"نوبة".. حينما "تتبنى" الدراما "أطفال بورقيبة"

ياسمين الديماسي التي أدت شخصية "فرح" من "أطفال بورقيبة" في مسلسل "نوبة"

 

"أنا موافقة.. وراراراي (زغرودة).. وجدي بش يجي يخطبني.. أما بربي فمّا سؤال بركا محيّرني.. سؤال واحد.. من عند شكون بش تخطبني من عند شكون؟"، هي كلمات نطقتها إحدى الشخصيات في مسلسل "نوبة" للمخرج عبد الحميد بوشناق قد تبدو لك من الوهلة الأولى عادية، وقد يبدو لك السؤال عادًيا أيضًا، ولكن تعابير وجه شخصية "فرح" التي أدتها الممثلة ياسمين الديماسي تخبرك أنّ الأمر ليس عاديًا بالمرّة.

ارتباك يعلو محياها، ووجل يسكن عينها، ودمع يترقرق في مقلتيها لكنّها تأبى أن تحرّره، وصوت يغشوه الوجع، كانت هذه حالة "فرح"، وهي تفسر هروبها من الحديث عن الارتباط  إلى "وجدي" الذي أدى دوره الممثل عزيز الجبالي.

فتح مسلسل "نوبة" ملف "أطفال بورقيبة" وهم الأطفال فاقدو السند عبر شخصية "فرح" التي أدتها الممثلة ياسمين الديماسي

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "نوبة".. الحنين الأبدي إلى "المزود" بحبل درامي ساحر

وحينما يخبرها أنها كتومة ولا تفصح عن أيّة تفاصيل تخصّ حياتها، تنساب الكلمات من حلقها مبعثرة وغير مرتّبة لتروي وجع فتاة لا تعرف من أين أتت ولا كيف أتت، فتاة أمضت عمرًا في "أطفال بورقيبة"، وهم شريحة من الأطفال الذين لفظهم المجتمع وسُموا بهذا الإسم نسبة إلى الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة إذ خصّصت الدولة التونسية في عهده اعتمادات مهمة لتنشئتهم وإنشاء قرى متكاملة لإيوائهم عرفت باسم "قرى أطفال بورقيبة".

وكانت وسيلة بن عمار طليقة الرئيس الراحل بورقيبة قد بادرت عام 1958 بإحداث دار للرضيع لإيواء المواليد خارج إطار الزواج، ومع تنامي عدد هؤلاء الأطفال تأسس المركز الوطني لرعاية وحماية الطفولة عام 1971 الذي عهدت إليه مهمتي الدراسات البحثية بشأن الطفولة واستيعاب فاقدي الهوية والمولودين خارج إطار الزواج، وكلّ من لفظهم المجتمع.

كيف "تبنّت" الدراما أطفال بورقيبة"؟

في مسلسل "نوبة"، تتبنّى الدراما "أطفال بورقيبة" الذين لا يزالون إلى اليوم عرضة إلى النعوتات العنصرية التي يتفنن السواد الأعظم من المجتمع في تشكيلها للاعتداء بها على ذات إنسان لا ذنب له سوى أنّه وجد بين أفراد يحملون شعار "وتزر الوازرة وزر الأخرى".

"هيا نحكيلك.. شنوة تحب تعرف.. أنا فرح.. فرح بورقيبة.. أنا لاني بنت حسب لابنت نسب لاحتى حد.. مانعرف حد لابابا لا أمي لا حتّى حد.. أي واحد فيهم ينجم يكون أمي بابا .. أهوكا اغزرلو (انظر إليه) هذاكا برالو برالو (اذهب إليه) قلو جيتك خاطب راغب في بنت الحسب والنسب بالكشي بابا.. فما المرا متع الكاكي (المرأة التي تبيع الكعك المالح).. المرا متع الكاكي أنا وياها عنا نفس الخشم (أنف) امشيلها هزلها باكو قاطو (علبة مرطبات) وقلها جيتك خاطب راغب.. برا وجدي هذاكة يطلعشي خويا اللي واقف في الطاوس.. أنت وجدي ريت أنت تنجم تطلع خويا راهو .. بالحق تنجم تطلع خويا حاشا والديك أما نتصور راهم جابوا صغار أخرين أما هوما ما طيشوهمش .."، هكذا تحدّثت "فرح" عن نفسها وعن كينونتها وهويتها، هي لا تعلم شيئًا عن أهلها وذويها، ولا شيء يعرّفها سوى لقب "بورقيبة".

