قصص أمّهات يكرهن البحر... العدوّ الذي ابتلع فلذات الأكباد

قصص أمّهات يكرهن البحر... العدوّ الذي ابتلع فلذات الأكباد

أيّ مآقي تستطيع تحمّل هذه الهزيمة التي تتحالف فيها الأقدار مع البحر؟ (Getty)

 

تصدير:

"البحر إللي كلالي ولدي وجهي مايجيش في وجهو.. الثنية إللي تهزّلو نسيتها والماكلة البحري ودعتها للأبد"، فضيلة (اسم مستعار) من مدينة جرجيس غرق ابنها أمام عينيها ذات صيف.


أيّ ألم يباغت أمّا تقف على الشاطئ مذهولة وهي تشاهد قطعة من روحها تتقاذقها الأمواج لتُسجّى فيما بعد على الرّمال هامدة وقد غادرتها الحياة؟ أيّ التياع يتسرّب إلى كيانها الأموميّ فيكسر أسارير النّور داخلها ويدلق سوادًا أبديًا تتشر به جدران الروح ويطفئ داخلها كلّ المباهج؟ وأيّ مآقي تستطيع تحمّل هذه الهزيمة التي تتحالف فيها الأقدار مع البحر؟

يبتلع البحر سنويًا في تونس العشرات من المصطافين لكن أغلب الغرقى هم من الأطفال الصغار، يسرقهم البحر في غفلة من ذويهم وفي غفلة من عيون الأمهات الحذرات من رائحة البحر، لكن يخاتلها الموج ويقطف زهرتها البهية. أمهات تونسيات تغيرت حياتهن إلى الأبد مذ ذاك الحدث الذي ألمّ بهن وأصبحن أقمارًا بلا ضياء، وحدائق لا تنبت إلا ابتسامات الفقيد العزيز، هن أمّهات تغيرت علاقتهن بالحياة بالبحر، بالوجود بل بكلّ شيء.

أيّ ألم يباغت أمّا تقف على الشاطئ مذهولة وهي تشاهد قطعة من روحها تتقاذقها الأمواج لتسجّى فيما بعد على الرّمال هامدة وقد غادرتها الحياة؟وأيّ مآقي تستطيع تحمّل هذه الهزيمة التي تتحالف فيها الأقدار مع البحر؟

حدث الفقد في البحر قد يرتبط بخطورة بعض الشواطئ أو قلة انتباه العائلة لطفلها وهو يلهو مع الموج الصغير أو لتغير فجئي للتيارات المائية داخل البحر أو لمجازفة طفولية غير محسوبة، ولكنه أيضًا يحمل من القدرية الكثير. فالرّحيل الأخير لا يفسّر أحيانًا، إنّها لحظة عاتية تتجاوز العقل البشري ولحظة انخطاف في غفلة منك. فكيف إذًا لأم التصديق أن ابنها أخذه البحر من حضنها إلى الأبد وخبأه في خزائنه السرية؟ كيف لأمّ أنّ تصدق أن طفلها إغتالته موجة ثم ألقت به على الرمال بعد أيام من البحث المرير؟

اقرأ/ي أيضًا: قصص اغتصاب الذكور.. مأساة تقوّض ثوابت المجتمع الذكوري

"البحر والأمّ"، قصص تراجيدية وظلمات بين الضلوع عبثًا تحاول الأقلام صوغها وعبثًا يرقى الشعر إلى تحويل العويل الصامت لأمهات شرخت أكبادهنّ إلى أساطير حزينة نضمّنها لدفاتر أيامنا ونرويها في كل حين بدهشة السماع الأوّل.

قصص غرق الأطفال في البحر تحدث كل صائفة في الشواطئ التونسية في حوادث عرضية كغيرها من حوادث السير، سجل ديوان الحماية المدنية في التّسع سنوات الأخيرة معدل غرق لمصطافين يتراوح بين 26 و40 غريقًا سنويًا أكثر من نصفها من الأطفال. فيما ينقذ أعوان الحماية المدنية سنويًا ما يفوق 300 مصطافًا من الغرق في مختلف الشواطئ، وتعدّ بعض شواطئ ولايات نابل وبنزرت وسوسة هي الأخطر على الإطلاق.

