"المايسترو".. حينما تفتح الدراما ملف مراكز الإصلاح في تونس

عرّى "المايسترو" واقع الانتهاكات والتجاوزات في مراكز الإصلاح (محمد عزيز بالزنايقية)

 

 

غياب النظافة وشروط حفظ الصحّة، وسوء معاملة، وانتهاكات جسدية ومعنوية، ومحاولات انتحار وإيذاء للذوات في صفوف الأطفال المحتجزين، هو واقع المؤسسات السجنية والإصلاحية في تونس الذي كشف عنه التقرير السنوي الأخير للهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب. هو واقع تسمّه انتهاكات حقوق الطفل الذي عكسته الهيئة على شاكلة كلمات تلخّص جولات رصدها في مراكز الإصلاح، ولكن عرّاه مسلسل "المايسترو" على شاكلة مشاهد درامية.

ولئن كانت الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب سبّاقة في الكشف عن واقع الأماكن السالبة للحريّة التي ترزح تحت عبء الانتهاكات بمختلف أشكالها، إلا أن الشارع التونسي لن يطّلع على هذا التقرير بنفس القدر الذي يواكب به عملًا دراميًا يعرض على القناة الوطنية الأولى. فمنذ الحلقات الأولى لهذا المسلسل الذي تلتقي فيه الدراما بالموسيقى على عتبات مراكز الإصلاح، تنكشف تجربة الأحداث في سلب الحرّية والمشاكل التي يواجهونها باختلاف خلفياتهم.

عرّى مسلسل "المايسترو" للمخرج الأسعد الوسلاتي واقع الانتهاكات في المؤسسات الإصلاحية في تونس من عنف مادي ومعنوي

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "نوبة".. الحنين الأبدي إلى "المزود" بحبل درامي ساحر

المسلسل من إخراج الأسعد الوسلاتي وفكرته وموسيقى رياض الفهري وسيناريو وحوار عماد الدين حكيم، ومن تمثيل فتحي الهداوي وأحمد الحفيان ودرة زروق وغانم الزرلي ووجيهة الجندوبي وعدد من الوجوه الشابة التي لفتت الأنظار في أدوار الأحداث حيث يخطّ كل منهم تجربته وراء القضبان بطريقته.

"المايسترو" عمل درامي يعرّي واقع المؤسسات الإصلاحية في تونس التي لا تخلو من ممارسات غير إنسانية، صوّرتها كاميرا المخرج في مشاهد تنفذ إلى القلب مباشرة دون الحاجة إلى إذن، مشاهد جسّدها أطفال ذاقوا ويلات العيش في الشارع، أطفال أنضجتهم التجارب قبل العمر.

عنف مادي ومعنوي، وسب وشتائم، واستفزاز، وعقوبات تتراوح بين الحرمان من اللأكل والحبس الانفرادي في "السيلون"، وغياب للأنشطة الثقافية ومحاولات لإفشالها إذ هي وجدت، هذا بعض مما يعيشه الأحداث في المؤسسات الإصلاحية بعين المخرج الأسعد الوسلاتي.

الإدارة العامة للسجون والإصلاح منزعجة

يبدو أنّ التناول الدرامي لواقع مراكز الإصلاح في تونس لم يرق للإدارة العامة للسجون والاصلاح التي لم تخف انزعاجها مما ورد في "المايسترو". إذ أكد الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للسجون والاصلاح سفيان مزغيش أن مسلسل "المايسترو" لا يعكس واقع مركز الإصلاح بل يتضمّن إساءة لصورتها.

اعتبرت الإدارة العامة للسجون والاصلاح أن "المايسترو" لا يعكس واقع مركز الإصلاح في تونس بل يتضمّن إساءة لصورتها

وأشار في مداخلة لإذاعة راديو ماد إلى أنّ مراكز الإصلاح في تونس مغايرة تمامًا للصورة التي مرّرها المسلسل، مؤكّدًا أنّ الأعوان في المؤسسات الإصلاحية لا يستعملون "الماتراك" وأنه لا وجود "للسيلون". ونفى، في سياق متّصل، أن يكون تعامل الأعوان مع الأطفال مشابهًا لما تضمنته مشاهد العمل الدرامي مؤكدًا أن الأعوان يصطحبون الأطفال لمشاهدة مباريات "الدربي" ومعتبرًا أن الأعمال الدرامية بصفة عامة لا تقدّم رسالة ايجابية بل تدفع للتعاطف مع المارقين عن القانون.

