17-أغسطس-2022
قصر الجم المعهد الوطني للتراث

يجب على تونس أن تذهب إلى توأمة ثقافية حقيقية بين المنتزه الأثري بروما بإيطاليا وموقع الجم (المعهد الوطني للتراث)

 

ثمة أماكن في تونس تشعرك بأن الوجود نوعيّة تشبه الأبدية، وأن الزمان الذي راكمته عبر الحقب والدهور هو قيمة ومعنى وطاقة إنسانية بإيقاع واحد ونواة واحدة مسكونة بالكون الشامل وهواجس الشعر والشعرية، بل هو حبة خرز في عقد أميرة إحدى المملكات الغابرة.. هي أماكن مترعة بالتاريخ حد الثمالة، فتتحول اللغة في حضرتها إلى نهر من الإيحاء والبلاغة النادرة التي تحسن ملاعبة الذات والتاريخ في الآن نفسه، فيتجلى المكان زخارف من الانبهار والتيه والشعورية الصميمة المستمدة من صمت الصخور.

كانت الجم أو "تيسدروس" مدينة أمازيغية صغيرة ثم قرطاجنية بعد الغزو الفينيقي لشمال إفريقيا، وأصبحت مدينة رومانية ثرية معروفة بلوحاتها الفسيفسائية

هذه الأماكن التاريخية من مدن ومواقع ومعالم أثرية منتشرة على طول جغرافيا البلاد التونسية من الشمال إلى الجنوب، هي نصوص مفتوحة على المستقبل، فلا تدركه وتلتفت إلى الماضي ولا تدركه، نراها ونلمس حجارتها لكنها تظل بعيدة المنال وعصية على الفهم كنص ديني قديم، أو تميمة طوارقية ضاعت في وادي أسفل الصحراء الخرافية، إنها إمكان حضور مخاتل لا غير، يحاول المؤرخون في كل مرة الإمساك به بأدوات العلم والمعرفة، لكن أسرار المكان المتجددة أعتى من كل شيء.

لكل مكان أثري في تونس لغته الجمالية وملامح المقدرة العالية لبناته ومشيّديه ومعمّريه على مطلق التّخييل في مواجهة الفناء بحثًا عن الخلود والأبدية. ومن هذه الأماكن الجذابة والمدوّخة نجد مدينة "الجم" أو "تيسدروس" التي كانت مدينة أمازيغية صغيرة ثم قرطاجنية بعد الغزو الفينيقي لشمال إفريقيا، لتعرف تطورًا كبيرًا في الفترة الرومانية التي امتدت من 31 ق.م إلى 476 م، وتحديدًا في فترة ممثل الإمبراطور في أفريكا الرومانية "غورديان الأول" (159 م) حيث اشتهرت المدينة بالفلاحة والتجارة وخاصة زراعة الزيتون والبقول وبيع المجففات. 

 

تتجاوز طاقة استيعاب المسرح في بعض العروض حوالي 35 ألف متفرّج (المعهد الوطني للتراث)

 

كما عرفت الجم بتصدير الأسماك المجففة والحبوب والاتجار في مجال الحرف والحجارة الجيرية المصقولة وخاصة اللوحات الفسيفسائية التي كانت ترسل خصيصًا إلى القصور الإمبراطورية بروما وأثينا. وهكذا أصبحت الجم مدينة رومانية ثرية وبقيت تابعة إداريًا لمقاطعة "بيزاسان". وتشكلت بمرور السنوات طبقة من الأغنياء نما لديهم شعور بالمركزية ورغبة في الاستقلال عن مركز الحكم الروماني في روما فكانوا يوعزون للحكام بالانفصال، لكنّ هذه الرغبة أصبحت طافحة وصريحة في ظل حاكم إفريقيا "غورديان الأول" فدعوه بشدة إلى الانفصال وجعل الجم عاصمة للإمبراطورية الجديدة، ومن ثمة بسط النفوذ على كامل إفريقيا، لكنه كان مترددًا ولم يستطع فعل شيء، بل تقول كتب التاريخ إنه مات منتحرًا بمنزله بقرطاج عندما علم بهجوم نوميدي وشيك على قصره من أجل استرجاع الأرض التي احتلها الرومان.

