"وقتاه نفرحو بيك".. عن التطفل على حياة الآخرين في تونس

سؤال يطارد النساء العازبات خصوصًا في المناسبات العائلية

 

كم عدد المرات التي سُئلت فيها همسًا أو علنًا "وقتاه نفرحو بيك؟" (متى ستتزوّجين؟)، وكم مرة انزعجتْ عزباء من هذا السؤال لتتحوّل بدورها إلى طارح له بمجرّد زواجها، وطبعًا أغلب من يبادر بهذا "الاستجواب" هنّ النساء. لكن ما معنى أو هدف هذا السؤال؟ وما الإحباط في أن تكون الفتاة غير متزوجة، ألا يكفي نجاحها الدراسي أو عملها مثلًا لوضعها في خانة اجتماعية آمنة؟ بالتأكيد ليس كافيًا، ولن تكون في وضع آمن سوى بزواجها لتنتقل إلى "المرحلة الأسمى" وفق ما يرى المجتمع.

وإن كان مزيجًا من التنوّع والاختلاف، يفرض نظامنا الاجتماعي نمطية معيّنة على كلّ الأشخاص أن يعيشوها بتسلسل لا يختلف عن غيرهم، دراسة نجاح ثمّ عمل فزواج. نمطية لا يجب أن تخرج عنها، وإلا فإنّك ستكون حالة شاذة، أو خارج السرب، تتحمّل وزر الخروج عنه.

"تتجمّلين مثلًا بأبهى ما لديك لحضور حفل زفاف أحد الأقارب أو الأصدقاء. هي مناسبة للرقص والفرح ومقابلة أفراد العائلة الموسعة بعد غياب طويل. لكن قد تتحوّل تلك الاحتفالات إلى مناسبة للإزعاج فتتجنبينها كثيرًا وتجعل منك فتاة غير اجتماعية"، هكذا تحدّثنا كريمة (34 سنة) عن انزعاجها من سؤال "وقتاه نفرحو بيك؟" الذي يتكرر على مسامعها منذ أكثر من عشر سنوات.

كم عدد المرات التي سُئلت فيها همسًا أو علنًا "وقتاه نفرحو بيك؟" (متى ستتزوّجين؟) وكم مرة انزعجتْ عزباء من هذا السؤال لتتحوّل بدورها إلى طارح له بمجرّد زواجها

اقرأ/ي أيضًا: تونسيات: "لم أتزوج".. ولا أريد "لا ظل رجل ولا ظل حيط"!

تقول كريمة "يجب عليك أن تستعدّي للسؤال الذي قد تسمعينه أكثر من الموسيقى الصاخبة في حفل الزفاف وكأنّ تلك الجالسة بالفستان الأبيض لم تكفيهم للفرح بعد. عليك أن تفكري في آلاف الإجابات المقنعة قبل أي شيء آخر. وعندما أعلن أنّ الوقت لم يحن بعد لزواجي، يتراوح رد الفعل بين موعظة دينية ولابد من إكمال نصف دينك، أو ابتسامة مرتبكة أو اندهاش نابع من عدم الفهم أو التصديق".  

تضيف محدثتنا إلى أنه لم يتقدّم لخطبتها أي شخص ولا عاشت حتى علاقة عاطفية فاشلة، وهو بحد ذاته أمر محبط، فهي لا تدري السبب ولكن ما يزيدها ألمًا وإحباطًا، وفق قولها، هي الأسئلة المتكررة عن سبب عدم الزواج، وعادة لا تجد أي جواب بالفعل سوى أنّ النصيب لم يحن بعد.

هل أنا فعلًا غير مكتملة بعدم زواجي؟

تجاوزًا لمشروعية طرح السؤال وإذا كان يعتبر تطفلًا على حياة الناس وإن كان من المقربين، تعوّدت النساء منذ الصغر على أنّ تكون تفاصيل حياتهن مكشوفة للجميع: "هل تزوجت؟ هل أنجبت؟ ماذا أنجبت؟" وهي أسئلة تدور في نفس المحور. لكن سؤال "وقتاه نفرحو بيك" الذي يكون غالبًا وقعه مؤلمًا على كل من يُسأل، ما فائدته في حياة السائل؟ هو سؤال في حفلات الأعراس والأعياد وفي المناسبات وبحلول فصل الصيف خاصة، وكأنّه موسم تزاوج عليك أن تجد عروسك أو عريسك قبل أن يفوتك القطار.

