عفوًا انتهى رصيدكم النضاليّ

عفوًا انتهى رصيدكم النضاليّ

يحقّ للمناضل أن يتطوّر في مواقفه ولكن لا يليق أن ينقلب على "هُوّيته النضاليّة" (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

مقال رأي

 

تبدو كلمة "رصيد" وثيقة الصلة بالمجال الماليّ، وتعني في أبسط تعريفاتها الأموال التي يتمّ إيداعها في البنوك في شكل حسابات جارية، هذه الكلمة استعارتها حقول نفسيّة وتواصليّة وعلميّة ورياضيّة، فأصبحنا نتحدّث عن الرصيد العاطفيّ والرصيد الاجتماعيّ والرصيد الهاتفيّ والرصيد الفكريّ ورصيد النقاط في بعض الأنشطة الرياضيّة.

أباحت لنا التّوليفات اللغويّة والتشقيقات الاصطلاحيّة والمفهوميّة المتولّدة عن كلمة رصيد الحديثَ عن أرصدة أخرى منها الرصيد الاعتباريّ الرمزيّ عامّة و"الرصيد النضاليّ" خاصّة، هذا المشغل تحثُّنا على معالجته وإبداء الرأي فيه دوافع عديدة متنوّعة نذكر منها ثلاثة:

الأوّل سياقيّ سياسيّ يتمثّل في تواصل أصداء ثورة الحريّة والكرامة وقضاياها في خطابات التونسيين واختياراتهم ومراجعاتهم، وفي صدارتها مسألة النّضال في عهد الاستبداد وسبل ضبطه وفرزه وتصنيفه وتثمينه. الدافع الثاني لغويّ تأصيليّ يرتبط بمصطلح النّضال في ذاته، فقد أصابته في ظلّ المهاترات والسّجالات أشكال شتّى من الخلط والتداخل والتّسطيح والتعقيد ممّا جعل توظيفه مستعصيًا أحيانًا مشبوهًا متهافتًا سخيفًا أحيانًا أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: طلاب قارعوا النظام لتغييره وانتهوا حراسًا لإدارته!

الدافع الثّالث للخوض في مسألة " الرصيد النضاليّ" عمليّ وظيفيّ يتمثّل في عرض مشروعِ مقاربة علميّة تساهم في الحدّ من سوء استعمال هذا المعيار في المجالات السياسيّة والتقييميّة والجزائيّة، وبذلك نحفظ للمناضلين منزلتهم التي تليق بهم في غير مغالطة وتزوير وتضخيم من جهة أو بَخْس ونُكران واستخفاف من جهة أخرى.

النضال لا دين له

لا يحقّ لأيّ جهة حزبيّة أو فكريّة أو إيديولوجيّة أن تحتكر فضيلة النّضال وتدّعي تفرّدها في مواجهة غطرسة النظام البائد، فالعديد من التيّارات السياسيّة والنقابيّة والمنظّمات الحقوقيّة والجمعيّات المدنيّة ساهمت في إرباك أجهزة الظلم والفساد والاستبداد في عهدي بورقيبة وبن علي. هذا المعطى يمثّل أوّل الضوابط النّضاليّة التي حَظِيَتْ بالإجماع منذ بداية الحَراك الثوريّ في ديسمبر/ كانون الأوّل 2010، فحَقَّ القول إنّ النّضال في تونس متعدّدة مرجعيّاته، فلا لون له ولا طائفة ولا دين، لكن هل يستوي في "الرصيد النضاليّ" الذين فقدوا حياتهم وأُسرهم والذين ضحّوا ببعض الامتيازات والترقيات واللّذين لم تتخطّ جراحُهم مجرّد طرد من المعهد بسبب المشاركة في احتجاجات تلمذيّة؟

لا يحقّ لأيّ جهة حزبيّة أو فكريّة أو إيديولوجيّة أن تحتكر فضيلة النّضال وتدّعي تفرّدها في مواجهة غطرسة النظام البائد

