13-سبتمبر-2019

تتشكّل من حرمان الإناث من الذهاب إلى المدرسة نقطة سوداء في حياة بعض النساء (صورة أرشيفية/ مارتن بيرو/ أ ف ب)

 

بعض الأحداث التي تحصل مع الفرد في الصغر ترافقه في مسارات حياته القادمة فتكون وشمًا لا يمّحي، وشمًا في مكان قصيّ من الذات لا يعلمه إلّا هو، كأن يُحرم من التعليم أو يغادره في سن مبكرة جدًّا .وفي أغلب الأحيان يحرم الآباء الفتاة من الذهاب إلى المدرسة لأسباب نابعة في الأغلب من تخلّف المجتمعات الذكورية التي تبيح للولد ما لا تبيحه للبنت وتنامي عقدة الخوف على الجسد لديها.

من حرمان الإناث من الذهاب إلى المدرسة أو إقعادهن عن مواصلة التعليم في سن بعينها، تتشكّل نقطة سوداء في حياة بعض النساء اللاتي عايشن ظروفًا مماثلة وهن يحملن إلى اليوم وجعًا تختلف تجليّاته من واحدة إلى أخرى.

هن ثلاث نساء قادمات من أوساط ريفية، الأولى انقطعت عن التعليم في السنة السادسة من التعليم الابتدائي، والثانية لم تزاوله إلا لأيام معدودات أما الثالثة فلم تعرف للمدرسة سبيلًا، تختلف قصصهن مع الحرمان من التعليم ولكنهن يلتقين عند اعتبار الأمر نقطة سوداء في حياتهن.

اقرأ/ي أيضًا: العودة المدرسية.. أزمة في المدارس الخاصة وأولياء حائرون

"ليتني كنتُ ولدًا!"

مبروكة الخالدي خمسينية، انقطعت عن الدراسة في السنة السادسة من التعليم الابتدائي برغبة من والدها، والسبب أنّ مقومات أنوثتها باتت صارخة، بكت وتوسلته أن تنهي سنتها الدراسية إلا أنّه أبى واستكبر وكان أن تبوّأت ركنًا في البيت حتّى أتاها عريس يرضاه والدها، وفق حديثها لـ"ألترا تونس".

وهي تحاول أن تكبت دمعَا ترقرق بمقلتيها تقول محدّثتنا "ليتني كنت ولدًا.. لو كنت ولدًا لواصلتُ تعليمي ولما كان والدي أقعدني عن الدراسة بسبب تكور نهدي.. يا ليت جسدي كان نحيفًا عليلًا.. و يا ليتني حملتُ ملامح الذكور".

مبروكة الخالدي (سيدة تونسية) لـ"ألترا تونس": البكاء كان تعبيرتي الاحتجاجية أمام تعنت وادي الذي يلق بالًا بتوسلاتي

أربعة عقود مرت على حادثة انقطاعها عن الدراسة، ولكنّ مبروكة ترويها وكأنها حصلت بالأمس القريب، وهي التي تهيأت للذهاب إلى المدرسة ليعترض والدها سبيلها ويأمرها بأن تبقى بالبيت لأنّها "كبرت" ولم يعد التعليم يناسب سنها.

عن تفاصيل ذلك اليوم، تروي أنّ البكاء كان تعبيرتها الاحتجاجية أمام تعنت والدها الذي لم يلق بالًا لتوسلاتها وتوسلات أمّها وحتّى من تدخلوا من الأقارب جوبهوا بالصدّ وبعض الكلام الجارح، لتدفن حلمها حيًّا.

بعد سنوات من الحادثة تزوّجت مبروكة، ولكنّها لم تنس صراخ والدها وهو ينهرها عن الالتحاق بأترابها ذات عودة مدرسية وظلّت تلك الحادثة نقطة سوداء تسم حياتها خاصة وأنّ الظروف منعتها من مواصلة تعليمها بعد الزواج، وفق حديثها.

