هؤلاء خلّصوا اللحية من الشبهة الإيديولوجية..

هؤلاء خلّصوا اللحية من الشبهة الإيديولوجية..

محل حلاقة في منطقة بن عروس (إمريك فولان/Nurphoto)

 

قصد بشير إحدى المدن الداخلية بعد أن تلقّى برقيّة تعيينه موظّفًا بدار الثقافة، لم يكن ينغص نشوته بهذه الوظيفة غير تفريطه في عوالم الحرية والانطلاق التي أتاحتها له أنشطته المسرحية والموسيقية والسينمائية في العاصمة.

عند نزوله من الحافلة وقبل أن يصل إلى مركز عمله تمّ اقتياده إلى مركز الشرطة، وقد كانت الأجواء الأمنية والسياسية متوترة في تلك الفترة التسعينية من القرن العشرين. لم يدم الاستجواب إلا بضع دقائق وبتدخّل من "سلطة الإشراف" وشهادتها تبيّن أن بشير صلته أبعد ما تكون عن السلفيين والجهاديين والإسلاميين عامة وما اللحية التي تكسو وجهه إلاّ مجرّد اختيار ذوقي جمالي.

لم يفرّط بشير في تلك اللحية رغم الحرج الذي واجهه، وظلّ متمسّكًا بها في مكتبه تمسّكًا أشبه ما يكون بالفعل النضالي ضد نمطيّة " الشكل الإداري"، ومقتضيات "المظهر اللائق" والبروتوكولات المعمول بها. قصّ عليَّ أحدهم هذه الحكاية فهممت في تلك الفترة بكتابة مقال يحمل شحنة احتجاجية عنوانه "لحية فنّان أم لحية إرهابي؟".

بعد الثورة في تونس، تحرّرت العقول والأقلام لكن الذوق العام ظل مشدودًا إلى ذاك الوصل النمطي بين "اللحية" والانتماء الإيديلوجي

ولأنّ حيّز حريّة التفكير والتعبير كان ضيّقاً لا يتّسع إلّا لمن بلغ ذروة التمرّد ومن ظفر بلون من ألوان الحماية الحقوقية عدلتُ عن تلك الفكرة ولا أشك في أنّ نفس الفكرة قد خامرت الكثيرين نظرًا إلى تواتر حالات الالتباس والخلط التي تسببت للعديد من الملتحين في الإحراج والتضييق.

بعد الثورة في تونس، تحرّرت العقول والأقلام لكن الذوق العام ظلّ مشدودًا إلى ذاك الوصل النمطي بين "اللحية" والانتماء الإيديلوجي، وقد ساهمت في هذا التوجّه جملة من العوامل الموضوعية في فترة حكم الترويكا، فقد هيمن السلفيون الملتحون المتشدّدون في الساحات الدعوية والاحتجاجية والسياسية وطغى حضورهم في الجمعيات ذات المنحى الاجتماعي والتضامني، وكان لبعض التكفيريين نصيب وفير من الحضور الإعلامي في الإذاعات والتلفزات.

بعد اغتيال الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي، وإثر تصنيف تنظيم أنصار الشريعة جماعة إرهابية تراجع حضور السلفيين بمختلف تياراتهم في المشهد العام التونسي، لكنّ اللحية ظلّت مظهرًا قائم الذات، وهو ما يدفعنا إلى مراجعة "تاريخية هذا الملمح" ودلالاته ورمزيته والعناصر المساهمة في تخليصه من "الشبهة الإيديولوجيّة".

اقرأ/ي أيضًا: "أبناؤكم في خدمتكم - دعاة تونس إلى الجهاد".. حفر في انتشار "الجهادية" بعد 2011

لحية تتجاذبها الماركسية والسلفية الدينية

في فترات المد الاشتراكي في الوطن العربي، كانت اللحية مُحيلة لدى جلّ الأنظمة العربية إلى اليسار عامة والفكر الشيوعي خاصة، فتحقّق التجاوز اللفظي والدلالي بين اللحية والماركسية نسبة إلى كارل ماركس عالم الاقتصاد الألماني الذي نظّر للفلسفة الماديّة والثوريّة، وكان يتّصف في ملامحه بلحيته الكثيفة حتّى تحوّلت هذه السمة في السبعينيات والثمانينات إلى آية من آيات الانتماء إلى أحد التيارات الاشتراكية.

في فترات المد الاشتراكي في الوطن العربي كانت اللحية مُحيلة لدى جلّ الأنظمة العربية إلى اليسار عامة والفكر الشيوعي خاصة

نظم الشاعر العراقي ليث الصندوق قصيدة من الشعر الحر وصل فيها وصلاً مثيرًا متميزًا بين اللحية والماركسية قال في بعض سطورها:

"يا لخيبة السكاكين والصحون

فقد كنتُ أحلمُ

أن تُظلّل لحية كارل ماركس المصطافين على الشواطئ

وأن تُخاط منها معاطف لأطفال الشوارع.."

