل الولايات المتّحدة وسياسات ترامب رافعتها.

على أنّ هذه الدّعوات الحمائيّة سواء تلك الواعية بذاتها والصّلبة من حيث الطّرح أو الهشّة المتماشية مع موجة مغرية، تجد صدى لدى جزء من الطّبقة الوسطى دون أن تقدّم إجابات أو يُطرح عليها أصلًا أسئلة جوهريّة أخرى: فهل يعي الدّاعون إلى الحمائيّة في الصناعات الخفيفة لتشجيع الصناعات التونسية بتحوّلات البنية الاجتماعيّة للعمل في تونس وصعوبة انتداب يد عاملة للمهن ذات القيمة المضافة المنخفضة بصفة عامّة؟ ناهيك عن إمكانيّات إعادة تطوير صناعات خفيفة قائمة على هذا النوع من اليد العاملة تحديدًا؟ هل يعي الدّاعون للحمائيّة بأنّ وضع قيود على التوريد بما يرفع سعر بعض السّلع هو الطّريق الأسرع للتهريب وتشجيع السوق الموازية؟ وهل اطّلع أصحاب الطّرح الحمائيّ على انتقال ثوريّ في الصّناعات قد يهدّد المراكز الصناعيّة الكبرى بما فيها الصّين وهي الطّباعة ثلاثيّة الأبعاد؟

اقرأ/ي أيضًا: تفكّك العائلات السياسيّة: عداوة "الكار" من المهن إلى السياسة

لم نسمع بخطاب يطرح مسألة تسهيل إجراءات الإقامة والتملّك والعمل لليبيّين الذين لا يستطيعون فتح حسابات بنكيّة في تونس إلاّ بصعوبة بالغة

لكن ماذا عن السّياسة الخارجيّة والدّفاع؟

من ناحية جوهريّة لا شيء ذا مغزى يمكن الإشارة إليه باستثناء الإجماع العامّ، وهو بالغ الأهمّية، على المغرب العربيّ والعلاقات مع دول الجوار الجزائر وليبيا بالإضافة إلى الموقف المبدئيّ من القضيّة الفلسطينيّة. ومن ناحية السياسة الخارجيّة، يمكن أن نلاحظ أنّ الخطاب كثيرًا ما اقتصر على الجمل الإنشائيّة: الحياد الإيجابيّ إزاء ليبيا على سبيل المثال ولكن بأيّ معنى؟ وكيف يمكن لتونس أن تجد لنفسها موقعًا يؤثّر على موازين القوى والحال أنّه لا بعثة دبلوماسيّة لتونس في ليبيا أصلًا باستثناء قنصل ذي خلفيّة أمنيّة محضة؟ وطوال الحملة، لم نكد نسمع أيّ خطاب انتخابيّ يحدّثنا عن الحدود التونسيّة الليبية وضرورات الأمن في المنطقة الغربية لليبيا حتّى بتعطّل حلّ شامل ليبيّ ليبيّ، إذ قد يمكن لتونس أن تساعد في إيجاد حدّ أدنى من اللّحمة الأهليّة الاجتماعيّة والحفاظ عليها في المنطقة الغربيّة والجنوب (فزّان).

كما لم نسمع بخطاب يطرح مسألة تسهيل إجراءات الإقامة والتملّك والعمل لليبيّين الذين لا يستطيعون فتح حسابات بنكيّة في تونس إلاّ بصعوبة بالغة فيذهبون إلى إسطنبول لسحب أموالهم في ظلّ هشاشة القطاع البنكيّ الليبيّ. وفي بعض الحالات، كان الخطاب إزاء الجوار مُعيبًا استشراقيًا استعلائيًّا، لا يرى في الجوار الجزائريّ الليبيّ إلا غنيمة طاقيّة أو مائيّة للاقتصاد التونسيّ والحال أنّ النّماء الحقيقيّ يبدأ بالقطع مع التواكل الريعيّ لا بتعميمه تونسيًّا ومغاربيًّا. وعلى نفس النّحو كان النّقاش حول الدبلوماسيّة الاقتصاديّة، المُجمع عليها رغم تهافت تعريفها، محض إعادة اكتشاف بليد للذرائعيّة بمعناها السطحيّ، وكأنّ فتح سفارة في بلد إفريقيّ ما كفيل بتنشيط العلاقات التجاريّة. بل إنّ جزءًا مهمًّا من المترشّحين يبني تصوّراته على دور الوساطة أو "التسمسير" بين أوروبا وإفريقيا فيما يوحي بأنّ القوى الأوروبيّة ذات الامتداد الثقافي والبشريّ التاريخيّ في إفريقيا تحتاج للتونسيّين (لاعتيادهم على حرارة الطقس ربّما؟) للتجارة في إفريقيا أو الاستثمار فيها... وفي الآن ذاته لا أثر للتطرّق إلى الحضور التونسي الإسلاميّ التقليديّ في إفريقيا عبر الجامعة الزيتونيّة والتصوّف.