هذا التباين يحملنا إلى التذكير ببعض أدوات النضال وأساليبه، وهي الفعل والفكر والقول والمشاعر أو الصّمت، أي نعم، فللسّكوت عن مساندة الباطل والامتناع عن الوشاية ثمن في عهود المناشدة والدعاية. فقد "يكون الصمت شهادة على الواقع أبلغ من مخالفة الضّمير والشرف والأمانة" على حدّ تعبير المفكّر حسن حنفي في كتابه " قضايا معاصرة في فكرنا المعاصر" ( الطبعة الثانية، دار التنوير للطباعة والنّشر، بيروت- لبنان، 1983، ص23).

هذه المعطيات تبدو بسيطة بديهيّة قريبة إلى ثقافة الفقهاء والحكماء والبلغاء وحتّى العامّة والبسطاء، غير أنّها تمثّل مقدّمة ضروريّة لعرض بعض وجوه الاختلاف في تقييم درجات النضال ومراتبه، وقد بلغ هذا الاختلاف بعد الثورة أي في "مرحلة الغنيمة" درجة حادّة صاخبة أدركت حدّ التخوين والابتذال، وهو مشهد مثير لا يرجع فقط إلى التّدافع الإيديولوجيّ، إنّما يعود كذلك إلى أنّ مفاهيم النضال وأدواته ومقاصده التي يمكن التوافق عليها رسميًا أو ضمنيًا ستتحوّل إلى قاعدة تنبني على سَمْتِها سائر أشكال التثمين والتعويض المادّي والرّمزيّ.

للنهضة الرصيد النضاليّ الأوفر والتعويض الأكبر

من المعايير المعتمدة في قيس حجم النضال ودرجاته تِعداد الأضرار التي لحقت القادة والأنصار في عهود الظلم والحصار، فقد توخّى بورقيبة وبن علي في إيذاء المناضلين ألوانًا مختلفة متدرّجة حدّة وقَتَامة ودمويّة، هذه الممارسات تجسّدت قتلًا وتعذيبًا وترويعًا وسجنا ومطاردة وتهجيرًا وتجويعًا وتضييقًا وتشنيعًا.

أنصف المعيار الكَمّي والنوعيّ للأضرار التي أصابت المناضلين بعض التّيّارات الإسلاميّة واليساريّة، غير أنّ حركة النهضة نالت شهادة، "الرصيد النضاليّ الأوفر"، فقد تخطّى عدد شهدائها وفق العديد من التقارير الخمسينَ، أمّا المساجين المنتمون إليها أو المتعاطفون معها فقد ناهز عددهم الثلاثين ألفًا.

أَعْطِ المناضل تعويضاته قبل أن تُنسى عذاباته

سارعت الثورة في إنصاف جلّ من تصدّى للنّظام البائد، وعجّلت في مجازاة المعارض والمناهض والمقاوم، وأقبلت على إعطاء أجر فئة من الثّوار قبل أن يجفّ عرق المتظاهرين وحبر المدوّنين، وعُقدت بعضُ التّسويات قبل أن يضع المحقّقون والموثّقون النقاط على حروف التقارير الختاميّة حول عهود الاستبداد، ويمكن تصنيف هذه الأجور التي نالها المناضلون إلى أربعة أنواع:

الأوّل تشريعيّ، فقد نال العديد من المناضلين الشرفاء عفوًا تشريعيًا حرّرهم من ظلمة السجن وغياهب الأسر، ولئن استفاد من هذا القرار عدّة مجرمين وإرهابيين، فإنّ للسّياقات الثوريّة الحماسيّة أحكامُها التي تتعارض أحيانًا مع حسن التدبير، فإذا حضرت الحماسة غاب العقل، وطغت المبالغة، وهيمن التعميم، وتعطّلت لغة الاستثناء والتّنسيب، واحتجبت مناهج التصنيف والتبويب، ورغم ذلك يمكن أن نجد لهذا الانفلات التشريعيّ مبرّرات عميقة منها الاستناد إلى مبدأ "الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقاب".

