ultracheck
رأي

لأجل من تقام حفلات الزواج؟

15 أغسطس 2015
GettyImages-72874121.jpg
ممّا يبعث على الأمل تحرّر بعض الشباب من تلك التقاليد (أ.ف.ب)
غادة بوعجاجة
غادة بوعجاجة طالبة صحافة من تونس

مقال رأي 

 

لم أذهب يومًا إلى حفل عرس إلا وعدت منه مصدعة الرأس متعاطفة مع تلك العروس المثقلة بطبقات مواد التجميل التي طلي بها وجهها، حتى غابت ملامحها لتستحيل شقراء الشعر، بيضاء البشرة وخضراء العينين وكأنها في حفلة تنكريّة، مما يجرني للتساؤل "إن كنا مهووسين بجمال الملامح الأوروبية، فلم لا نقتبس منهم بساطة مفهوم حفل الزفاف، ذلك المفهوم الذي حث عليه الدين الإسلامي مثلا، فغفلنا عنه وتناسيناه؟

إن كنا مهووسين بجمال الملامح الأوروبية فلم لا نقتبس منهم بساطة مفهوم حفل الزفاف؟

إن ثقافة بأسرها تسكن عقول مجتمعنا لتلزم الفرد بإيلاء أراء الناس الأهميّة القصوى لتضمحل في المقابل إمكانية إرضاء الذات وإدراك السعادة. وإن العائلة تدخر المال لتنفقه في شراء جهاز العروس فتكدس الأواني وعشرات التحف عديمة الفائدة والمفروشات والملابس معتبرة بذلك أنها قد نجحت في تجهيز ابنتها لخوض غمار تجربة تأسيس الأسرة. وإن تقدم أحد لخطبة البنت تتفنن العائلة في إثقال كاهل الرجل بالطلبات المجحفة من ذهب وهدايا ثمينة فتجد كل الأقارب والجيران يسألون "ماذا أهدى فلان لابنتكم؟"، ويضيفون"اطلبي منه فأنت أهل لكل ما هو ثمين وراق".

وفي أيام الاحتفال تنفق العائلات آلاف الدنانير على الحلويات والأكلات وكراء القاعات واستضافة الفرق الموسيقية، وكذلك على صالون التجميل وعلى كراء فساتين الزفاف وغير ذلك كثير، لتجني في النهاية لوم فلانة، التي نسوا في خضم ذلك استضافتها للعرس، وسخرية الأخرى من أطباق الطعام التي لم تسد رمقها، وأحاديث البنات عن سوء ذوق العروس في اختيار فساتينها وطريقة وضعها للمكياج. فتذهب كل المصاريف هباء منثورًا وتخفق العائلات، في تحقيق ما هدفت إليه وهو إرضاء الناس والتفاخر أمامهم.

فلمَ كل هذا العذاب النفسي والمعنوي والمادي؟ لمَ انقلبت الأعراس توترًا وأحزانًا وخوفًا؟ لم لا نقف وقفة جادة في وجه هذه العادات فنهدمها؟ أوليست هي من أعمق أسباب ارتفاع عزوف الشباب عن الزواج وارتفاع نسبة العنوسة؟ أي حبّ هذا الذي يتشدق به الآباء عندما تقف شروطهم سدًا منيعًا أمام زواج أبنائهم؟ إنّ نداءنا إلى العائلات لفك الخناق عن أبنائها وتيسير الزواج لهم يجب أن يجد صداه.

بعض مصاريف الأعراس كفيلة بإنشاء مشاريع صغرى وخلق مواطن شغل

ومهما أبدوا من معارضة فإنهم يضمرون قناعة بعدم جدوى كل ما يقدمون على فعله، وبرغبتهم في اتمام الزيجة بأقل المصاريف، ولكن ألسنة من حولهم تبقى قيدًا عصيًّا الانعتاق منه. وهنا يأتي دور الشباب ليضعوا حدًّا لكل هذه المهزلة فيهدموا بأنفسهم كلّ ما أقامه المجتمع من أصنام وليكسروا القواعد التي أسرتهم.

ليقلّلوا من مصاريف الزّواج ليصبح الاحتفال بدل الأسبوع يومًا أو اثنين وتكتفي العروس بكراء زي واحد بدل الأربعة، وليذبحوا خروفا عوض البقرة، ولو أنهم إن تصدّقوا بثمن بقرة أو عجل لضعاف الحال وألغوا عادة الوليمة لكان ذلك أنفع وأقل كلفة. والأهم من ذلك كلّه هو أن يغلقوا آذانهم عن كلّ من قد ينغص عليهم فرحهم أو ينتقدهم، ويضعوا خطّة لحسن التحكّم في المصاريف ليستمتع بها العريسين في سفر أو جولة أو يستثمرانها  في شراء حاجيات للمنزل أو للإدخار.

