07-ديسمبر-2022
الاقتصاد الموازي

البنك الدولي: "نصف اليد العاملة في تونس تعمل في القطاع الموازي" (فتحي بلعيد/ أ.ف.ب)

 

وأنت تجوب شوارع تونس العاصمة، ليس بعيدًا عن مقرّ بلدية تونس المتاخمة لقصر الحكومة التونسية بالقصبة وما حولها من وزارات سيادية، لا بدّ أن تتعطّل خطواتك وأنت تحاول اجتياز عربات وبسطات الباعة المتجوّلين الذين يعرضون سلعهم المختلفة الأصناف والأشكال على جادات الطريق، مرددين عبارات بقوافيَ خيّل إليهم أنها متناغمة لشدّ المارة: "فرصة لا تعاد يا مدام سعاد" "إيجا منّا ذوق البنّة" "تيتا تي يا مادام وقتاش تجي يا مادام".. وغيرها من الأهازيج.

سلعٌ معروضة منها ما يؤكل من شوكولاتة وبسكويت وحلويات طبع عليها رقم التصدير الجزائري، وما يُلبس من ثياب وأحذية مقلدة، فضلًا عن مستحضرات تجميل تحمل شعارات مزوّرة لأكبر الماركات باهظة الأسعار لكنك تجدها في بسطات أنهج العاصمة بدينارين أو ثلاثة.

  • "نصف اليد العاملة في تونس تعمل في القطاع الموازي"

ولئن تعددت التشكيات وانتظمت الحملات، في أكثر من مناسبة، للتصدي لهؤلاء الباعة ووضع حد للاقتصاد الموازي بشكل عام، إلا أن الأزمة ما انفكت تتفاقم، بل إن أرقام ممتهني التجارة الموازية في تصاعد مطرد، وهو ما أكده البنك الدولي في تقرير أعده مؤخرًا حول "مشهد التشغيل في تونس"، الذي أفاد بأن نصف اليد العاملة في تونس تعمل في القطاع الموازي.

لئن تعددت التشكيات للتصدي للباعة المتجولين ووضع حد للاقتصاد الموازي بشكل عام، إلا أن الأزمة ما انفكت تتفاقم وأرقام ممتهني التجارة الموازية ما فتئت تتصاعد

وكشف التقرير أن من بين 2,8 مليون مشتغل في القطاع الخاص يشتغل 1,55 مليون شخص في القطاع الموازي أي بنسبة تقارب 43,9%، وذلك استنادًا إلى إحصائيات 2019، وفق ما نقلته وكالة تونس إفريقيا للأنباء (الوكالة الرسمية) الثلاثاء 6 ديسمبر/كانون الأول 2022.

محمد (35 عامًا)، صاحب شهادة عليا معطّل عن العمل، لجأ إلى بيع مواد التجميل المقلّدة في سوق سيدي بومنديل بتونس العاصمة، بعد أن تقاذفته رياح البطالة لقرابة عقدٍ من الزمن. يقول لـ"الترا تونس": "وجدتُ نفسي مضطرًا للعمل تحت مظلّة الاقتصاد الموازي.. لأنني لو لم أفعل لمتّ جوعًا في ظلّ عدم توفر مواطن شغل".

البنك الدولي: من بين 2,8 مليون مشتغل في القطاع الخاص في تونس هناك 1,55 مليون شخص يشتغلون في القطاع الموازي أي بنسبة تقارب 43,9%

يفسّر محمد، في حديثه معنا، أنه انتظر أن يتم إسعافه بالانتداب في الوظيفة العمومية في إطار القانون عدد 38 المتعلق بتشغيل من طالت بطالته والذي تم إلغاؤه سابقًا من قبل الرئيس التونسي قيس سعيّد، ولمّا تبخّرت آماله في الانتداب، جرّب الاشتغال بأحد معامل صنع معدّات إلكترونية، لكنه سرعان ما غادره: "كيف لي أن أقبل العمل مقابل أجر لا يصل عتبة الـ500 دينار، والحال أن عدد ساعات العمل في اليوم يتجاوز الـ8 ساعات؟". ومن هنا بدأ محمد التفكير في امتهان التجارة الموازية "هروبًا من العطالة والحاجة، حتى لو كان ذلك بإلقاء نفسه أمام ريسك المطاردات الأمنية الفجئية"، وفق ما يرويه لنا. 

  • "الاقتصاد الموازي هربًا من شبح البطالة"

ولا تختلف قصة محمد عن كثيرين خيّروا اللجوء إلى العمل غير المنظم لأن لا موطن شغل لهم، خاصة بالنسبة لأصحاب الشهائد العليا. وقد أكد ممثل البنك الدولي في تونس ألكسندر أروبيو، وفق ما نقلته عنه الوكالة الرسمية، أن "تقرير البنك الدولي كشف معدل بطالة مرتفعًا للغاية بين شباب خريجي الجامعات خاصة منهم من لا يتمتعون بتخصصات في الهندسة أو الاختصاصات الفنية العليا".

