استثناء الجيش التونسي في منطقة الانقلابات.. لماذا استمر في حياده السياسي؟

استثناء الجيش التونسي في منطقة الانقلابات.. لماذا استمر في حياده السياسي؟

37016 مشاهدة
يمثل الجيش التونسي استثناءً في المنطقة العربية بحياده السياسي (كريستوفر فورلونغ/ Getty)

لماذا لم ينفذ الجيش التونسي انقلابًا طوال مسيرته؟ ولماذا حضوره ضعيف في الشأن السياسي على خلاف بقية الدول العربية؟ ما أسباب ذلك؟ أسئلة من المرجّح طرحها من قبل العديد من المهتمّين تونسيين وعرب، ذلك أنّ عدم تدخل الجيش التونسي في الحياة السياسية، بمثابة استثناء في منطقة الانقلابات العربية، ويمثل سمة مميّزة في المحيط العربي الذي تغلب فيه سطوة الجيوش والأنظمة العسكرية، وذلك طبعًا إضافة لموقفه خلال الثورة بعدم توجيه دبّابته نحو الثوار المحتجّين.

يمثل الجيش التونسي استثناءً في المنطقة العربية، من جهة عدم تنفيذه انقلابًا أو تدخله في اللعبة السياسية

الجيش والسياسة.. طلاق تاريخي

تفسر العودة إلى تاريخ بعث الجيش التونسي جانبًا من ضعف تأثيره طيلة الحياة السياسية بعد استقلال البلاد سنة 1956. ففي الجارة الجزائر، تكوّن الجيش من نواة جبهة التّحرير الوطني التي قادت الكفاح المسلّح لنحو ثماني سنوات، فطغى العسكري على السياسي، وهو ما جعل بومدين قائد الجيش يقود انقلابًا بعد نحو من سنتين من الاستقلال، وهو انقلاب فسّره أول رئيس للدولة، أحمد بن بلّا، أنه نتيجة الخلاف حول ما إذا كان الحزب أو الجيش يقود البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: عزمي بشارة: "الجيش والسياسة" مدخلًا لفهم الدولة الوطنية العربية

الصورة في تونس مختلفة في نقطتين جوهريتين، أولا هيمنة السياسي/الحزبي على العسكري/الميداني في مسار نيل الاستقلال، مقارنة بالجزائر، وثانيًا تأسيس الجيش التونسي من خارج النواة الصلبة للمقاومين الذين استهدفهم الحبيب بورقيبة منذ ما قبل الإعلان الرسمي للاستقلال.

فبعد اندلاع المقاومة المسلّحة في تونس سنة 1952، وبعيد إعلان الجزائر لثورتها التحريرية، تصاعد الخناق حول الاحتلال الفرنسي الذي أعلن قبوله الدخول في مفاوضات على شرط إيقاف المقاومة المسلّحة، وصدرت فعلًا توجيهات نهاية سنة 1954 إلى المقاومين بتسليم سلاحهم، مع الوعد بانضمامهم إلى الجيش التونسي الذي سيتمّ تكوينه.

وللطرافة، كان الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي، هو أحد القيادات السياسية المكلّفة بتجميع سلاح المقاومين. وقد انتهت المفاوضات حينها بإعلان الاستقلال الداخلي في منتصف 1955، وهو ما أدى لقطيعة بين فريق يقوده الحبيب بورقيبة الذي تولّى لاحقًا قيادة البلاد لنحو ثلاثين سنة، وفريق آخر يقوده غريمه صالح بن يوسف المدعوم من المقاومين المسلّحين، الذين واصلوا عمليات المقاومة خاصة في الجنوب التونسي.

وقد دارت، قبيل إعلان الاستقلال في آذار/مارس 1956، عديد المعارك بين المعارضين اليوسفيين وعناصر الجيش الفرنسي، التي كانت مسنودة بلجان الرعاية الداعمة للشق البورقيبي، الذي قام بتصفية معارضيه من سياسيين ومقاومين مسلّحين، سواء عبر الاغتيالات كاغتيال بن يوسف أو عبر المحاكم الاستثنائية.

