"العربون ما يرجعش".. بين فقه القانون وحكم العرف

صفاء: عدم إرجاع العربون هي عملية تحيّل خاصة إذا كان المبلغ المقدم مسبقًا كبيرًا (نيكولا فوكي/Corbis)

 

"العربون ما يرجعش"، عبارة تونسية خالصة، تُقال للدلالة على أنّ كل ما يخرج من الجيب للدفع لا يُرجع إلى صاحبه. وصارت مثلًا يُضرب بين الناس للتأكيد على استحالة العَود، ويستخدمونها بسخرية في حديثهم اليومي.

قد يقولها التونسيون لأغراض عديدة، لكن معناها في جميع حالاته غير منصف بالنسبة للبعض، إذ أنه يرتبط بعملية تجارية يخسر فيها الشاري أو المستأجر جزءً من الثمن إذا قدمه مسبقًا للبائع، ثم أُبطلت العملية لأي سبب كان.

"العربون ما يرجعش"، عبارة تونسية خالصة، ترتبط غالبًا بعملية تجارية يخسر فيها الشاري أو المستأجر جزءً من الثمن إذا قدمه مسبقًا للبائع، ثم أُبطلت العملية لأي سبب كان

ويُعرف العربون بأنه مقابل يُدفع عند الاتفاق على عقد بيع أو كراء للتأكيد على الاستعداد لتنفيذه، على أن يحسب في ما بعد من أصل الثمن عند إبرام العقد أو الاتفاق النهائي. لكن يجري أن يبقى في ذمة البائع ولا يرجعه في حال عدم الوصول إلى اتفاق نهائي.

وفي مواسم الزواج والأفراح والمناسبات العامة، نجد الكثير من الزبائن يتذمرون لأنهم عاجزون عن استرجاع العربون من أصحاب المحلات. وبين تمسك المالك بحقه في المال وتأكيد الزبون أنّه ضحية، يُطرح السؤال: هل يمكن استرجاع العربون؟

اقرأ/ي أيضًا: حفلات الزواج في تونس.. حلبة مصارعة للتفاخر والتباهي

  • "بين البائع والشاري يفتح الله"

نزلنا إلى باب سويقة، قلب مدينة تونس النابض والحي الصاخب المليء بالحركة، الذي يتميز بشعبية منقطعة النظير، لا فقط لأن تاريخه حافل، بل لأنّ حاضره مُتماهٍ مع حاجيات سكان العاصمة الأساسية والتكميلية.

يُطبع التونسيون في مناسباتهم مع الطريق المؤدية إليه، حيث تَفتتح محلاته موسم كراء الملابس للرجال والنساء، وتزدان بالحرفاء من كل حدب وصوب، لمعاينة لوازم الأفراح من فساتين وكراسٍ وطاولات وصولًا إلى مضخمات الصوت والفرق الموسيقية و"التصديرة" أين يجلس العروسان كتتويج لأشهر من التخطيط ودفع الأموال.

وهنا لسنا نجحد الفرحة على أصحابها، لكن نطرح واقعًا يعايشه أغلب التونسيين مع تردي الوضع الاقتصادي، وعجز المقبلين على الزواج عن دفع فاتورة غالية لتحقيق أحلامهم، وأحيانًا أحلام عائلاتهم.

تتماشى الأسعار في الحي مع مختلف الفئات، لكن الأقل حظًا دائمًا في العثور على جودة جيدة هم الأقل مالًا. داخل أغلب المحلات لا يمكننا التصوير لأن أصحابها يخشون سرقة "موديل العام"، رغم أن أغلبها تعتمد على تصاميم متشابهة إلى حد التطابق. 

أما محاولة الاتفاق على سعر الكراء فليست أصعب من محاولة الإقناع بإمكانية التأجيل أو الإلغاء إذا ما استمر توقيت حظر الجولان على ماهو عليه الآن، وبالتالي إمكانية استرجاع ما سيقدم كعربون مقابل الفستان.

مباشرة ودون مقدمات تقول صاحبة المحل "العربون ما يرجعش"، مشيرة برأسها إلى استحالة ذلك وصولًا إلى رفع يدها للتأكيد، إلى حد تشعر فيه أنك اقترفت ذنبًا. وحين حاولت إقناع إحداهن، قالت "هذا الموجود وبين البائع والشاري يفتح الله". وحين يردد أمامك بائع أو صاحب مصلحة في تونس، هذا المثل، فلا تجادله لأن الحوار انتهى بالنسبة إليه وأي نقاش آخر لن يكون في صالحك غالبًا.

اقرأ/ي أيضًا: "قفة العروس" في سوسة.. سلة الاحتفالية والجمال والتحصين من الشرور

  • العربون بين الزبون وصاحب المحل

فاطمة، صاحبة محل كراء فساتين الأفراح في ولاية سيدي بوزيد، مختصة في كراء "الحلي والحرام" التونسية التي تُعرف بالملية، تشتريها من المدن المختصة في حياكتها وينسب لها اسمها مثل الملية الجربية والقابسية وغيرها، تقول في حديث مع "ألترا تونس"، إنّها لا تُرجع العربون لزبائنها وهذا أمر غير مطروح للنقاش عند أصحاب المهنة.

وعن سبب ذلك أوضحت أنّها تحجز الفستان والحلي للزبونة في تاريخ محدد، وحين تُلغي الحريفة سهرتها أو حفلها تكون فرص كراء أخرى فاتتها، وبالتالي تعوض نفسها بعضًا من الخسارة.