توقفت الجم عن إرسال المنتوجات الفلاحية والحرفية إلى روما قبل أن تعلن استقلالها عنها في عهد "غورديان الثاني"

لكن وفي الليلة الفاصلة لتولّي "غورديان الثاني" حكم إفريقيا خلفًا لـ"غورديان الأول"، كان القمر مكتملًا وفضته سائلة على كامل سهول المهدية وتخوم جبال القيروان. طال السّهاد الحاكم الجديد الذي لم يكحل النوم جفنيه. كانت رأسه مزدحمة بالأحلام والقرارات المصيرية وكان مسكونًا بالطلب القديم لمدينة تيسدروس.

وقف في شرفة قصره بالجم وأومأ لحرسه وطلب منهم لقاء زمرة السياسيين المتنفذين والأثرياء البارزين لمناقشة أمر طارئ. حضروا فجرًا على جناح السرعة وحثوا الحاكم الجديد "غورديان الثاني" على اتخاد قرار الاستقلال. ومع صبيحة ذلك اليوم، حصلت انتفاضة شعبية مدبرة، وتوقف الساسة الجدد عن إرسال المنتوجات الفلاحية والحرفية إلى روما وحصلت القطيعة، فاستقلت على إثرها المدينة عن روما وتحقق حلم الجميّين، لكن الحلم الأكبر وهو التوسع على كامل إفريقيا فقد بقي طيّ الحلم. 

 

تدخّل "غورديان الثاني" في اجتماعات مهندسي قصر الجم ووجههم في اتجاه الفرادة والجمال الخالد (المعهد الوطني للتراث)

 

وخلال الانتفاضة الشعبية والسياسية، ضمت "الجم" أو "تيسدروس" المدينة الأقرب إليها جغرافيا وهي "باراروس" التي تبعد حوالي 13 كيلومترًا والتي تسمى حاليًا "رقة" والتي يوجد بها صرح أثري مازال قائمًا إلى اليوم وهو خزانات تحت أرضية لمياه الشرب وذلك حتى تضمن لنفسها السيادة المطلقة بعيدًا عن روما، وقد صنف المختصون في الآثار الرومانية خزانات "باراروس" بأنها الأضخم بعد خزانات "المعلقة" بقرطاج.

وكي تثبت الجم قوتها واستقرارها السياسي ورخاءها الاقتصادي، قرر حاكمها "غورديان الثاني" سنة 238 م بناء مسرح (كولوسيوم) على شاكلة مسرح روما الكبير، وكان له ذلك خاصة وأن مقاطع الحجارة الجيرية تعد قريبة من المدينة وموجودة بكثرة في الهضاب والجبال المجاورة.

قرر "غورديان الثاني" سنة 238 م بناء مسرح (كولوسيوم) على شاكلة مسرح روما الكبير فأصبح أجمل من نظيره في روما، والوحيد في إفريقيا بأكملها

كان "غورديان الثاني" على علم بالأخطاء التي ارتكبها المهندسون الذين بنوا (كولوسيوم) روما، لذلك تدخل في اجتماعات مهندسي قصر الجم ووجههم في اتجاه الفرادة والجمال الخالد وكان له ما أراد. ليكون هذا الكولوسيوم بيضاوي الشكل، أجمل من نظيره في روما، والوحيد في إفريقيا بأكملها، أبعاده الخارجية 148 مترًا و122 مترًا وأبعاد حلبته 65 مترًا و39 مترًا ويصل ارتفاع واجهته 36 مترًا، أما طاقة استيعابه فقد تتجاوز في بعض العروض حوالي 35 ألف متفرّج.

المسرح العظيم يوجد به طابق تحت أرضي يحتوي على ممرات وغرف منفصلة يفتح بعضها على الحلبة الكبرى حيث كانت تجرى منافسات سباقات العربات الخشبية ولقاءات المصارعة بين المجالدين من البشر وخاصة بين أسرى الحروب وبين الجنود المتنافسين وبين المصارعين من البشر والحيوانات مثل السباع والأسود الإفريقية التي كانت تعيش في الغابات التونسية في ذلك الوقت.