بذلك، تأسّس الجيش التونسي، إثر الاستقلال، من غير القيادات الميدانية العليا التي قادت المقاومة العسكرية، ليضمن بورقيبة بعد التخلص من مناوئيه تبعية الجيش الناشئ لخياراته. كما أشرف الحزب الدستوري حينها على التحريّات حول أول دفعة من الضباط التي قادت الجيش الوليد لعقود لاحقا. ليظلّ الجيش في تونس منذ نشأته بعيدا عن القرار السياسي الذي كان تحت سيطرة الحزب الحاكم ورئيسه لوحده.

استبداد أمني لا عسكري

كان الاستبداد في تونس أمنيًا بامتياز، حيث قادت وزارة الداخلية وأجهزتها عمليات القمع والانتهاكات، فيما كان الجيش على الهامش لم تتم الاستعانة به إلا حين انفلات الأوضاع حيث نزل للشارع لأول مرّة في احتجاجات الخميس الأسود سنة 1978، التي أودت بحياة مئات المحتجين إثر الصدامات بين اتحاد الشغل أكبر نقابات البلاد، وبين والسلطة.

وكان الجيش التونسي دائمًا محدود التسليح ولا يخرج من ثكناته، ليس حرصًا على تحييده من التدخل في الشأن العام، بقدر خشية من اتساع نفوذه على حساب الداخلية التي تقود القبضة الأمنية في البلاد، ومخافة المباغتة بانقلاب من داخله، خاصّة في محيطٍ عرف عديد الانقلابات العسكرية، ومنها انقلاب القذافي في ليبيا نهاية الستينيات.

وتأكيدًا على تحييد الجيش، جرى عُرف في تونس منذ الاستقلال على عدم تعيين عسكري في قيادة وزارة الدفاع، التي دائمًا ما يتولاها مدني، وهي الوزارة التي تولاها بنفسه بورقيبة أكثر من سنة بعد الاستقلال، قبل أن يعيّن أحد رفقائه لقيادتها، ثم تواصل العرف في تعيين مدنيين. وكان، في هذا الإطار، للرئيس الحالي السبسي مرور على الوزارة نهاية الستينيات. وقد تولى الوزارة محامون وقضاة وأكاديميون، وحتى مثقفين، على غرار الكاتب الحبيب بولعراس، وذلك لبضعة أشهر بداية التسعينيات. واستمرّت سُنّة تعيين المدنيين بعد الثورة مع تسمية شخصيات مستقلّة لا متحزّبة خشية تسييس الوزارة.

وكانت ميزانية الجيش متواضعة منذ الاستقلال، ليس فقط انطلاقًا من ضمان عدم تغوّله، بل كذلك انطلاقًا من خيار الحبيب بورقيبة في تخصيص جزء كبير من موارد الدّولة نحو الصّحة والتعليم، وهي الميزة البورقيبية التي بالكاد لا يختلف فيها اثنان بخصوصها. وفي نقطة أخرى في إطار تحجيم الجيش، قام بورقيبة بإلحاق جهاز الحرس الوطني بوزارة الداخلية، بعد أن كان مقرّه في وزارة الدفاع، حيث يضمن، في الأثناء، تعدّد الأجهزة المسلّحة عدم قدرتها على التنظم ككتلة واحدة ضد السلطة.

أمّا عن القيادات العسكرية، فكانت ولازالت مجهولة لدى التونسيين، فهي بالكاد تظهر في المناسبات العامّة، سواء زمن بورقيبة أو بن علي. وربّما الجنرال رشيد عمار، قائد جيش البرّ زمن الثورة، هو أول اسم لقائد عسكري يكتشفه التونسيون بهذا الزخم، وذلك في عنصر مستجدّ، سرعان ما خفت اليوم تباعًا، وهو ما تأكد بإلغاء منصب القائد العام لأركان الجيوش الثلاثة سنة 2013، والذي كان الجنرال عمّار آخر من تولاه، وهو ما يحول دون بروز شخصية مركزية في الجيش.

والآن بالكاد يعرف التونسيون أسماء قيادات الجيش، وحتى حينما تتمّ تعيينات جديدة، فهي تمرّ على الهامش، ولا تثير جدلًا من الفاعلين السياسيين أنفسهم، قبل المواطنين العاديين.