وقال الناطق الرسمي باسم الادارة العامة للسجون والإصلاح إن الموسيقى موجودة في المؤسسات الإصلاحية منذ التسعينيات وأن إدارته شاركت في أيام قرطاج المسرحية بمسرحية للأطفال الجانحين.

الأسعد الوسلاتي لـ"ألترا تونس": "المايسترو" صيحة فزع هدفها التغيير

يأخذ "المايسترو" المشاهد في رحلة داخل عالم الإصلاحيات وحتّى داخل نفسيات المحتجزين أنفسهم، ليتجاوز مجرّد كونه مسلسلًا إلى تجربة إنسانية مدادها العاطفة بما تحمله من ألم وأمل وما بينهما من انكسارات وانحناءات.

ويطرح هذا العمل الدرامي عذابات الأطفال داخل المؤسسات الإصلاحيات ويعرّي التجاوزات التي تنتهك حقوقهم ليعرّي واقعا مسكوتًا عنه بهدف الحث على تغييره، وفق حديث المخرج الأسعد الوسلاتي لـ"ألترا تونس".

الأسعد الوسلاتي: المايسترو ليس وثائقيًا وإنّما دراما مبنية على الرواية ولو كان توثيقًا لواقع مراكز الإصلاح لكان تضمّن مشاهد أفظع مما ورد فيه

ويقول الوسلاتي في حديثه معنا: "المايسترو ليس وثائقيًا وإنّما دراما مبنية على الرواية، ولو كان توثيقًا لواقع مراكز الإصلاح لكان تضمّن مشاهد أفظع مما ورد فيه"، مبينًا أن فكرة المسلسل قائمة على تجربة عاشها الموسيقي رياض الفهري في مراكز الإصلاح منذ التسعينيات، ومضيفًا الوسلاتي أنه التقى قرابة مائتي طفل حدثوه عن تجاربهم في الإصلاحيات.

التقى المخرج الأسعد الوسلاتي بـ200 طفلًا عاشوا تجربة "الإصلاحية" في إطار إعداد مسلسل "المايسترو" (محمد عزيز بالزنايقية)

 

وفي تعليقه على انزعاج الإدارة العامة للسجون والإصلاح من المسلسل، أكد محدثنا أنه يقدّم صورة عن الواقع أحيانًا فيها مبالغة وأحيانًا أخرى تحمل تلطيفًا ليطلق في النهاية صيحة فزع هدفها تغيير نظام الإصلاح في تونس، مشيرًا إلى أنه لا يوجد "سيلون" و"ماتراك" في الإصلاحيات ولكن توجد طرق أخرى للإنتهاك أفظع بكثير وفق تعبيره.

ويتابع الوسلاتي بالقول: "كنّا نتمنّى أن تنظر الإدارة العامة للسجون والإصلاح للمسلسل من زوايا أخرى وتدعونا للنقاش من أجل التغيير ثم إنّ الإصلاح لا يكون فقط باصطحاب الأطفال لمشاهدة الدربي" مؤكدًا أن الدراما حرّكت راكدًا لتدعو للمراجعة وفق قوله.

اقرأ/ي أيضًا: "شورّب".. بين قسوة الواقع الاجتماعي وقسوة الدراما التلفزية

عين على تقرير الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب

لئن اعتبر الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للسجون والإصلاح سفيان مزغيش أنّ الدراما التونسية تقدّم صورة سلبية عن واقع مراكز الإصلاح في تونس، فإنّ الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب تعرّضت في تقريرها السنوي إلى واقع السجون والإصلاح الحافل بالتجاوزات والانتهاكات.