وفي مجال النّقاش العامّ الرئاسيّ لم يُطرح أبدًا موضوع تقييم البعثات الدبلوماسيّة ومقاربة كلفتها بما تقوم به على أرض الواقع، وإن كان ثمّة من مغزى لفتح بعثات دبلوماسيّة جديدة أم أنّه يمكن استنباط أشكال جديدة أكثر فاعليّة كشركات العلاقات العامّة والمناصرة والتي لا تحتاج بالضّرورة لأعباء الجهاز الإداري الدبلوماسي؟

يمكن القول إن التنافس الرئاسيّ لا مضامين فيه إلاّ بالقدر الكافي لإنشاء الخطابات وتنميقها إعلاميًّا

أمّا في مسائل الدّفاع، فإنّ النقاش الرئاسي التونسيّ لا يزيد على الوعد بتقوية قدرات الجيش أو التذكير بما تمّ تقديمه للمؤسّسة العسكريّة بالنّسبة لمن تولّوا مناصب رسميّة من قبل. ولعلّه من الطّريف أنّ بعض المُقترحات تعبّر عن عدم إدراك مكتمل المعالم بالمؤسّسة العسكرية التونسيّة. فالبعض يتحدّث عن تشجير الحدود وتعميرها دون الإشارة إلى تجربة برج الخضراء وما لها وما عليها، والبعض الآخر يتحدّث عن التصنيع العسكريّ والحال أنّ الجيش التونسيّ قام بتجربة رائدة على مستوى التّصنيع البحري العسكريّ والصناعات الذكية الدقيقة في البرمجيّات المعلوماتيّة.

وعليه فإنّه يمكن الجزم بنقص في الإلمام بهذه الجوانب لدى المرشّحين، وبنفس القدر يمكن ملاحظة تغييب أيّ نقاش حول ما يجب تطويره داخل المؤسّسة العسكريّة خاصّة على مستوى التّنسيق بين الجيوش الثلاث وانتشار الوحدات على التّراب الوطنيّ والمسألة المعقّدة للتّنسيق مع جهاز الحرس الوطنيّ باعتباره جهازًا عسكريًّا لا يتبع وزارة الدّفاع وتشمل مجالات تدخّله الحدود وحمايتها بريًا وبحريًّا. وهذه المحاور هي محاور ذات أهمّية بالغة والحال أنّ النقاش في كبرى الجيوش العالميّة والتّسابق بينها يدور حول ما يُسمّى التّرابط والتنسيق المكثّف العابر للاختصاصات Jointness.

إلى حدّ كبير، يمكن القول إن التنافس الرئاسيّ لا مضامين فيه إلاّ بالقدر الكافي لإنشاء الخطابات وتنميقها إعلاميًّا، وعلى نفس النّحو لم يكن الإعلام على محاولته احترام مهنيّة شكلانيّة محفّزًا على طرح رؤى جدّية غير تسويقيّة لبرامج حقيقيّة.

وإذا لم تقدّم الطبقة السياسيّة التونسية ما يشجّع عموم المواطنين على الانحياز لفكرة دون أخرى فهل يُطلب من التونسيّين أن يُعملوا عقلهم للتصويت إن هم شاركوا أصلًا في الانتخابات؟ وهل يحقّ للتّونسيّين بناء على ذلك الانحياز لخيارات لا أساس سياسيّ لها؟ وحده صندوق الاقتراع كفيل بالإجابة على ذلك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تمثّل الانتخابات الرئاسيّة خطرًا على المسار الديمقراطي التونسي؟

الانتخابات التونسية.. مدخل للاستقرار أم للعجز عن الحكم؟