كانت وزارة الداخلية، في الأثناء، هي الأكثر نفوذًا زمن الاستبداد، وحتى الشخصيات ذات الخلفية العسكرية لم تؤثر تاريخيًا في السلطة إلا عبر الداخلية، فالمخلوع بن علي هو عسكري التكوين، وكان ملحقًا عسكريًا بعدد من السفارات، غير أن نجمه لم يسطع إلا بعد قيادته لجهاز الأمن الوطني في الداخلية، وذلك قبل تعيينه وزيرًا للداخلية، ومن ثمّ وزيرًا أوّلًا حتى انقلابه على بورقيبة سنة 1987. ولم يكافئ صديقه قائد أركان الجيش عبد الحميد بالشيخ، بعد الانقلاب، إلا بمنحه وزارة الداخلية لبضعة أشهر بداية التسعينيات وتعيينه وزيرًا للخارجية وحتى وزارة للشباب، أما وزارة الدفاع فظلّت محرّمة على العسكريين ولو على الأصدقاء المقرّبين.

براكة الساحل.. قضية مفبركة لإضعاف الجيش

مثلت سنة 1991 حدثًا فارقًا في تاريخ الجيش التونسي بمزيد إضعافه وتبرير تهميشه طيلة سنوات بن علي. فخلال تلك السّنة، زعمت وزارة الداخلية كشفها لمؤامرة انقلاب بقيادة عسكريين ومدنيين من حركة النهضة الإسلامية، لتنطلق حملة اعتقالات ضد 244 عسكريًا، من بينهم 25 من كبار الضّباط، فيما عُرفت إعلاميًا بقضية "برّاكة السّاحل"، نسبة للقرية التي قيل إنها احتضنت اجتماع محاولة الانقلاب.

وقد قاد جهاز أمن الدولة التابع الداخلية التحقيقات، وقام أمنيون بتعذيب كبار الضباط وإذلالهم، وهو ما عكس تغوّل جهاز الداخلية على الجهاز العسكري، الذين كان من المفترض أن يقوم بالتحقيق وفق القوانين المعمول بها على الأقل، وذلك في ظلّ تواطؤ قيادات عسكرية منها الجنرال رشيد عمّار الذين كان مدير الشرطة العسكرية حين الحادثة.

منذ عهد بورقيبة وحتى ثورة 2011، عمل النظام السياسي على إضعاف المؤسسة العسكرية في مقابل تقوية الداخلية

وقضت المحكمة بتبرئة عديد العسكريين، والذين تم عزلهم من الجيش والتضييق عليهم وهرسلتهم حتى اندلاع الثورة، التي مثلت منعرجًا لكشف مزيد خيوط فبركة بن علي لهذه القضية. حيث أدانت المحكمة العسكرية، بعد الثورة، بن علي ووزير الداخلية وقيادات أمنية رفيعة بتعذيب العسكريين، فيما قدم رئيس الجمهورية السابق المنصف المرزوقي، الاعتذار للضحايا باسم الدّولة، وأعاد إليهم بزاتهم العسكرية في خطوة رمزية لإعادة شرف العسكرية.

لم تكن قضية براكة الساحل في جوهرها إلا مطيّة لبن علي لممارسة أشنع انتهاكات حقوق الإنسان وتشديد قبضته الأمنية خاصة في فترة التسعينيات، كما برّر بموجبها داخل سلطته سطوة الداخلية على الجيش الذي زاد انحصار نفوذه بعد هذه القضية بعار خيانة مفبركة. وقد طال تهميش الجيش إلى مستوى عدم تسليحه بالشكل المناسب، وهو ما انكشف بعد الثورة في سياق الحرب على الإرهاب إذ دائمًا ما يؤكد الرئيس السابق المنصف المرزوقي أنه لم يتم تسليح الجيش بصفة نوعية إلا بعد الثورة.

اقرأ/ي أيضًا: بعد انتهاكاتها ضدهم.. الداخلية التونسية ترفض التصالح مع من ظلمتهم عقودًا!

