منها

منها "النوقا" و"المركوضة".. حلويات ساحلية تزيّن الموائد الرمضانية

"النوقا" من أشهر الحلويات في الساحل التونسي (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

 

لازالت تحافظ العائلة التونسية في جهة الساحل على أطباقها الرمضانية من شتى أنواع الحلويات، وهي أطباق نشأت منذ القدم في رحاب البيوت وبأنامل النساء اللاتي عهدن مواسم الأفراح وأعددن عدّة الليالي الملاح ويشاركهن الرجال في الإعداد والطهي والتصنيف.

رصد "ألترا تونس" إعداد الفطائر المحلاة وعربات بيع "النوقا" في مدينة سوسة وإعداد شباب مدينة بنان في المنستير لـ"المركوضة" 

إذ تبدأ العائلات في النصف الثاني من شهر رمضان بالخصوص في استعدادات استقبال العيد السعيد بصناعة الحلويات بالطرق التقليدية التي اشتهرت بها البلدات الساحلية، وتنتشر في الأسواق حيث يسعى الجميع إلى اقتناء ما لذّ منها اقتداء بما دأب عليه سلفهم من تقاليد في الأكل وشهوة في المذاق.

اقرأ/ي أيضًا: المهن الموسمية في رمضان.. باب رزق

 وبين عادات صناعة وبيع الحلويات، رصد "ألترا تونس" إعداد الفطائر المحلاة في بيوت المدينة العتيقة بسوسة وعربات بيع "النوقا" في سوق الذهب بالمدينة. كما تابعنا من مدينة بنان في ولاية المنستير إعداد شباب المدينة لـ"المركوضة" وهي رمز العادات الغذائية الرمضانية في المدينة.

فطائر سوسة المحلاّة

في جولة في المدينة العتيقة بسوسة بين الجدران العاليّة والمسالك الضيقة، تدبّ حركة حثيثة لأهالي المدينة يتنقلون بين الأسواق ومحلات بيع التوابل ومستلزمات إعداد الحلويات ولم تخل سلالهم من سميد وطحين وبهارات تونسية وشرقية لإعداد الأطباق الشهية.

التقينا أم كلثوم القابسي، إحدى النساء اللاتي تحتفظن بذاكرة المدينة من عادات وتقاليد، لتحدثنا عن أهم عادات مدينة سوسة ليلة النصف من شهر رمضان وليلة 27 وهي طهي الفطائر المحلاة بالتمر والزبيب.

الفطائر المحلاة في سوسة

 

وأخبرتنا، بداية، أن عادة طهي الفطائر المحلاة متوارثة عن الأجداد لتزيين الطبق الرئيسي في المناسبات الدينية كليلة نصف رمضان وليلة القدر، وهي ترمز إلى الفأل الحسن والايمان بنعم الله. وبيّنت أن الفطائر تُعدّ في عدة جهات من المدن والقرى المحيطة بسوسة بمزيج من السميد والفرينة حتى تصبح كالإسفنج، ولكنها تعدّ في سوسة بالشكل الذي تبقى عليه فطيرة غير إسفنجية.

وأضافت أن مكونات الفطائر الأصلية هي فرينة، وملح، وبسباس وملون أصفر ليقدّم عجين سائل يُخلط في ماء دافئ، ثم يُترك ليختمر لمدة زمنية لا تتجاوز الساعة والنصف، ثم تُرمى قطع العجين في المقلاة وترشق بحبات من الزبيب أو بالتمر.

وأردفت أم كلثوم أن العائلة تجتمع، وفق العادات، عند كبيرها لتُطهى الفطائر قبل آذان المغرب مع إعداد الكسكسي بلحم الضأن ليلة النصف وليلة السابع والعشرين من رمضان، وتزين المائدة بالفطائر والمقروض و"الدبلة" و"الحلوى البيضاء وأنواع من "البشكوطو" و"الغريّبة". وقد يحمل العريس في المواسم إلى دار العروس الفطائر المحلاّة مع أنواع أخرى رفيعة من الحلويات مع قطع الحليّ وهما علامة الخير والدلال وفق قولها.

"النوقا".. حلوى بيضاء مرصعة بالفواكه الجافة

غير بعيد عن دار أم كلثوم في المدينة العتيقة بسوسة وفي مفترق أزقة "سوق الصاغة"، تنتصب عربات بيع الحلوى البيضاء "النوقا" المرصعة بالفواكه الجافة من لوز وفستق وجلجلان (سمسم). فبمجرّد دخول "الربط" تتناهى إلى مسامعك طقطقات "القادومة" وهي آلة حديدية تقطع بها الحلوى اليابسة إلى قطع صغيرة.

تقطيع حلوى "النوقا" (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

 

حلوى "النوقا" رافقت تاريخ سوسة منذ بدايات القرن الماضي حين كان أحد الشيوخ يجلس في ذات هذا الركن أمام عربة صغيرة يضع أمامه كيسًا من الحلوى البيضاء الناصعة أمامه لتكون قطعها بهجة للعائلة عند كل إفطار وسرورًا للصغار والكبار وزينة المحافل والمباهج الدينية والاجتماعية.