فبعض مصاريف الأعراس كفيلة بإنشاء مشاريع صغرى وخلق مواطن شغل، لعلّ الأمر مضحك بعض الشيء ولكنّ نظرة عميقة وجديّة تدفعنا لضرورة إعادة التفكير في عادات الزواج بتونس، فذلك سيخفّف من عدّة مشاكل تنخر المجتمع فتنخفض بذلك نسبة العنوسة وتنخفض كذلك نسب الجريمة.

وممّا يبعث على الأمل تحرّر بعض الشباب من تلك التقاليد وتجاهلهم لكلّ المثبطين فتزوجوا بأقل التكاليف الممكنة. كونوا مثلهم واجعلوا سعادتكم نصب أعينكم لأنّ إرضاء النّاس غاية لا تدرك.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت" 

 

الكلمات المفتاحية

احتجاجات اليسار التونسي الشاذلي بن إبراهيم Getty

قراءة في نقاشِ اليسار الراديكاليّ من زاوية ديمقراطية - اجتماعية

"يكشف هذا الغيابُ بدقّةٍ أين يقع العجزُ.. حيث توجد الكتلةُ الاجتماعيّة والقضيّةُ الرافعة.. لكن يغيب الحزبُ القادر على جمع الملفّات في مشروعٍ سياسيٍّ واحد"


الاستبداد تونس الشاذلي بن إبراهيم Getty NurPhoto

ليسوا ديمقراطيين.. الأقنعة غير البريئة التي تخدم الاستبداد

"الاختلاف مع الآخر السياسي.. لا يمكن أن يحوّل أي ديمقراطي بحقّ إلى عدوّ للديمقراطية، وإن كان عكس ذلك، فهو منذ البداية ليس ديمقراطيًا، بل هو منتحل صفة.. "


الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟

الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟

في باب التّناقض الصّارخ بين الفعل والخطاب، اختار الرّئيس التّونسيّ الانكفاء على الذّات، رغم مطالبته، في مناسبات عدّة، بـ"إرساء نظام إنسانيّ جديد متقدّم على النّظام الدّوليّ الحالي". هذا الانكماش الخارجيّ لا يخرج، في المجمل، عن الانكماش الدّاخليّ


قيس سعيّد يشارك كضيف شرف في القمة السابعة لمنتدى البلدان المصدّرة للغاز بالجزائر.jpg

تونس والجزائر.. المقبول وغير المقبول

"من يهدّد تونس نخلولو الخيمة تاع والديه".. هل من المقبول أن يدلي الرئيس الجزائري بتصريح بتلك الصيغة؟

حكم
منوعات

تعرّف على التركيبة الكاملة للإدارة الوطنية للتحكيم

أعلنت الجامعة التونسية لكرة القدم عن التركيبة الكاملة للإدارة الوطنية للتحكيم وتتضمن..

رؤوف ماهر
منوعات

خلاف بين الفنان رؤوف ماهر ومهرجان المنستير.. ما القصة؟

وجه الفنان رؤوف ماهر رسالةً إلى مدير مهرجان المنستير الدولي إثر..


حرارة غيتي.jpg
منوعات

موجة حرّ متوقعة في تونس الأسبوع القادم

المرصد التونسي للطقس والمناخ: الحرارة ستكون أربعينية في أغلب المناطق التونسية لعدة أيام أي من 40 إلى 45 درجة عمومًا على أغلب المناطق التونسية

طقس تونس سيدي بوسعيد  Pexels
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة القصوى تصل إلى 43 درجة

أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 19 أوت/أغسطس 2026 سيكون..

الأكثر قراءة

1
مجتمع

هل شهدت أسعار الزقوقو في تونس ارتفاعًا مقارنة بالسنة الفارطة؟


2
ثقافة وفنون

حوار| رؤوف بن يغلان.. الفنان المسرحي التونسي الذي كسر كل القوارب القديمة


3
سیاسة

هيئة الدفاع: إعادة راشد الغنوشي إلى السجن بعد إخفائه وعزله لمدة 3 أسابيع


4
ثقافة وفنون

حين يتجاوز الإعجاب بالفنانين حدود المسرح.. ماذا يحدث خلف هوس المعجبين؟


5
سیاسة

5 أشهر من الإيقاف.. إضراب جوع يُفاقم المخاوف على صحة نشطاء أسطول الصمود