إسقاط طائرة الجنرال سكيك.. بن علي يصفي العسكريين؟

لم يكْفِ نظام بن علي تهميش الجيش وإضعافه، حتى عمل على منع بروز أي شخصية عسكرية ذات صيت، وذلك في ظل الخشية الدائمة من الانقلاب عليه، كما انقلب هو على بورقيبة. في هذا الجانب، يأتي الحديث على سقوط مروحية عسكرية سنة 2002، تقلّ 13 ضابطًا في مقدّمتهم قائد أركان جيش البر اللواء عبد العزيز سكيك، وخمسة عقداء، والتي يغلب الظن أنها عملية اسقاط متعمّدة دبّرها بن علي للتخلّص من اللواء سكيك الذي كان يتمتع بشعبية جارفة بين العسكريين، خاصة وأنه من قاد الكتيبة التونسية على الجبهة المصرية في حرب 1973.

لم تكن رواية السلطات التونسية بحدوث عطل فني في المروحية مقنعة، وبعد الثورة، طفت للسطح مجدّدًا هذه القضية بفرضية القتل العمد. حيث بثت التلفزة الوطنية الحكومية سنة 2011، وثائقيًا وصف حادثة المروحية سنة 2002، بأنها "عملية تصفية قادها بن علي"، وذكرت فيه زوجة أحد الضحايا أنها لم تستطع رؤية جثمان زوجها، وتزايدت الشكوك مع شهادات سكان المنطقة التي سقطت فيها المروحية حول منعهم من اسعاف الضحايا.

لازالت قضية سقوط المروحية العسكرية غامضة، ويغلب الاعتقاد بأنها عملية إسقاط مدبّرة، في ظلّ انعدام الثقة في تحقيق وزارة الدفاع إثر الحادثة، ووسط دعوات لإعادة فتح التحقيق وكشف خيوط القضية.

الجيش والثورة

استمرّ بذلك غياب الجيش عن مجال التأثير حتى تاريخ اندلاع الثورة، حينما لجأ بن علي لإعلان حالة الطوارئ والاستعانة بالجيش الذي لازال يذكر التونسيون اندفاع أفراده لحماية المحتجين في عديد المناطق أثناء مواجهة قوات الأمن، وهو ما أدّى لمناوشات بين أمنيين وعسكريين. ظهرت بذلك الصّورة وردية لعلاقة العسكريين بالمواطنين، على غير ما ظهرت حينها ولازالت في ليبيا ومصر وسوريا واليمن. حيث تكفّل الجيش التونسي خلال أحداث الثورة بحماية مقرّات السيادة والمنشآت العمومية دون توجيه سلاحه للمحتجّين.

وخلال أيام ما بعد يوم 14 كانون الثاني/يناير، والتي اختلطت فيها الأخبار بالشائعات في ظل الحديث عن استهداف الأمن الرئاسي وقوات من الداخلية للمواطنين الذي كوّنوا لجان شعبية في مختلف مناطق البلاد، لم تكن ثقة المواطن التونسي حينها إلا في صاحب البدلة العسكرية فقط، وقد كان التونسيون يقبضون على كلّ من يحمل سلاحًا وحتّى من يرتدي لباس الشرطة ويسلّمونه للجيش، الذي كان كلّما مرت مركّباته في شوارع المدن، يهتف الأطفال: "يحيا الجيش".

ويذكر التونسيون انتشار عادة تقديم الورود لأفراد الجيش سنة 2011 في حملة شعبية عفوية، تعبيرًا عن الشكر والعرفان لجيش لم يوجّه سلاحه ضد المواطنين. وزادت حظوة المؤسسة العسكرية لدى التونسيين أكثر، حينما تداولت وسائل الإعلام أيام الثورة أن قائد أركان جيش البرّ رشيد عمّار رفض أوامر بن علي لاستهداف المحتجّين بالرّصاص الحيّ، وهي أخبار تبيّن لاحقا عدم صحّتها، بل وتزايدت صورة انخراط الجيش في الحراك الثوري، خاصّة مع خروج عمّار نفسه الذي كان برتبة لواء في شهر شباط/فبراير 2011 للمحتجّين في ساحة القصبة، أمام مقرّ الحكومة، مؤكدًا وقوف الجيش إلى جانب الثورة وأهدافها. فقد كان عمّار "أقوى وأكثر الشخصيات شعبية في تونس"، كما كتبت وقتها صحيفة نيويورك تايمز.