 لكن ألم الغرق والفقد يتجاوز المؤشرات والأرقام الرسمية ليتحول الى قصة تراجيدية دائمة الحضور لدى أهل الغريق وتتحول تفاصيل الحادثة إلى ندبة غائرة في وجه عائلة الفقيد. أمّا الأمّهات فيتحولن مع الأيام إلى مومياءات تشتهين الرحيل في كلّ حين لكن الحياة تنذرهنّ لحفظ الحكاية.

"ألترا تونس" اشتغل في هذه المساحة الضيّقة والتقى بعض الأمهات الملتاعات اللاتي فقدن أبناء في البحر فتعددت الحكايات لكن الألم واحد:

فضيلة: البحر غدرني وهزني

التقينا "فضيلة" (اسم مستعار) في مدينة جرجيس، جنوبي تونس، وهي امرأة خمسينية تلبس شالًا جنوبيًا بني اللون، تقدمت نحونا وهي تمشي ببطء على طول "حوش" منزلها الذي تتوسطه نخلة باسقة. جلسنا حذو "الفسقية" وكرم العنب تطل عناقيده كقصائد تريد دحر بعض الحزن العالق بالدّار.

فضيلة فقدت ابنها البكر منذ عشر سنوات خلت بشاطئ "سونيا"، كانت ملامح وجهها منهكة كسفينة تائهة في عرض البحر وكانت الكلمات تخرج من فمها مرّة كئيبة.

تروي أنه في يوم جميل مع بدايات شهر جويلية/يوليو، كان "كبدي عبد المنعم"، كما تصفه، وهو ابن السبع سنوات يلحّ في الذهاب إلى البحر لتعد العدّة نحو الشاطئ وتتجه نحو "سونيا"، وقد كان البحر يومها هادئًا كالموت كما تقول.

فضيلة (اسم مستعار) فقدت ابنها البكر منذ عشر سنوات خلت بشاطئ "سونيا" في جرجيس وكانت ملامح وجهها منهكة كسفينة تائهة في عرض البحر وكانت الكلمات تخرج من فمها مرّة كئيبة

تضيف متحدثة: "اندمج فقيدي في اللعب مع بعض أترابه من أبناء الحي الذين أتوا مع عائلاتهم، كان الأطفال في هرج ولعب متواصل تارة في الماء وطورًا على الرمال. وكان عبدو لا يغيب عن عينيّ، وأناديه أحيانًا لأعطيه بعض الأكل أو شربة ماء".

وتواصل أنه في لحظة تجاوزت تركيزها، سمعت صراخًا ورأت أناسًا يندفعون نحو الماء، وقفزت هي كالبرق فيما اندفع زوجها نحو الماء كالمجنون، كما تصف، وقد وتعالت كلمات "اغرق عبد المنعم مسكين صغيّر"، تقول "فضيلة" أن هذه الكلمات تسلّلت إلى جسدها كالسّم القاتل.

تتحدث عن المشهد قائلة إن ابنها كان محمولًا على أذرع الرجال ذابلًا، فلقد دهسته موجة عاتية ثم سحبته لحين فلم يقوى جسده على مصارعتها فتسلل ماء البحر إلى رئتيه.

اقرأ/ي أيضًا: طفل الأنبوب ... السّعي وراء حلم الأمومة

اغرورقت عينًا فضيلة بالدموع مواصلة سردها: "مذ ذاك اليوم تغيّرت حياتي تمامًا وحزنت حزنًا أبديًا لم يستطع أحدًا إخراجي من دوائره"، وقالت: "ما شفتش البحر وعيني ماجاتش في عينو.. البحر إللي كلالي ولدي وجهي ما يجيش في وجهو.. والثنية (الطريق) إللي تهزلو نسيتها.. والماكلة البحري ودعتها للأبد".