مشهد "فرح" في مسلسل "نوبة" وهي تتحدث عن طفولتها ومعاناتها

خطاب مرتبك يرشح حيرة ووجعًا وتعشش التساؤلات في كل تفاصيله، ويستبطن نظرة المجتمع لمن تؤويهم قرى الأطفال، ولكنّه لا يخلو منرغبة جامحة في إيجاد فرد من أفراد عائلتها وكأنّها تتفحّص كل الوجوه للبحث عن بصيص أمل في أنف يطابق أنفها، أو عينين تشبهان عينيها أو استدارة وجه تحاكي وجهها، أو أي تفصيل يحيي جذورها التي أيبسها المجتمع بأحكامه القاسية.

"حتى أنا راني عندي خواتي.. راهم يمشو يتفقدوهم في الليل وهوما راقدين.. يمشيو يغطيوهم ويحشيولهم (يضعون) صوابع ساقيهم تحت البطانية (الغطاء) بش ما يقرسوش (لا يشعرون بالبرد) راهم في آخر كل تريميستة (فصل دراسي) يصححولهم الكارني (دفتر الأعداد) ويعاقبوهم كان يطيحو في المعدّل.. أما أنا كنت الطفلة الصغيرة المشعشطة (ذات الشعر غير المرتب) والمعلالة (الضعيفة) وزيد لساني موذي وقبيحة ما استبناني حتى حد.. قعدت غادي (بقيت هناك) عشت في القرية ..". ولا ينتهي خطاب "فرح" عند الحديث عن كونها فتاة من أطفال بورقيبة بل يتعدّاه إلى تخيّل وضعية إخوتها لتعبّر من خلال الصور التي ترجمتها إلى كلمات لفظتها بهدوء ودون بكاء ولكنّ المقارنة التي أتتها كانت مبكية.

والشخصية لم تنقل معاناتها فحسب، بل نقلت معاناة كل طفل قذف به القدر على قارعة الطريق لينتهي به الأمر في قرية للأطفال، دون أبوين يدفّيانه إذ برد ويسندانه إذا تعثّر، هي عبّرت عن وجع الحرمان من العطف والحنان الذين ينعكسان سلبًا على شخصية هؤلاء الأطفال فهم إمّا من الانطوائيين أو من سليطي اللسان.

 مشهد "فرح" (ياسمين الديماسي) و"وجدي" (عزيز الجبالي) الذي دام ثلاث دقائق كان كفيلًا بأن يُترجم معاناة فئة من المجتمع أُخذت بذنب لم تقترفه

وهي تفتح بعض من صفحات حياتها أمام "وجدي" الذي أثار فيها إحساسًا دفينًا بالنقص، لم تتوقّف "فرح" عند مرحلة الطفولة بل روت تجربة الخروج من قرية الأطفال التي تنطلق عند سن الثامنة عشر والتي تنطلق معها فصول أخرى من المعاناة، ذلك أنّها باتت مطمعًا لابن المرأة التي انتقلت للعيش عندها بعد خروجها من القرية.

"شنوة مازلت تحب تعرف.. آه نكمل على خاطر الطفولة ماهيش حاجة مهمة ياسر.. في القرية في أطفال بورقيبة كيف تخلط عمرك 18 سنة ماذابيك تعمل على روحك.. قداش منها الدولة عندهم الحق.. أنا في الحكاية هذه كنت مزهارة (محظوظة) بصراحة.. مشيت عند مرا كبيرة تعيش وحدها خلتني نكمل نقرا عويمين (عامين).. هوكا نقرا وفي الليل نتلهى بها وبامورها نونّسها شوية.. مريضة هي كانت الله يرحمها وينعمها.. أما من وقتها ملي أنا جيت بحذاها مانعرش علاش عندها ولدها ساقيه خفت على الدار (كثير المجيء على المنزل).. ولى يجي برشا يبات يصبح يدور يقوم في الليل.. كيفاش نفسرلك اغراضه ماكانتش شريفة برشا.. واضحة المعلومة.. تنجم تخطبني منه نتصور ما يتشرطش عليك هو ويقبل"، بهذه الكلمات التي التقطت خلالها أنفاسها أكثر من مرة وطأنها تسترجع أمامها شريط الماضي بكل تفاصيلها، وكأنها كانت تبتلع بعض الأحداث كي لا تنفلت عبَراتُها.