وتصاعد نفوذ الجيش تباعًا بتعيين قيادات عسكرية سنة 2011 في مناصب أمنية مثل مدير الأمن الوطني وقائد الحرس ومدير الجمارك، بل تولّت قيادات عسكرية المحافظات لأوّل مرّة، وهو ما لم يتمّ في عهد بن علي، ولكن لم يدم هذا الوضع كثيرًا، حيث عادت تباعًا الأمور لنصابها، حيث العسكريون في المناصب العسكرية، والأمنيون في المناصب الأمنية، والمدنيون في مراكز المحافظين.

صعود رشيد عمّار واستقالته

في الأثناء، لم تظلّ علاقة جزء من الطبقة السياسية الصاعدة بعد الثورة إضافة للحقوقيين نقيّة مع الجيش، وذلك على خلفية تعامل المحاكم العسكرية مع قضايا شهداء الثورة وجرحاها. حيث رغم صدور عديد الأحكام القضائية ضد بن علي وبعض القيادات الأمنية، تمّ تباعًا الإفراج عن الموقوفين من المسؤولين، فيما ظلّ بعض الأعوان الأمنيين ككبش فداء، ويوجد اعتقاد لدى أغلبية الحقوقيين أنه توجد صفقة خفيّة بين الجيش والداخلية، حالت دون محاسبة القتلة الحقيقيين.

عمل بن علي على تصفية قادة الجيش والعسكريين الذين خشي من أن يمثلوا تهديدًا لحكمه، أو أن يقودوا انقلابًا كانقلابه على بورقيبة

كما انكشفت بداية سنة 2012، العلاقة المتوترة بين قائد الجيش رشيد عمار ورئيس الجمهورية المسمى قائدًا أعلى للقوات المسلحة، المنصف المرزوقي، والذي كان يعتقد أن عمّار يتجاهله في شؤون الجيش. وبلغ التوتّر أشدّه بين الرّجلين بعد ترحيل رئيس الحكومة الليبية في عهد القذافي، البغدادي المحمودي، في حزيران/يونيو 2012، بأمر من رئيس الحكومة حمادي الجبالي دون موافقة المرزوقي، وذلك في أزمة كانت ستعصف بالتحالف الحكومي وقتها. حيث لم يعلم المرزوقي بترحيل المحمودي إلا في وقت متأخر فيما لم يعلمه عمّار بذلك.

اقرأ/ي أيضًا: 4 نقاط تشابه بين عهدي بورقيبة والسبسي.. فهل يكرر التاريخ نفسه؟

وحينما أعاد المرزوقي الاعتبار لعسكريي قضية براكة السّاحل، وقدّم اعتذارًا إليهم باسم الدّولة، لم يكن رشيد عمار داعمًا لهذه الخطوة، وهو الذي تعامل مع هؤلاء العسكريين المعزولين طيلة سنوات كمجرمين. والحقيقة أن علاقة عمّار بقضية براكة الساحل تعود لزمن الواقعة نفسها، حينا كان عمّار قائدًا للشّرطة العسكرية، إذ يتّهمه العسكريون المعزولون بأنّه تآمر مع بن علي ضدّهم.

ولكن الأهمّ أنّ سمعة عمّار داخل الجيش لم تكن على ما يُرام طيلة فترة خدمته، وسبق وأن تحدث النائب المنتخب حديثًا ياسين العياري، وهو ابن العقيد الطاهر العياري، الذي قُتل في عملية إرهابية في 2011، في كثير من المناسبات عن ذلك، باعتبار أن العياري مطلّع على الكواليس داخل الجيش.

ويوجد اعتقاد لدى قطاع واسع من العسكريين في كواليس الجيش أن عمّار، وهو أصيل منطقة السّاحل، سيطر مع القيادات العليا من أصيلي نفس المنطقة، على المؤسسة العسكرية طيلة العقود الأخيرة، وتعامل بمنطق جهوي وبمدى الولاء له في زمن إدارته. في هذا الجانب، قال عميد متقاعد في الجيش في مقابلة ضمّنها تقرير لمركز كارنيغي: "إذا كنت من القيروان أو قفصة أو الكاف، فأنت ​​ضابط متوسط فقط. ولكن إذا كنت من منطقة الساحل، لديك فرصة كبيرة للترقية بسرعة أكبر". بالنهاية يُمكن القول إن عمار لم يكن رجلًا ملاكًا.