تخبرنا فضيلة أنها رفضت كل المحاولات للذهاب للبحر "البحر غدرني وهزلي نوارتي" وتضيف "أنا للآن حينما أشاهد أصدقاء المرحوم ذاهبين نحو المدرسة أظل أبحث عنه فيما بينهم"، هكذا حدثتنا بكل لوعة وأسعى. وقبل توديعنا، دخلت فضيلة إلى إحدى غرف المنزل ثو عادت تحمل صورة مؤطرة لفقيدها وحبيبها عبد المنعم وكان طفلًا باسمًا بملامح جنوبية، وقالت: "هذا يتنسى.. والله عمري ما ننساه".

جميلة: البحر عدوّي الأول وأكره رائحته

ونحن نبحث في زحمة هذه الأحاسيس الانسانية عن أمهات فقدن أبنائهن في البحر، تنقلنا إلى المحمدية، أقصى الضاحية الغربية للعاصمة، لنلتقي جميلة وزوجها سمير اللذين رضيعهما محمد بشاطئ "الكازما" ببنزرت منذ ثلاث سنوات خلت، وكانت صورة الفقيد في صدر قاعة الجلوس وكان الحزن ينبعث من عيني جميلة ليلتقي بكلماتها التي تخرج بصعوبة من حلقها.

جميلة: "قديمًا كان البحر صديقي أما الآن فهو عدوي الأول. أكره رائحته والحديث عنه وكل من يمجده أمامي ويعتبره مصدر راحته ورومنسيته. إنه وحش دمرني إلى الأبد

تقول لـ"ألترا تونس": "قديمًا كان البحر صديقي أما الآن فهو عدوي الأول. أكره رائحته والحديث عنه وكل من يمجده أمامي ويعتبره مصدر راحته ورومنسيته. إنه وحش دمرني إلى الأبد"، تضيفة متحسّرة "فكلي ولدي وعيني تخزر.. كي نشوفو حتى في التلفزة نبصق عليه ".

قامت فضيلة بحرق كل صورها مع البحر "كي نتذكر آك النهار نحسّ ببركان تحرك فيّ من داخل وبدا يغلي". يتدخل هنا الزوج سمير ليروي الحادثة، مبينًا أن عائلته، في يوم صيفي مشرق، قررت الذهاب لبنزرت وتحديدًا لأحد شواطئها الشهيرة "الكازما".

يواصل حديثه أن البحر كان شبه هائج ولكن كان مغريًا بالسباحة بعد "الغطسة الأولى"، ثم يضيف "كنا نلاعب ابننا الذي بلغ من العمر سنة ونصف وفجأة وفي لمح البصر افتكته موجة مخاتلة ولم نصدق ما حدث. لقد فقدنا ولدنا الوحيد، كانت لحظات قاسية وقاسمة للقلب لم نشفى منها إلى اليوم".

سهام: لم ألمس قطرة من ماء البحر منذ الحادثة

زرنا أّمًا ثالثة بولاية منوبة فقدت ابنتها في البحر منذ أحد عشر سنة في رحلة بحرية بجزيرة جربة. سهام أم الفقيدة شهد، "التي كانت كالشهد" كما تصفها، تجاوزت الأربعين بقليل تعمل بالقطاع البنكي، وأفادتنا أن ابنتها التي تبلغ 13 سنة شاركت في مصيف بحري للأطفال نظمته ودادية عمل والدها بجزيرة جربة.

سهام: ابنتي وربيعي وضياء قلبي خطفها البحر وحولها إلى ذكرى، حولها إلى قبر أزوره في كل حين وأحضن رخامه عل "شهد" تكلمني

اقرأ/ي أيضًا: مركز الإحاطة والتوجيه الاجتماعي بصفاقس يلفظ أبناءه إلى الشارع (تحقيق)

تقول إن خبر غرق ابنتها كان "كالصاعقة": "لا أدري كيف أخذنا الطائرة من العاصمة إلى جربة، كان المستشفى يشتغل بشكل روتيني وكان عويلي وبكائي يتردد صداه في كامل الجزيرة. ابنتي وربيعي وضياء قلبي خطفها البحر وحولها إلى ذكرى، حولها الى قبر أزوره في كل حين وأحضن رخامه عل شهد تكلمني".