اقرأ/ي أيضًا: "المايسترو".. حينما تفتح الدراما ملف مراكز الإصلاح في تونس

هو مشهد من ثلاث دقائق كان كفيلًا بأن يُترجم معاناة فئة من المجتمع أُخذت بذنب لم تقترفه، ورغم بعض المحاولات لإدماج أطفال القرى في المجتمع إلا أنّ سياط المجتمع لا تكفّ عن جلدهم.

جمل معدودات، لخّصت فيها "فرح" عمرًا من الوجع ورسمت فيها معالم متشعّبة لظاهرة اجتماعية، وحضر البديل في المشهد في شخصية " وجدي" الذي ضرب بعرض الحائط كل الأمراض المجتمعية المتوارثة وتمسّك بحب "فرح" متجاوزًا نظرة الآخر لها.

ومن النقاط اللافتة في السيناريو والمتعلّقة بجوانب من حياة "فرح بورقيبة"، أنّها تعمل أمنية في ربط مع ما يتم تداوله عن كون "أطفال بورقيبة" يمثلون الوقود البشري للمؤسسة الأمنية في فترة التسعينيات والتي تدور خلالها أحداث مسلسل "نوبة".

كيف انتقلت الممثلة ياسمين الديماسي بين تناقضات شخصية "فرح"؟

في المخيال الشعبي، يحيل اقتران مصطلح "أطفال بورقيبة" بالأمن إلى الأمنيين القساة الذين يغالون في العنف ولا يرأفون بمن يقف أمامهم، حتى أن شهادة لأحد ضحايا التعذيب والانتهاكات إثر احداث الخبز في تقرير هيئة الحقيقة والكرامة وصفت الأمنيين في تلك الفترة بـ" قالوليأطفال بورقيبة لا رحمة لا شفقة لا يعرفوا  ربي".

ولا يخلو الخوض في العلاقة بين "أطفال بورقيبة" والأمنيين من حساسية بما قد يفهم على أنّه تهجّم على الأمنيين، غير أن مخرج مسلسل " نوبة" عبد الحميد بوشناق نجح في إلقاء الضوء على هذا الموضوع من زاوية نظر اجتماعية وإنسانية بحتة.

 يحيل اقتران مصطلح "أطفال بورقيبة" بالأمن إلى الأمنيين القساة الذين يغالون في العنف ولا يرأفون بمن يقف أمامهم

وكانت شخصية "فرح" مغرقة في التناقضات إذ يتجاذبها الجانب العاطفي الإنساني والجانب العقلاني المهني، بعد أن وجدت نفسها في وضعية الأمنية التي تندس في أحد الأحياء الشعبية بالعاصمة في مهمّة عمل لينتهي بها المطاف إلى الاستئناس بالمحيط الذي زُرعت فيه وتبادل الحب مع "وجدي" أحد الفاعلين الثانويين في هذا المحيط.

وقد نجحت الممثلة ياسمين الديماسي في التنقل بين بسلاسة بين تناقضات "فرح"، وتمكّنت من تقمّص الدور بطريقة جعلت المشهد الذي تحدّثت فيه عن هويّتها يرشح صدقًا وواقعية، وشدّت الانتباه من خلال ثباتها وكبحها لدموعها رغم إغراق التفاصيل التي ترويها في الوجع والعاطفية، وبالنظرات قبل الكلمات لخّصت علل المجتمع وآثارها على الذوات الموصومة اجتماعيًا، وبابتسامة استجارت بها من الدمع عبّرت عن كمد لا يبلى.

وفي حديثها لـ"ألترا تونس" عن قدرتها على تقمّص دور "فرح" وشدّ المشاهدين من خلال القدرة على التعبير على مأساة ومعاناة دون الانهيار، تقول ياسمين الديماسي "في الحقيقة لا توجد وصفة محدّدة أو سحرية أتّبعها لأتمكّن من تقمّص الشخصية بطريقة مقنعة، كل ما في الأمر أنني وجدتُ نفسي أؤدّيها كما ظهرت في المسلس، وذلك بعد حديث مطوّل مع المخرج عبد الحميد بوشناق".