وبلغ العدد الجملي للأطفال المحتجزين إلى غاية 18 مارس/آذار 2018، 328 طفلًا وفق الإحصائيات التي تضمنها الفضل الثاني من تقرير الهيئة المتعلّق بوضع الأطفال والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة في المؤسسات السجنية والإصلاحية، من بينهم 249 محكومًا و79 موقوفًا موزعّين على 5 مراكز إصلاح زارتها الهيئة وهي مراكز إصلاح الذكور في كل من مجاز الباب (باجة) وسيدي الهاني (سوسة) وسوق الجديد (سيدي بوزيد) والمروج (بن عروس) ومركز إصلاح الفتيات بالمغيرة (بن عروس).

اشتكى جلّ الأطفال في الإصلاحيات من سوء معاملة الأعوان جسديًا ومعنويًا من خلال شتمهم وسبهم وهو ما دفع بعضهم إلى محاولة الانتحار

ويشير التقرير، بخصوص ظروف احتجاز الأحداث، أن "جلّ مراكز إصلاح الأطفال هي في الأصل بنايات قديمة لمعمرين فرنسيين تم استغلالها لإيداع الأطفال في نزاع مع القانون وهي في الأعم بناءات مهترئة لم تعد وظيفية في كثير من أجزائها"، وهو الأمر الذي حاول المخرج الأسعد الوسلاتي تصويره من خلال تكرار عملية دهن إحدى الحيطان لتشقّقها بفعل الرطوبة.

وقد سجلت الهيئة تفاوتًا في نسبة الاكتظاظ بين مراكز الإصلاح الخاصة بالأطفال الذكور، وتبلغ نسبة الاكتظاظ عمومًا 100 في المائة مقارنة بطاقة الاستيعاب التي تقدر بـ60 طفلًا في اقصى الحالات، وقد بلغ عدد المحتجزين في مركز سيدي الهاني بسوسة 100 طفلًا وهو العدد الذي وقع تجاوزه في مركز المروج.

ويلفت التقرير إلى أنّ جل الأطفال خلال الزيارات اشتكوا من سوء معاملة الأعوان جسديًا ومعنويًا ولفظيًا من خلال شتمهم وسبهم وهو ما دفع بعضهم إلى إيذاء الذات ومحاولة الانتحار والتهديد بالدخول في إضراب عن الطعام. وقد أفاد الأطفال خلال محادثات جماعية أو فردية بتعرضهم إلى الإهانة مما جعل الكثيرين يردون بعدوانية تجاه ذواتهم من خلال إحداث جروح في الأيدي والأرجل بقطع من الزجاج كوسيلة للتعبير عن غضبهم.

أكدت الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب أن أبرز التحدّيات في مراكز الإصلاح تتمثل في ضعف البرامج الثقافية والترفيهية الموجهة للأطفال

وإلى جانب عدم ملائمة الزي الموحّد للطقس وهو ما يجعل بعض الأطفال يرتجفون من البرد، رصدت الهيئة غيابًا للنظافة والشروط الصحية في المطبخ وفي دورات المياه إلى جانب عدم تمكين الأطفال من الاستحمام وقضاء الحاجة البشرية في مدّة معقولة وإيوائهم في غرف حالتها سيئة جراء الرطوبة وغياب التهوئة.

فيما اشتكى المشرفون على المراكز من قلة الأعوان وعبروا عن حاجة منظوريهم إلى تكوين في حماية الطفل والثقافة الحقوقية للطفل وطرق التعامل مع الأطفال في نزاع مع القانون بما يتلاءم مع خصوصية سنهم في إطار احترام حقوق الإنسان وحفظ كرامته.

وخلصت الهيئة في الجزء الخاص باحتجاز الأطفال في مراكز الإصلاح إلى أنّ أبرز التحدّيات تتمثل في ضعف البرامج الثقافية والرياضية والترفيهية الموجهة للأطفال، وافتقار قاعات الأنشطة إلى التجهيزات إلى جانب النقص في الإخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، إذ يتوفر في كل مركز إصلاح إخصائي اجتماعي ونفسي واحد فقط وذلك مع غياب التكوين التربوي والحقوقي للأعوان وضعف برامج التأهيل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أولاد مفيدة" وإشكاليّة "البطل الآثم" في الدراما التونسية

"أيام قرطاج السينمائية" في السجون.. السينما تجتاح السجن!