صاحب شهادة عليا معطل عن العمل لـ"الترا تونس": وجدتُ نفسي مضطرًا للعمل تحت مظلّة الاقتصاد الموازي.. لأنني لو لم أفعل لمتّ جوعًا في ظلّ عدم توفر مواطن شغل

وقد بينت آخر المعطيات التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء، في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، حول مؤشرات التشغيل والبطالة للثلاثي الثالث من سنة 2022 أن نسبة البطالة في تونس تقدر بـ 15.3%، إذ بلغ عدد العاطلين عن العمل نحو 613.6 ألف.  

صورة
(المعهد الوطني للإحصاء)

 

وأظهرت البيانات ذاتها أن "نسبة البطالة بين حاملي الشهائد العليا ارتفعت لتصل إلى 24.3% خلال الثلاثي الثالث من سنة 2022، مقابل 22.8% خلال الثلاثي الثاني من السنة ذاتها. وتقدر هذه النسبة لدى الذكور بـ15.2% مقابل 32% في صفوف الإناث.

صورة
(المعهد الوطني للإحصاء)

 

وبالنسبة للرجال، ارتفعت نسبة البطالة لتبلغ 13.2% مقابل 13.1% خلال الثلاثي الثاني من العام ذاته، في حين تراجعت نسبة البطالة بالنسبة للنساء لتبلغ 20.4% خلال الثلاثي الثالث لسنة 2022 مقابل 20.5% خلال الثلاثي الثاني لنفس السنة، وفق البيانات ذاتها.

المعهد الوطني للإحصاء: نسبة البطالة بين حاملي الشهائد العليا ارتفعت لتصل إلى 24.3% خلال الثلاثي الثالث من سنة 2022، مقابل 22.8% خلال الثلاثي الثاني من السنة ذاتها

وبلغ عدد المشتغلين 3398.1 ألفًا في الثلاثي الثالث لسنة 2022 مقابل 3454.4 ألفًا خلال الثلاثي الثاني من نفس السنة أي بانخفاض قدره 56.3 ألفًا. ويتوزع عدد المشتغلين بين 2464 ألفًا من الذكور  و934.1 ألفًا من الإناث.

صورة
(المعهد الوطني للإحصاء)

 

  • أزمة الاقتصاد المهيكل وقودٌ للاقتصاد الموازي

وفي دراسة صدرت عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في فيفري/شباط 2022، حول القطاع الموازي في تونس وانعكاساته السلبية على الاقتصاد التونسي، شهدت حصة الاقتصاد الموازي في تونس من الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعًا من 30% قبل 2011، إلى 53% في السنوات الموالية للثورة.

وخلصت الدراسة ذاته إلى أن الاقتصاد الموازي يتطور عمومًا عندما يكون الاقتصاد المهيكل في حالة أزمة، وأنه في المقابل عندما ينمو القطاع المنظم، يتقلص القطاع الموازي وتتناقص أهميته. كما أشارت إلى أن للاقتصاد الموازي ارتباطًا وثيقًا إلى حد ما بمستوى الفقر في البلاد، مستشهدة في ذلك بمثاليْ البلدان المتقدمة التي تكون فيها حصة الاقتصاد الموزاي في الناتج المحلي الإجمالي ضعيفة ونادرًا ما تتجاوز 10%، وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء في المقابل التي يمكن أن تصل فيها حصة الاقتصاد الموازي إلى مستوى 50 أو 60% من الناتج المحلي الإجمالي.

منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية: الاقتصاد الموازي يتطور عمومًا عندما يكون الاقتصاد المهيكل في حالة أزمة كما أن له ارتباطًا وثيقًا بمستوى الفقر في البلاد فكلما ارتفعت نسبة الفقر ازدهر الاقتصاد الموازي

وبالحديث عن الفقر، يشار إلى أنه كان قد ورد في مقال نشر في مدونة البنك الدولي، في جويلية/يوليو 2022، أنه "إذا استمر ارتفاع الأسعار في الأشهر المتبقية من عام 2022 بنفس الوتيرة التي كانت عليها في أشهره الأولى، واستمر الدعم قائماً، فإن معدل الفقر في تونس سيزداد بمقدار 2.2 نقطة مئوية وستتفاقم مستويات التفاوت وعدم المساواة إلى حد ما، إذ سيرتفع مؤشر جيني من 32.82 إلى 32.9".

وتشير التقديرات وفق المقال الذي جاء تحت عنوان "ارتفاع معدل التضخم وأثره على أوضاع الفقر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" والذي نشر  بتاريخ 30 جوان/ يونيو 2022، إلى أن زيادة الأسعار العالمية أدت إلى ارتفاع معدل الفقر بمقدار 1.1 نقطة مئوية، وقد تم التخفيف من أثر ذلك على الأسر المعيشية من خلال دعم المواد الغذائية ومنتجات الطاقة.

وللإشارة فإنه وفق آخر إحصائيات صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء، في 5 ديسمبر/ كانون الأول 2022، فإنّ نسبة التضخم سجلت ارتفاعًا في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2022 لتصل إلى مستوى 9.8% بعد أن كانت 9.2% خلال الشهر السابق، وهي نسبة في تصاعد متواصل منذ أشهر.