ياسمين الديماسي (فرح) لـ"ألترا تونس": لا توجد في الحقيقة وصفة محدّدة أو سحرية أتّبعها لأتمكّن من تقمّص الشخصية بطريقة مقنعة

وبخصوص تفاصيل هذا الدور، تشير إلى أنّ المخرج بيّن لها طبيعة الشخصيات وأبعادها وتصورها لها وأنّها هي أيضا بلورت تصورها لكيفية أدائها إلى أن التقيا عند "فرح" التي ظهرت في مسلسل "نوبة"، والتي تقول الديماسي أنّها أمضت وقًتا في كتابة تفاصيل عن حياة هذه الشخصية، عن عيشها في قرية الأطفال واهتماماتها ودواخلها بطريقة جعلتها تشعر بمعاناتها وتترجمها بانفعالاتها وتعابير وجهها، وفق قولها.

وفي تعليقها عن نجاح المشهد الذي تحدّثت فيه عن طفولتها ومراهقتها، تلاحظ محدثتنا أنّها تؤدّي أدوارها بحبّ وتتقمّص كل تفاصيلها وتستبطن أحاسيسها وتتخيّل الصور التي عاشتها وتنسج حكايات عن حياتها لتتمكّن من إطلاق تعبيراتها دون قيد، على حدّ تعبيرها.

"وربّما يعود نجاح المشهد إلى الخيار القائم على عدم بكاء الشخصية حتّى في ذروة الانفعال، كانت تكبح دمعها لتثير بكاء المشاهد ذلك أن بعض التعبيرات تكون أحيانًا ذات وقع أشد من البكاء، وشخصية فرح منسجمة كثيرًا مع الواقع وهي تروي معانتها، وحديثها لم يبد مركّبًا أو خياليًا، وهي لم تبك وتمالكت نفسها لأنها في داخلها تعي أنّها أمنية وهي تتحكّم في روايتها وفي وجعها"، هكذا حدّثتنا ياسمين الديماسي عن دورها في "نوبة".

ياسمين الديماسي (فرح): ربّما يعود نجاح المشهد إلى الخيار القائم على عدم بكاء الشخصية حتّى في ذروة الانفعال فهي كانت تكبح دمعها لتثير بكاء المشاهد ذلك أن بعض التعبيرات تكون أحيانًا ذات وقع أشد من البكاء

وتضيف، عن شخصية "فرح"، أنّ الأمر كان في البداية يتّجه نحو كون رواية الملجأ مجرّد كذبة تحتمي وراءها الأمنية ولكن فيما بعد استقر الأمر على أنّ تكون الرواية حقيقة خاصة وأنّ سلك الأمن يضمّ أعوانًا من "أطفال بورقيبة" خاصة في تلك الفترة "وإن كانت الوضعية تبدو صعبة ومريرة فإن "فرح" تعايشت مع واقعها ولم تجعل من حياتها تراجيديا" على حدّ تعبيرها.

وعن خيار الوضوح في الربط بين الأمنيين و"أطفال بورقيبة"، تلاحظ الممثلة أنه في البداية كانت هناك مخاوف من تأويل الأمر ولكن في النهاية كان الاتجاه نحو تعرية تعامل المجتمع والدولة مع هؤلاء الأفراد الذين لا تنتفي إنسانيتهم لمجرّد كونهم بلا هويّة أو فاقدين للسند أو كونهم أدوات في يد الدولة.

وهنا تشير الديماسي، في ختام حديثها معنا، إلى تمزّق شخصية فرح بين واجبها تجاه الدولة التي آوتها في قريتها وبين عاطفتها تجاه الشخصيات التي تقاطعت معها في مهمتها المتمثّلة في الاندساس في محيط زعيم لشبكة اتجار بالمخدّرات للإيقاع به. وأشارت إلى تعدِّد بعض الانفعلات الصادقة لشخصية "فرح " التي انفلتت منها في غمرة التأثر على غرار حديثها عن حبّها لـ"وجدي" فهي "تمثّل داخل التمثيل لينفرط عقد التحكّم في مشاعرها في أحيان كثيرة لتتجلّى مفارقات كثيرة في الشخصية وهو ما جعلها محلّ إعجابي" على حد تعبيرها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تحوّلت الدراما التونسية إلى خطر يهدّد المراهقين؟

"أولاد مفيدة" وإشكاليّة "البطل الآثم" في الدراما التونسية