سارعت الثورة في إنصاف جلّ من تصدّى للنّظام البائد وعجّلت في مجازاة المعارض والمناهض والمقاوم وأقبلت على إعطاء أجر فئة من الثّوار قبل أن يجفّ عرق المتظاهرين وحبر المدوّنين

الأجر الثاني الذي توّج مسيرة المناضلين اعتباريٌّ رمزيٌّ، فقد نال هؤلاء "المقاومون" كلّ آيات الاحترام والتعاطف والعرفان من السياسيين والإعلاميين والعامّة، فخُصّصت مساحات ثقافيّة لعرض تجاربهم والتّغنّي بمآثرهم، وأقبل الصحافيّون على محاورتهم و وإبراز تضحياتهم في إجلال وتأثّر حدّ البكاء في بعض المنوّعات، وزيّنت صدورهم النّياشين، ورفرفت فوق رؤوسهم حيثما حلّوا أعلام النصر و"التّمكين". ومن أوضح الأمثلة على ذلك حصول علي العريّض أحد زعماء حركة النهضة على وسام الجمهوريّة من قبل الرّئيس منصف المرزوقي في 27 جانفي/ كانون الثّاني 2014.

استطاب جلّ التونسيّون هذا الضرب من الاعتراف بالجميل، فما جزاء النضال إلّا الإحسان والتقدير والمدح والتبجيل، "فمِن جراح المناضلين وُلدنا" كما أنشد الشّاعر نزار قبّاني، ولم يشذّ عن هذا الانطباع إلّا مرضى الأفئدة والأمزجة "فمن يكن ذا فمٍ مُرٍّ مريض يجد مُرّا به الماءَ الزّلال"   .

الأجر الثالث سياسيّ، ومن آياته أن وظّف المناضلون تضحياتهم وجروحهم في حملاتهم الانتخابيّة في أوّل منافسة تشريعيّة سنة 2011، فطغت قصص الصبر والصمود على البرامج والوعود، فتمكّنت عدّة أحزاب بفضل هذه العنتريّات التي خالطتها بعض البكائيّات من ضمان مناصب مجزية. إذ صعدت أحزاب النهضة والتكتّل الديمقراطيّ من أجل العمل والحريّات والمؤتمر من أجل الجمهوريّة إلى الحكم، واحتكرت المناصب السياديّة والقياديّة، في المقابل تمكّنت بعض الأحزاب اليساريّة من الهيمنة على منبر المعارضة، فبدا صوتها أعلى من الحكومة والرئاسة بفضل المساندة الإعلاميّة والمعاضدة النقابيّة.

وظّف المناضلون تضحياتهم وجروحهم في حملاتهم الانتخابيّة في أوّل منافسة تشريعيّة سنة 2011 فطغت قصص الصبر والصمود على البرامج والوعود

اقرأ/ي أيضًا: نهاية حركة النهضة

الأجر الرابع مادّيّ، وقد تمثّل في التّعويضات التي رُصدت للمناضلين في إطار جبر الضرر وردّ الاعتبار، وبصرف النظر عن عدد المستفيدين من هذا الإجراء وانتماءاتهم ومنزلتهم الحزبيّة والتاريخيّة والرّمزيّة فقد أثار هذا اللّون منْ تثمينِ تضحيات المناضلين لَغَطًا كبيرا، أفضى إلى شعارات قاسية موجعة أخطرها عبارة "بقدّاش كيلو النضال"؟

لا شكّ أنّ هذا الشعار مرفوض مهما كانت دوافعه، فما به يكون الإنسان إنسانًا متى صودر أو انتُهك لا يعوّضه الجوهر واللؤلؤ والمرجان، لكن لو أعدنا النّظر كرّة ثانية متأنّية حقّ لنا من باب المسؤوليّة الفكريّة أن نعلن عن رأي قد يكون صادمًا بالنسبة إلى من لمس في كلامنا تضامنا مطلقا مع المناضلين أفرادًا وأحزابًا، هذا الرّأي مفاده أنّ الإسلاميين واليساريين قد فقدوا رصيدهم النضاليّ، وهو ما يمكن تفصيله في الفقرة الموالية بأسلوب صارم واضح أبعد ما يكون عن المواربة والمخاتلة.