 

يوجد بالمسرح طابق تحت أرضي يحتوي على ممرات وغرف منفصلة يفتح بعضها على الحلبة الكبرى (المعهد الوطني للتراث)

 

كما كان سكان "تيسدروس" يقيمون اجتماعاتهم السياسية واحتفالاتهم الدينية بالكولوسيوم تمامًا كما كان يحدث في روما، وكانت هناك أماكن مخصصة للنبلاء والأثرياء والقادة العسكريين مازالت أطلالها قائمة في القصر إلى اليوم.

قصر الجم الفريد الذي صنفته منظمة اليونسكو سنة 1979 على لائحة التراث الإنساني والذي تعتبره تونس كنزًا من كنوزها الأثرية الهامة، عرف على مرّ الأزمان اعتداءات عديدة شوّهت جماله واعتدت على خصوصياته المعمارية وكان الاعتداء الأول عندما احتمت به الأميرة والقائدة البربرية "ديهيا بنت تابنة" الملقبة بـ"الكاهنة البربرية" خليفة الملك كسيلة، خلال معركتها مع الفاتحين الإسلاميين التي دامت أربع سنوات كاملة وانتهت بهزيمتها أمام جيش حسان بن النعمان الغساني مع بداية القرن الثامن ميلادي، وتمت إزاحتها من حكمها الذي دام 35 سنة. وسمي المسرح لفترة طويلة بقصر الكاهنة.

عرف قصر الجم على مرّ الأزمان اعتداءات عديدة شوّهت جماله واعتدت على خصوصياته المعمارية من بينها اعتداء الكاهنة البربرية عليه

 أما الاعتداء الثاني فكان سنة 1695 خلال الحكم المرادي لتونس حيث قام الباي محمد الثاني بمطاردة معارضيه من الذين ثاروا على حكمه واحتموا بقصر الجم حيث أمر بهدم الجانب الغربي بعد إخماد الثورة وذلك حتى لا يتحصّن به أحد في المستقبل.

أما الاعتداء الثالث فكان في النصف الأول من القرن العشرين وذلك خلال الحرب العالمية الثانية حيث تعرض المدرّج لقصف مدفعية متبادل بين جيوش المحور والحلفاء تسبب في هدم الجهة الشمالية وجزء كبير من المدارج.

 

قصر الجم صنفته منظمة اليونسكو سنة 1979 على لائحة التراث الإنساني (المعهد الوطني للتراث)

 

ورغم كل تلك الاعتداءات، فإن القصر مازال محافظًا على أبّهته وجمال عمارته وهي شامة جميلة على وجه مدينة الجم ورمز من رموز السياحة الثقافية في تونس وشاهد على تاريخ طويل يمتد لأكثر من 1800 سنة.

مدينة الجم بمختلف مكوناتها التاريخية وخاصة الرومانية: مدرجها المهيب (مسرح الكولوسيوم) ومحيطه الأثري الباذخ، الشاهد على أرستقراطية تلك الحقبة (المتحف أو دار أفريكا ودار الجم..) حاولت استغلال هذا المعلم الأثري من خلال إحداث عدة أنشطة ثقافية وترفيهية على غرار مهرجان الجم الدولي للموسيقى السمفونية الذي استقبل على مر دوراته أهم الفرق السمفونية في العالم مثل "أوركسترا أوبرا فيانا". لكن يبقى ذلك نزر قليل من الإمكانيات التراثية المتاحة بالجم والتي وجب على الدولة التونسية توظيفها على الوجه الأكمل بوضع خطط الترويج الثقافي والسياحي وخاصة في مستوى الذهاب إلى توأمة ثقافية حقيقية بين المنتزه الأثري بروما بإيطاليا، وموقع الجم للتشابه الكبير بينها والقصص التاريخية المشتركة.

 


 المراجع:

  • "مدن وهياكل مقاطعة إفريقيا الرومانية" لعمار المحجوبي، مركز النشر الجامعي، تونس، 2000.
  • "روما في إفريقيا من سقوط قرطاج إلى بدايات الفتح العربي" كريستوف هوغونيوت، فلاماريون، باريس.
  • موقع المعهد الوطني للتراث (وزارة الشؤون الثقافية، تونس).