عربة لبيع حلوى "النوقا" في المدينة العتيقة بسوسة (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

 

التقينا عند إحدى العربات أحد أحفاد عامر غنيم ذاك الشيخ صانع الحلوى البيضاء الذي كنا نتحدث عنه، ليعلمنا أنه ينتصب بعربته مثل كان يفعل الأباء منذ ما يقارب المائة سنة قائلًا: "ها نحن اليوم نستقبل زبائننا الذين لا يتخلون عن عادتهم في اقتناء هذه الحلوى التي تزين أطباق المواسم والأعياد الدينية والأعراس".

وعن مكونات هذه الحلوى، أخبرنا أنها تتكون من السكر وعصير الليمون وبياض البيض وهي تخلط جيدًا في أوعية نحاسية كبيرة تحت وهج النار مع الجلجلان أو اللوز أو الفستق، ثم تُسكب في أكياس لتصير صلبة شديدة. وأوضح أنها تُجلب منها كميات يومية حسب الاستهلاك إلى العربات البيضاء لتباع بالميزان إلى الحرفاء.

اقرأ/ي أيضًا: غزوة "الكنافة" في تونس!

"المركوضة البنّانية" سلطان موائد السهرة

غير بعيد عن مدينة سوسة، وفي مدينة بنان من ولاية المنستير، انتشر تقليد يعود إلى بدايات القرن الماضي وهو إعداد حلويات تنتج يدويًا حسب عادات دأب عليها شباب المنطقة.

"صحفة المركوضة" أو ما يعرف عنها أيضا بـ"الكرديانة"، هي إحدى العادات الغذائية المنتشرة في جهة الساحل عامة ومدينة بنان خاصة، وهي عبارة عن نوع من الحلويات تصنع من أبيض البيض مخفوقًا في إناء يوضع معه السكر وقليل من الخل ويُخلط لمدة زمنية طويلة حتى يصير كريمة طازجة متماسكة.

"صحفة المركوضة" أو ما يعرف عنها أيضا بـ"الكرديانة" هي  نوع من الحلويات تصنع من أبيض البيض مخفوقًا في إناء يوضع معه السكر وقليل من الخل 

وكان يجتمع شباب الأحياء، في الأمسيات الرمضانية وفق عادات البلدة، في مجموعات صغيرة أمام منازلهم، يفترشون الأرض أو يجلسون على الكراسي، وقد أخذ كل منهم إناء، ويتسابقون قبل نحو ساعتين من موعد آذان المغرب لإعداد "المركوضة".

يتسابق أهالي مدينة بنان في إعداد "المركوضة"

 

وتحدثت أسماء العريبي أصيلة بنان، على هامش مهرجان "المركوضة" بالبلدة الذي أقيم السنة الفارطة، أن طريقة الإعداد لهذا النوع من الكريمة تتمثل في صب محتوى بيضة أو بيضتين من السائل الأبيض فقط في فنجان وخلطه بالخل بكمية معينة من السكر الدقيق ثم الاستمرار في تحريكه وخلطه بسرعة باليدين وبواسطة عصا متوسطة الحجم وطويلة يفضل أن تكون من الخشب.

وقالت إن عملية الخلط تتم بوتيرة تشبه عملية الركض ما جعل أهالي بنان وغيرها من المدن يطلقون على هذه الكريمة "المركوضة" حتى تنمو كمية الكريمة في الفنجان مع ترقيقها بكمية من عصير حامض الليمون وماء الزهر لضمان النكهة الخاصة وتليين الكريمة، ثم تتواصل عملية الخلط اليدوي بسهولة لزيادة الكمية الكافية لأفراد الأسرة.

اقترنت "المركوضة" بشهر رمضان في مدينة بنان

 

وتحدث لـ"ألترا تونس" أحد شباب بنان وائل فرج أن "الكرديانة" أو ما يطلق عليه بـ"المركوضة" تعدّ منتوجًا غذائيًا أصيلًا تشتهر به مدينة بنان خاصة و بعض المدن الساحلية مثل صيّادة وقد اقترنت بشهر رمضان إذ تعرف ببساطة مكوناتها مما يجعل من إعدادها يسيرًا لكافة الشباب والأطفال.

وقال إنها تتخذ شكلًا احتفاليًا فرجويًا كل مساء في أحياء المدينة إذ يتسابق الناس لإعداد أزينها شكلًا وألذّها طعمًا حتى يودّ الشباب أهلهم وأزواجهم بها. كما انتشر تقليد لدى شباب بنّان بإعداد المركوضة وتقديمها هديّة من الخطيب إلى خطيبته فيودّها بها عندما يزور أهلها ليلًا.

وأضاف محدثنا أن أهل بنان تغنوا بهذه الأكلة وردد أحد شعرائها بوراوي قم أبياتًا قائلًا:  

تِتْفَخَّرْ لَعْرُوسَــــةْ بِذْهَبْهَا *** وتِتْفَخَّرْ بْرَاجِلْهَا المَحْـــظُوظَهْ

كِي تتْفَكَّرْ اللّي خَاطِـــبْها *** تِنْسَى اللّبسَهْ وُ دُورْالمُوضَهْ

بَنَّانِيَةْ تِفْرَحْ بِاللّي نَاسِبْهَا *** فِنْجانْ زَيْنُوا فِيهْ المَرْكُوضَهْ

 

اقرأ/ي أيضًا:

"حق الملح".. عادة تونسية في طريقها إلى الاندثار

حلويات عيد الفطر.. عادة تواكب تطورات العصر