تحدثنا عن عداوتها مع البحر قائلة: "أشهرت للبحر كرهي له، لم تلمسني قطرة من مائه منذ الحادثة. أذهب إليه فقط لأسألهلماذا قطفت زهرتي وأفقدتني شذاها؟ لكنه كان لا يجيب وأنا لا أكفّ عن السؤال ولن أكفّ ما حييت".

وتضيف سهام في حديثها معنا: "ولأني أمّ ظلمها البحر فقد رزقني الله بتوأم من البنات وسميت إحداهما شهد والأخرى فوز، لكن الفقيدة تسكنني كوشم في ذاكرتي بل هي كل ذاكرتي. إنها جزء مني فكيف أنساه؟".

مختصّ في علم النفس: الحزن الأبدي يؤدّي إلى الانهيار النفسي

هذه الحالات القاسية من الفقد القاسي الذي تعرّضت لها أمهات تونسيات غلبهن البحر فجأة وكسر قلوبهن بخطفه لفلذات أكبادهن ذات صيف وأنهى حياتهم إلى الأبد هي عينة من فئة مجتمعية واسعة تعيش حالة من الألم الدائم. ولمزيد فهم ما تعرضت له نفسية الأمهات من انكسارات، اتصل "ألترا تونس" بالباحث في علم النفس بالمعهد العالي للعلوم الانسانية بتونس نوفل بوصرّة.

يقول محدثنا إن الأمّ عندما تفقد ابنها، سواء كان هذا الابن رضيعًا أو طفلًا أو شابًا، فهي تفقد "مشروع حبّها" الذي انطلق في التشكل منذ كان الطفل في بطنها، مبينًا أنه يزداد تعلّق الأمّ بابنها منذ ساعات الولادة الأولى وتتشكل لديها حالة نفسية دائمة من "الخوف من الفقد" والتي يسميها العلم بـ"البيبي بلوز"، فيما تُسمّى في تونس بـ"بقطّوس النّفاس"، وفق ما يعرضه.

نوفل بوصرّة (مختص في علم النفس): العلاقة بالمكان الذي فُقد فيه الابن تتحوّل إلى علاقة عداء مستمرة وهذا أمر طبيعي ففي حالات الأمهات اللاتي فقدن أبناءهنّ غرقًا يتحول البحر إلى مكان يهيّج الذكريات

ويضيف بوصرّة أن هذه الحالة لا تخفّ لكن دون زوالها، إذ تبقى الأم، وفق تأكيده، حذرة من فقد ابنها أو أبنائها طوال حياتها، ولكن عندما تباغت بالفقد تعود هذه الحالة والتي سرعان ما تتحوّل إلى ما سمّاه سيغموند فرويد منذ سنة 1917  بـ"الحزن الأبدي"Deuil et)  mélancolie) "الذي يتجلى أحيانًا لدي الأم التي فقدت ابنها في الانهيار النفسي المتواصل والملازم لها" وذلك كما يخبرنا المختص في علم النفس.

وأضاف بوصرة أنّ العلاقة بالمكان الذي فُقد فيه الابن تتحوّل إلى علاقة عداء مستمرة وهذا أمر طبيعي "ففي حالات الأمهات اللاتي فقدن أبنائهنّ غرقًا يتحول البحر إلى مكان يهيّج الذكريات ويعمق حالة الإنهيار".

وختم محدثنا أن تونس تفطنت مؤخرًا إلى ضرورة معالجة مثل هذه الحالات النفسية بعرضها على المختصين والأطباء النفسانيين وأوعز ذلك إلى ارتفاع درجة الوعي لدى العائلة التونسية بأهمية العلاج النفسي.

إن حالات الأمهات اللاتي فقدن أبنائهنّ في البحر عديدة لعل آخرها تلك الأم من معتمدية الناظور من ولاية زغوان التي فقدت منذ أسبوعين ثلاثة من أبنائها دفعة واحدة، لكن المجتمع أحيانًا لا ينتبه ولا يبالي بما تعرضت له الأمّ من لوعة قاسية فتظل حزينة تلعق ذكرياتها إلى يوم مماتها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المواليد خارج إطار الزواج.."إذا وصفونا بأبناء الحرام.. سنقول نحن آدميون"

الأطفال التونسيون العالقون في ليبيا.. مواطنون مع وقف التنفيذ