"كوني لست متزوجة فهو أمر يعنيني، سواء كان خيارًا أم هو نصيب ولم يكتب لي بعد"، هكذا تقول رفقة (36 سنة) في حديثها لـ"ألترا تونس". وتضيف: "لكن غالبًا ما يطرح السؤال باستهزاء على اعتبار أنّ غير المتزوجة تفرض شروطا مجحفة وخيارًا صعبًا، في حين لا أحد يعلم أنّ المسألة نصيب من الله. ولا يعلمون أن السؤال قد يُطرح على فتاة لم يتقدّم لها عرسان حتى تضع أمامها على الطاولة قائمة بالشروط التي يجب أن تقرأها عليه كما يعتقد البعض".

رفقة (36 سنة): كوني لست متزوجة فهو أمر يعنيني سواء كان خيارًا أم هو نصيب ولم يكتب لي بعد

وتضيف محدّثتنا "حتى أهلي أشعر أنّهم حملوني عبئًا في أنفسهم وكأنّني عوار يشوبهم، فأنا فتاة عانس في نظر المجتمع. فكوني لست متزوجة يعني هناك خلل في وجودي، أو نقصًا في حياتي الاجتماعية. فمهما كان ما حققته من نجاح واستقلالية، إلاّ أنّني لابد أن أكون زوجة، أتماهى مع غيري بحياتي الزوجية، حتى لو أتحمّل المعاناة بزواجي وكلّ السخف من أجل نمط اجتماعي لا يجب أن أحيد عنه. فأنا أبقى غير مكتملة إذا لم أصطّف مع المتزوّجات".

تتساءل رفقة: "هل أنا فعلًا غير مكتملة بعدم زواجي؟ وهل السؤال عن الأمر يعتبر تطفلًا على حياة الناس؟ وما الذي ستغيّره الإجابة في حياة السائل أو ما الذي سيتغيّر في حياته أصلًا إذا تزوّجت؟ لكن للأسف لا إجابة عن كل تلك الأسئلة".

قد يزعج هذا السؤال كثيرًا من الفتيات خاصة أولئك اللاتي لم يكن الأمر بخيار منهنّ، لكن لم يكن الارتباط من نصيبهنّ، أو اللاتي يرممن وجع فشل العلاقات العاطفية. وقد يتعمّق الجرح أكثر خلال مواجهة السؤال المزعج باستمرار.

سخرية وامتعاض في كل الأحوال

"متى ستتزوجين؟" عندما يطرحون هذا السؤال يدور في خاطري ألف سؤال، هل يعتقدون فعلًا أنني أملك إجابة عن هذا السؤال. وماذا إذا كانت الإجابة "سأتزوّج بعد ثلاثة أيام الساعة السابعة ونص"، سخرية وضحك طبعًا. ماذا إذا كانت الإجابة "لا أعلم، كل شيء بأمر الله"، سخرية وامتعاض أيضًا"، هكذا تروي رقيّة (32 سنة) ما تعيشه باستمرار تجاه هذا السؤال الذي يُطرح عليها من الأقارب والأهل.

تضيف متسائلة: "لما يحشر البعض أنفسهم في خصوصيات الناس؟" والطريف، كما تحدثنا رقية، أن السؤال يأتيها غالبًا من متزوجات يعانين من مشاكل زوجية "ولكن عليّ أن أكون زوجة مثلهنّ بغض النظر عما قد أعانيه بزواجي"، هكذا تقول خلال حديثها لـ"ألترا تونس".

رقية (32 سنة): لما يحشر البعض أنفسهم في خصوصيات الناس؟ والطريف أن السؤال يأتي غالبًا من متزوجات يعانين من مشاكل زوجية

تؤكد محدثتنا أنها لا تعتقد أنّ أيّ فتاة لا ترغب في الزواج، ولكن ربّما لكل واحدة منها ظروفها التي تخفى حتى عن العائلة، وهو ما يبقي السؤال مزعجًا جدًا ولا يعدو كونه سوى تطفلًا على حياة الآخرين، كما تشدّد.

اقرأ/ي أيضًا: شركات الزواج في تونس.. خطّابة العصر لزواج مسكوت عنه

محزن كيف ينظر مجتمعنا للفتاة العزباء خاصة بعد تجاوز سن الثلاثين، ولكن هل يفكر السائلون في إمكانية أن الفتاة لم يتقدّم أي شاب لخطبتها وما قد يؤثّر سؤالهم على نفسيتها؟ طبعًا لا. تظلّ، بذلك، أغلب الفتيات يبحثن عن إجابة سريعة تسكت السائل، وربما لم يأت النصيب هي الإجابة السائدة الكلاسيكية.