بصرف النظر عن القيمة الجماليّة والقضايا التي يطرحها هذا المقطع الشعري يحقّ لنا القول إن اللحية قد كانت حمّالة في الذائقة العامّة والخاصّة لدلالة الانتماء إلى تيّار يساري يشدّ إليه فئة كبيرة من الشباب واليافعين والكهول ويعاديه طيف واسع من الإسلاميين ويتوجّس منه النظام خيفة.

في المقابل، كانت اللحية ولا تزال عند جلّ المتديّنين من علامات الالتزام بالسنة النبوية وإن اختلفوا في درجات الإباحة والوجوب، غير أنّها تحوّلت في "النظام البوليسي" في تونس في العقدين الأخيرين من القرن العشرين إلى آية تشدّد ومؤشّر من مؤشّرات التماهي مع التكفيريين، وقد ترجمت هذا التقييم بعض العبارات ذات المنحى الاستخباراتي من قبيل جريمة قام بها "شخص ملتح" أو "مجموعة من الملتحين" هذا التوصيف يجعل الجناية في ذهن المتلقي تنحو منحى إرهابيًا قبل النظر والتحقيق.

كانت اللحية ولا تزال عند جلّ المتديّنين من علامات الالتزام بالسنة النبوية غير أنّها تحوّلت في "النظام البوليسي" في العقدين الأخيرين إلى آية تشدّد ومؤشّر من مؤشّرات التماهي مع التكفيريين

في السنوات الأخيرة، حصلت تحوّلات سريعة في المشهد الثقافي والسياسي والذوقي ساهمت في تخليص اللحية من شبهة الانتماء الإيديولوجي، فقد تمكّن الإسلاميون في تونس من بلوغ أعلى هرم السلطة التشريعية وأحرزوا مراكز سيادية غير أنهم ظهروا "محلوقي اللحي"، والتزموا بالنواميس التي ميّزت الوزراء والقادة ورجال الدولة التونسية منذ الاستقلال. وبعيدًا عن القراءة التي تردّ الأمر إلى التقيّة وانتظار "التمكين" أو القراءة التي تميّز بين السلفيين والإسلام السياسي فإنّ المشهد في ذاته يدفع دفعًا نحو مراجعة التصورات النمطيّة حول اللحية.

اقرأ/ي أيضًا: صورة "البوليس" في الدراما التونسية.. من التلميع إلى التشنيع

اللحية حمّالة وجوهٍ

من العناصر الأخرى التي ساهمت في الانزياح الدلالي المرتبط باللحية تحوّلها إلى مظهر جمالي ساهم في الترويج له نجوم الفن والرياضة والإشهار ممّن لا تربطهم أيّ صلة بالأيديولوجيا اليسارية أو بالتديّن.

وقد زاد انشغال علماء الجمال والحلّاقين باللحية خلال العقد الأخير، فاهتموا بتصنيفها وتصفيفها وتبويبها وزرعها وتهذيبها حسب لون البشرة وشكل الوجه والملبس والمقام وغيرها من العناصر.

وتدعمّ المنحى الجمالي من خلال الحديث عن البعد الصحي لإعفاء اللحية، فهي وفق بعض الدراسات تحمي بشرة الوجه من سرطان الجلدة وتؤخّر ظهور التجاعيد في مستوى الخد، هذا فضلاً عن مزايا أخرى يستند فيها المروجون لها إلى تجارب وإحصائيّات تلقى آذانًا صاغية بصرف النظر عن مدى وجاهتها.

من العناصر التي ساهمت في الانزياح الدلالي المرتبط باللحية تحوّلها إلى مظهر جمالي ساهم في الترويج له نجوم الفن والرياضة والإشهار

حلق اللحية أو العناية بها تهذيبًا وتجميلاً نشاط لا يخلو فضلاً عمّا ذكرنا من أبعاد  مهنيّة وماديّة، فللحلاقين وخبراء التجميل نصيب ولمصانع آلات الحلاقة والمراهم نصيب، لذلك حقّ القول إنّ اللحية حمّالة أوجه اقتصادية وفنية وإيديولوجية وصحيّة وثقافية وغيرها.

وبالعودة إلى الأصول الدلاليّة لإطالة اللحية يمكن الإشارة إلى اقترانها في ثقافات عديدة بمعاني الحسن والجمال من جهة والحكمة والوقار من جهة ثانية كما يصرّ البعض على ربطها بالإثارة والكفاءة الجنسيّة.

نخلص من خلال هذه المعطيات إلى أنّ اللحية ليست مجرّد شعر ينبت للرجال في الذقن والخدين إنّما هو مظهر جسدي قد ارتقى على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين إلى قضيّة سجاليّة غذّت الخلافات والخصومات وأنتجت معايير تصنيفية بلغت أحيانًا درجات إقصائيّة وتنمّريّة نجا منها المجتمع بفضل الثورة الثقافيّة والذوقية التي كسرت الأنساق التقليدية، وكانت الكلمة الفصل في الأخير للمدنية والحرية الفردية. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

صورة اليسار التونسي في رواية "الطلياني".. نضالات وصراعات (2/1)

صورة اليسار التونسي في رواية "الطلياني".. نضالات وصراعات (2/2)