عمل المرزوقي في الأثناء على ممارسة صلاحياته في مواجهة عمّار الذي بدا محميّا من حركة النهضة، فعيّن المرزوقي مستشارًا عسكريًا من غير دائرة عمّار، وأحيا مجلس الأمن القومي، ويبدو أن رشيد عمّار لم يجد بدًا غير تقديم استقالته في حزيران/يونيو 2013، وهي استقالة قال عنها المرزوقي لاحقًا إنها جعلته يشعر بالخطر خاصة مع تزامنها مع إرهاصات الانقلاب في مصر، والدعوات المعلنة في تونس لتدخل الجيش.

وقد عيّن وقتها المرزوقي الجنرال محمد صالح الحامدي قائدًا للقوات البرية، فيما ظلّ من وقتها وإلى اليوم، منصب قائد أركان الجيوش الثلاثة شاغرًا، وهو ما زاد تباعًا في انكفاء الدور السياسي المحتمل للجيش. والحامدي المعيّن هو ملحق عسكري سابق في ليبيا، وأصيل مدينة سيدي بوزيد مهد الثورة، وكان محبوبًا بين العسكريين، غير أن بقاءه في الجيش لم يدم إلا سنة واحدة حيث استقال من منصبه في يوليو/تموز 2014 لأسباب شخصية لازالت لليوم غامضة، ولكن يرجّح أنها جاءت ردّة فعل على عملية إرهابية استهدفت قوات الجيش في جبل الشعانبي.

الجيش.. المؤسسة الأكثر موثوقية عند التونسيين

ضبط دستور 2014 دور الجيش المفترض في أي نظام ديمقراطي، حيث اعتبر دستور الثورة، الجيشَ جمهوريًا، "مُلزمًا بالحياد التّام، ويدعم السلطات المدنية". وإن منح الدستور للقوات الأمنية حق ممارسة العمل النقابي، فقد منعه صراحة على الجيش، لضمان بقائه بعيدًا عن التجاذبات السياسية. بذلك ظلّ الجيش خاصة بعد نجاح الحوار الوطني بتنظيم الانتخابات العامّة نهاية 2014؛ مؤسسة بعيدة عن الأضواء والصّخب السّياسي، ومحلّ إجماع بين الفرقاء، وتؤكد مختلف استطلاعات الرّأي أنّ التونسيين يثقون في الجيش أكثر من أي مؤسسة أخرى.

في الواقع، زادت مكانة الجيش تباعًا في وجدان التّونسيين، خاصة لدوره في التصدّي للعمليات الإرهابية، وهو الذي قدّم العشرات من أبنائه في هذه العمليات، وذلك بالإضافة إلى تجنّده لمساعدة المواطنين خلال الأحداث الطبيعية وتحديدا موجات البرد في الشمال الغربي في السنوات الأخيرة. بل وتتأكد مكانة الجيش حينما يقارن التونسيون بين جيشهم وما فعلته الجيوش في مصر وسوريا وغيرها من البلدان العربية من جرائم تجاه مواطنيها.

بالتزام الجيش التونسي بدوره الدستوري رغم الانقلابات في المنطقة ومع تصديه للعمليات الإرهابية؛ زادت مكانته في وجدان التونسيين

استفاد الجيش بدوره من الثورة في تونس، حيث زاد تسلّحًا وارتفعت ميزانيته مع تصاعد الخطر الإرهابي، كما ارتفعت رواتب العسكريين بشكل لافت بعد غبن لعقود، ولذلك لا يتحسّر الجوّ العامّ داخل الجيش على الماضي، ربّما على خلاف الجوّ العام في الدّاخلية التي تراجع تغوّلها بحكم الثّورة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مأساة العميد كردون.. لما اُغتيل شرف الجيش التونسي!

رشيد عمار.. تفجير السردية التونسية