حينما يتحوّل النضال إلى شهادة بلا رصيد

إنّ مَثل الرصيد النضاليّ كمثل الرصيد الماليّ يمكن أن ينموَ أو ينقص أو ينتهي، واستنادًا إلى هذا القياس حقّ لنا الإعلان عن رأينا النهائيّ مفصّلا من خلال النقاط التالية":

أوّلا: النضال يقتضي الثبات والالتزام، فمتى حاد المرء عن ثوابت العدل والحريّة والكرامة جاز أن تُسحب منه هذه الصفة، ولأنّ المُصالحة مثلًا وتعطيل محاسبة الجناة اختيارات سياسيّة وتشريعيّة تتعارض مع قيم العدل والإنصاف فإنّ "المتوّرطين" فيها مهما كانت دوافعهم قد فقدوا نقاطًا هامّة من رصيدهم النضاليّ.

ثانيا: يشترط النضال أن يتّصف صاحبه بالوطنيّة وتقديم المصالح العامّة على الفوائد الخاصّة، وتبعًا إلى ذلك فإنّ الأفراد والأحزاب الذين أبدوا ميلا إلى الإقصاء والاستئصال والنَّيل من شركائهم في المسار الثوريّ، هؤلاء، لا يحقّ لهم ادّعاء "الروح النضاليّة"، فالتنافس السياسيّ لا يبيح بأي حال من الأحوال النزعات الانقلابيّة والنّعرات الانتقاميّة.

ثالثا: يحقّ للمناضل أن يتطوّر في مواقفه، ولكن لا يليق أن ينقلب على "هُوّيته النضاليّة" حتّى لا يُنعت بالنفاق السياسيّ والازدواجيّة والتحيّل الانتخابيّ، فبأيّ حُجّة يواصل هذا الحزب ادّعاء النزعة التقدّميّة، وهو في تواطؤ مستمرّ معلَن وخفيّ مع بعض الرّجعيّات السياسيّة والدينيّة والثقافيّة، وبأيّ شريعة يستمرّ ذاك الحزب استثمار العاطفة الدينيّة، وهو منزاح عن جلّ ثوابتها وأصولها وفق ما يعلن عنه الأتباع والأنصار الذين فرّقتهم انطباعاتهم حول مواقف القيادة وجمعتهم ثقافة الاصطفاف حرصًا على ضمان التماسك والرّيادة؟ لكن هل ثمّة ما يبيح للمناضل الصادق الحرّ تحويل الفكر السّياسي وأنشطته إلى محطّاتٍ تلفيقيّة ومبادرات توافقيّة وتنازلات تكتيكيّة؟

النضال يقتضي الثبات والالتزام فمتى حاد المرء عن ثوابت العدل والحريّة والكرامة جاز أن تُسحب منه هذه الصفة

فصلُ المقال، نحن نُجِلّ تضحيات اليساريين والإسلاميين في زمن الاستبداد، ونتفهّم أحيانًا نزعتهم النّفعيّة البراغماتيّة في بعض الاختيارات والتصريحات، بيد أنّنا ندعوهم بلطف أخلاقيّ وفكريّ وسياسيّ ووطنيّ إلى الكفّ عن توظيف بطولاتهم القديمة المستهلكة وإعادة شحن رصيدهم النضاليّ من جديد بأفعال وأفكار تتناسب مع هموم التونسيّين ومشاغلهم في الحاضر والمستقبل، فيكون شعار المرحلة " أين أنت الآن في 2019" عوضا عن شعار "وين كنت قْبل 2011؟".

 

اقرأ/ي أيضًا:

يسار مفاوض حزبيًا و"ثوري" نقابيًا: ما وراء الأكمة؟

ديمقراطية بلا ديمقراطيين...