وأضافت أنّ مهنتها تقوم على المنافسة وأحيانًا يقوم بعض أصحاب المحلات بالتخفيض في السعر عمدًا لاستدراج الزبائن واحتكار السوق مقارنة بمحلات أخرى، وحين تعود زبونة بتعلة أنّها وجدت ثمنًا مناسبًا لها في محلات أخرى لا تعيد لها العربون حتى لا تُعتمد الأسعار ذريعة للقضاء على المنافسين.

كما أن فكرة "العربون ما يرجعش" وفق فاطمة هي عرف سائد، وليس وليد اليوم. وتردف قائلة "إذا أعدت العربون ففي حالات استثنائية لأشخاص يعانون من ظروف اقتصادية صعبة ولأسباب إنسانية بحتة".

فاطمة، صاحبة محل كراء فساتين الأفراح: "العربون ما يرجعش" هو عرف سائد وإذا أعدت العربون ففي حالات استثنائية لأشخاص يعانون من ظروف اقتصادية صعبة ولأسباب إنسانية بحتة

في المقابل ترى الشابة صفاء، أصيلة ولاية جندوبة شمال غربي البلاد، أنّ عدم إرجاع العربون هي عملية تحيّل خاصة إذا كان المبلغ المقدم مسبقًا كبيرًا. وذكرت لـ"ألترا تونس" أنها ألغت حفل زفافها بعد أن وزعت 1000 دينار كعربون لفستان الزفاف والفرقة الموسيقية وصالون الحلاقة والتجميل.

لكن أصحاب هذه المحلات رفضوا إعادة النقود، بتعلة أنّها فوتت عليهم فرصًا أفضل للكراء. الأمر الذي تعتبره محدثتنا أشبه بعملية تحيّل، خاصة أنّ الفترة الممتدة بين الاتفاق والإلغاء لم تتجاوز اليومين. 

وذكرت أنهم طلبوا منها مبالغ مرتفعة مقارنة بكونه مجرد عربون، إذ دفعت بخصوص فستان الزفاف الذي بلغت كلفة كرائه الجملية 2000 دينار تونسي، حوالي 500 دينار. وأكدت أنّها لن تقع في هذا الفخ ثانية، ولن تقدم عربونًا باهض الثمن مرة أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: سوق الذهب في تونس.. كساد غير مسبوق وتجار المصوغ يستغيثون

  • العربون في القانون التونسي

وفق دراسة بعنوان "العربون و شروط الاحتفاظ به في القانون التونسي" للباحث محمد علي التقرتي، يعرف العربون بأنه "جزء من الثمن إن تم البيع وهو غرامة تبقى بين يدي البائع تعويضًا له عما لحقه من ضرر جراء نكول المشتري في صورة عدم إتمام العقد".

وتُخصص مجلة الالتزامات والعقود التونسية ثلاثة فصول لمسألة العربون، ففي فصلها 303 تعرفه بأنه "ما يعطيه أحد المتعاقدين للآخر لأجل إتمام ما تعاقدا عليه".

ويؤكد التقرتي أنّ الاتفاق بين الطرفين هو شرط إرجاعه، وهو ما جاء في الفصل 304 من المجلة الذي ذكر صراحة "كما يُرجع، أي العربون، إذا فسخ العقد باتفاق الطرفين". وحدد الفصل أيضًا أنه في صورة إتمام العقد الذي بمناسبته دُفع العربون يطرح هذا الأخير من الثمن أو من الكراء ويعتبر جزءً منه أما إذا كان دافع العربون هو البائع أو المسوغ للمحل فإن العربون يعود لصاحبه بعد تنفيذ العقد.

أما الفصل 305 من المجلة فيُبين دور العربون "في تغريم المشتري أو من دفع العربون حيث يمكن للبائع الذي قبضه أن يبقيه تحت يده إذا تعذر الوفاء أو فُسخ العقد بسبب تقصير من العاقد الذي دفعه".

المحامي أمير حزامي لـ"ألترا تونس": من حق البائع أو صاحب البضاعة الإبقاء على العربون وعدم إرجاعه لما قد يُسببه تقصير المكتري أو إلغائه للاتفاق وذلك ليس بدعة

وبينت الدراسة أنّه ليس للبائع أن يُحدد مقدار الغرامة المستحقة، في هذه الحالة، وعليه أن يتجه للقضاء لتحديدها ويبقى العربون في الأثناء بين يديه حتى يأخذ الغرامة التي تعينها المحكمة إن اقتضى الحال، وعلى البائع أن يرد العربون بعد تمام خلاص الغرامة من طرف دافع العربون.

من جانبه أكد المحامي والباحث في القانون الخاص أمير حزامي، لـ"ألترا تونس"، أنّ القانون التونسي لم يفرق بين عقد البيع والكراء، وأن الإجراء سار إذا كان العقد كتابيًّا أو شفاهيًّا. وأضاف أنّه من حق البائع أو صاحب البضاعة الإبقاء على العربون وعدم إرجاعه لما قد يُسببه تقصير المكتري أو إلغائه للاتفاق، مشددًا أنّ ذلك ليس بدعة.

وبالتالي فإن القانون التونسي ينص على عدم إرجاع العربون إلا في حالة الاتفاق بين الطرفين، وحتى عملية التقاضي قد تكلف الزبون أموالًا أكثر من التي خسرها في دفع المبلغ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

العرس الجرجيسي.. يبدأ بـ"البيانة" ويُختم بـ"النحيلة" و"الجحفة" جوهره

حفلات توديع العزوبية في تونس.. آخر لحظات الحرية