ولكن قد يوجّه هذا "الاستجواب" للشاب أحيانًا، لكنه يبقى السؤال الأبرز في حياة الفتاة العزباء خصوًصا في المناسبات. وتبدأ الموعظة بـ"حذاري قد يفوتك القطار"، قطار سبقوها هم في رحلتهم فيه، وقد تكون رحلتهم متعبة، أو غير تلك الرحلة التي كانوا يحلمون بها. ولكن رغم ذلك، يجب أن تكون لك رحلة مشابهة لهن، وما إن تتأخر واحدة عن قافلة المتزوجات حتى تتوالى عليها الأسئلة بعبارات الشفقة أكثر منها للاستفسار.

"وقتاه نفرحو بيك؟" تحت مشرحة علم الاجتماع

يبلغ عدد السيدات العازبات في تونس اللاتي تخطين سن الزواج مليونين و250 ألفًا، من ضمن 5 ملايين امرأة وفق الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، كما بلغت نسبة غير المتزوجين بين سن الـ25 والـ29 عاماً 81.1 في المائة سنة 2016. ومع ذلك وحدها الفتاة غالبًا من تتحمّل عبئ هذا السؤال، لأنّها تسأل من النسوة في الغالب، وقليلًا ما يُطرح هذا السؤال في الوسط الذكوري.

ولا أحد ينفي بالفعل تغّير بعض الأنماط الاجتماعية في تونس على غرار تأخر سنّ الزواج الذي تختلف أسبابه بين عزوف خياري، وبين عزوف اضطراري بسبب عدّة متغيّرات على غرار طول سنوات الدراسة وخروج المرأة للعمل وتعويلها على ذاتها، وذلك وفق ما يشير إليه المختص في علم الاجتماع أحمد الطرابلسي لـ"ألترا تونس".

ويضيف محدّثنا وهو بصدد إجراء دراسة عن تغيّر بعض الأنماط الاجتماعية، أنّ الظروف المادية ليست وحدها سبب تأخر الزواج في تونس، مشيرًا إلى أنه حسب عينة شملت 100 شخص فإنّ العديد منهم يهرب من المسؤولية أو لا يفكر في الأمر نهائيًا، كما أنّ انفتاح العلاقات أكثر جعل أغلب الشباب لا يفكر في الزواج في سنّ مبكرة.

أحمد الطرابلسي (مختص في علم الاجتماع): أغلب الشباب بالفعل لا يجد إجابة مقنعة لأنّ طريقة التفكير مختلفة وقد يكون ما يفكر فيه جيل اليوم مختلفا تمامًا عما يفكر فيه آبائهم

وفيما تعلّق بالإحراج بسبب السؤال عن تأخر الزواج، يقول محدّثنا إنّ "أغلب الشباب بالفعل لا يجد إجابة مقنعة لأنّ طريقة التفكير مختلفة وقد يكون ما يفكر فيه جيل اليوم مختلفا تمامًا عما يفكر فيه آبائهم. لذا يجدون صعوبة في الإفصاح عن وجهات نظرهم واختلاف رؤيتهم لبعض الأمور".

ويضيف الباحث في علم الاجتماع أن الفتيات خاصة اللاتي أنهين دراستهن الجامعية أكثر حرجًا لأنّهن بتن في سنّ العنوسة وفق نظرة المجتمع التقليدي، فيما ترى الفتاة التي أنهت دراستها ووضعت التعليم أولوية في حياتها أنّ الزواج لم يعد مرتبطًا بسنّ معينّة لا يجب تجاوزها أو أنّها ستصنّف ضمن خانة "الفتاة العانس" حسب توصيف المجتمع.

ويؤكد، في هذا الجانب، أنه توجد صعوبة عمومًا في إيصال ذات الفكرة إلى الجيل السابق المختلف عن جيل اليوم، مضيفًا أنّ المجتمعات العربية بصفة عامة تنقصها ثقافة الحريات الشخصية أو الخصوصيات التي لا يجب التطفل عليها، على اعتبار أن الكلّ يسمح لنفسه بالتدخل في حياة الآخرين تحت مسميات عدّة مثل الصداقة أو القرابة التي تعطي الحق في طرح سؤال "وقتاه نفرحو بيك؟".

 

اقرأ/ي أيضًا:

حفلات الزواج في تونس.. حلبة مصارعة للتفاخر والتباهي

قصص عن "الزواج العرفي" في تونس..