ولتخفّف من وجعها الذي يتجدّد مع كل عودة مدرسية، كانت عضدًا وسندًا لبناتها الثلاث اللاتي حرصت على أن ينهين دراستهن في أطيب الظروف ونقلت إليهن شغفها بالمطالعة التي لم تنقطع عنها حينما حال والدها دون التحاقها بالمدرسة.

جار عليها والدها ولم يتح لها القدر فرصة لتستكمل دراستها، لكنّه عوّضها ببناتها لترى فيهن بذرة حبّها للدراسة منيعة وارفة الظلال، الأمر الذي من شأنه أن يخفف وجعها الذي لن يزول مادامت ذاكرتها حيّة، وفق قولها.

اقرأ/ي أيضًا: "في بيتهم وحش".. قصص عن اغتصاب أطفال من ذوي القربى

"ليت المدرسة قريبة من بيتنا"

أما آسيا المرايحي فهي تحاول إلى اليوم أن تسامح والدها الذي وافته المنية عن الخطيئة التي اقترفها في حقّها حينما حرمها من الدراسة لأن المدرسة تبعد عن بيتها مسيرة ساعة، وفق روايتها لـ"ألترا تونس". وهي تعود بذاكرتها إلى سنوات خلت، تقول إنّها لم تلتحق بمقاعد الدراسة سوى أيّام معدودة لكنّها بعد أن قرر والدها عدم اصطحابها لبعد المسافة التي يقطعانها يوميًا على قدميهما ذهابًا وإيابًا تمنّت لو أنّها لم تطأها أبدًا.

مسحة من الحزن تعلو وجهها وهي تواصل حديثها عن تلك الأيام القليلة الجميلة التي قضتها في قسم صغير يؤوي تسعة تلاميذ وعن تلك الحروف التي مازالت عالقة بذهنها وعن مديح المعلّم لفطنتها، وعن بكائها المتواصل الذي لم يأبه له والدها.

آسيا المرايحي (سيدة تونسية) لـ"الترا تونس": حرماني من الدراسة سيظل نقطة سوداء في علاقتي بوالدي رغم وفاته

في غمرة الذكريات، تتحدّث الأربعينية على لسان فتاة الست سنوات التي لم تكن قادرة على استيعاب أنانية والدها الذي لم يحمّل نفسه مشقّة اصطحابها إلى المدرسة واستسلم بعد أسبوع واحد، مشيرة إلى أنّ حرمانها من الدراسة سيظل نقطة سوداء في علاقتها بوالدها رغم وفاته.

ولعلّ القدر أنصفها حينما أحبّت معلّمًا وكانت حبيبته وتلميذته، وعلّمها الحروف والكلمات حتّى أن لا أحد يصدّق أنها لم تدخل المدرسة سوى أسبوع واحد، وفق قولها. ولأنّها حرمت من التعليم، حرصت آسيا على زرعه حبّه في ولديها وابنتها إذ كانت تساعدهم في المراجعة في سنوات التعليم الابتدائي وتدعمهم في مسيرتهم الدراسية.

ولم تتخلّف محدّثتنا يومًا عن مرافقة أطفالها إلى مقاعد الدراسة، وكأنّها تحاول أن تمحي ذكرى رفض والدها مرافقتها إلى المدرسة، تلك المدرسة التي كانت بعيدة جدًّا، بعيدة كحلم آسيا الذي لم يتحقق ولكنّها ترى انعكاسه في أبنائها وهي التي تردّد إلى اليوم "ليت المدرسة قريبة من بيتنا".

"ليتني خُلقت في زمن آخر"

على عكس مبروكة وآسية، لم يحالف الحظ خديجة اليعقوبي لتصافح عينها السبورة وطاولات القسم، فوالدها كان لا يعترف بالتعليم سواء للإناث أو الذكور، الأمر الذي مثّل نقطة سوداء في حياتهم، حسب تعبيرها. وفي حديثها لـ"ألترا تونس"، عن تجربة الحرمان من التعليم، تقول إنّها تشعر دومًا بالنقص وتلوم والدها في كل مرّة لأنه حرمها وأخواتها من التعليم خاصة حينما تعجز عن قراءة لافتة أو رسالة، وفق تعبيرها.

وإن تمكّنت راضية من تجاوز الأمر وتعلّم بعض الأرقام التي تخوّل لها معرفة التواقيت وأرقام الحافلات التي تستقلّها عند الحاجة، فإنّها مازالت إلى اليوم تحمل وجع الحرمان والدراسة خاصة وأن الجميع يشيد بذكائها وفطنتها حتّى أن البعض يستغرب حينما يعلم أنّها لم تزاول التعليم يومًا، على حدّ قولها.

خديجة اليعقوبي (سيدة تونسية):  ليتني خلقت في زمن آخر غير ذلك الزمن الذي يرى فيه بعض الآباء التعليم غير ذي أهمية

هي لم تتعلّم وخبرت قسوة العمل في الفلاحة في سنّ مبكّرة ولكنّها حوّلت كلّ هذا الوجع الذي عايشته إلى حنان وحب أغدقته على بنتيها بعد الزواج وكانت لهما سندًا بعد وفاة والدهما. ترمّلت في سن صغيرة جدًّا، وقاومت كل الظروف القاسية وكانت تقضي اليوم في العمل في أكثر من منزل لتوفّر أموالًا تضمن الرفاهية لبنتيها وكي تقضي على كل سبب من شأنه أن يعيق تقدّمهما في الدراسة.

مرّت السنين ورأت خديجة حلمها الضائع يتحقّق في مسيرة ابنتيها الدراسية وفي مسيرة أحفاذها ولكنّها إلى اليوم تحمل وجع الحرمان من الدراسة ولم تنفك ترّدد طيلة حديثها "ليتني خلقت في زمن آخر غير ذلك الزمن الذي يرى فيه بعض الآباء التعليم غير ذي أهمية".

عقلية ذكورية

عن انقطاع المرأة عن الدراسة في سن مبكرة، يقول الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين إن "العقلية" في تونس لم تتبع مسار الإصلاحات القانونية المتعلقة بوضع المرأة. ويشير عز الدين في حديثه مع "ألترا تونس" إلى لآن العقلية التي تحكم المجتمع عقلية باترياركية وذكورية وتسود خاصة في المناطق الريفية حيث تغادر الفتيات الدراسة في سن مبكرة ويلتحقون بالعمل سواء في مجال الفلاحة أو معينات منزليات، وفق تعبيره.

ممدوح عز الدين (باحث في علم الاجتماع) لـ"الترا تونس": التعليم يعد الفرصة النجاح الاجتماعي وانتقال أبناء الطبقات الفقيرة من وضعية إلى أخرى

ويضيف "أغلب النساء المنقطعات عن الدراسة يحاولن تعويض النقص الحاصل لديهن من الاهتمام بمسألة تعليم أولادهن" متابعًا بالقول "بالنسبة لجيل الستينيات النجاح الاجتماعي مرتبط بالتعليم فهو الوسيلة الوحيدة للصعود الاجتماعي".

ويلفت، في سياق متصل، إلى أن التعليم يعد الفرصة النجاح الاجتماعي وانتقال أبناء الطبقات الفقيرة من وضعية إلى أخرى، على حد تعبيره.

هذه العقلية خلّفت وراءها عديد النساء اللواتي حرمن من حقهن في التعليم بسبب آباء أجبروهن على مغادرة مقاعد الدراسة ليجدن أنفسهن اليوم يبحثن عن تعويض هذا النقص، أو هذه "النقطة السوداء"، من خلال الحرص على أن يحصل أبناؤهن على أفضل تعليم ممكن.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قصص أمّهات يكرهن البحر... العدوّ الذي ابتلع فلذات الأكباد

"وقتاه نفرحو بيك".. عن التطفل على حياة الآخرين في تونس