البنية الساحلية والطريزة الذهبية:

البنية الساحلية والطريزة الذهبية: "إذا البنيّة دبات وحبات اسأل أمها آش خبّات"

2152 مشاهدة
الملابس التقليدية الاحتفالية في الساحل تكشف عن ثروة لا تقل قيمة عن سندات بنكية (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

بين المرأة "الساحلية" وخيوط الذهب والفضة علاقة مقدسة تتجسد في فنون الحياكة والتطريز وتتجلى في تلك الألبسة التقليدية التي ترتديها في الأعراس والمناسبات.

والمرأة في الساحل التونسي لم تتخل عن مكتسباتها "التاريخية" من الألبسة المطرزة بالخيوط الفضية والذهبية فإن كانت تخرج العروس ألبستها ضمن "الجهاز" (ما تحمله المرأة من أثاث إلى بيت الزوجية) فهي اليوم تكتفي عادة بكرائها والتحلي بها في أيام معدودة من الأيام الأولى لزواجها.

ولا يمكن أن تتجول اليوم في شوارع تونس دون أن تلاحظ هذه العودة إلى الملابس التقليدية في أشكال عديدة. ولم تختف من شوارع  مدينة حمام سوسة الساحلية "الفوطة" المطرزة التي تشد الحزام و"المنشف" المغطى به الرأس والكتفين لأغلب نساء البلدة وعلى رؤوسهن العصابة السوداء وقد شدت الشارية إلى الرأس متدلية على الظهر.

اقرأ/ي أيضًا: بيض وسمك وضرب.. أغرب عادات الزواج في تونس

تحافظ النسوة في عديد المدن الساحلية على تقاليدهن في الألبسة (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

أما في المحافل والمناسبات ففي لباس "العروس" و"الحضّارة " قد ترى أموال الحضارة. فبقدر ما تبتهج العين بالألوان الزاهية وبريق الذهب والفضة والحرير بقدر ما تكتشف مظاهر البذخ والترف.

ولما رأينا من تهافت النسوة على الألبسة التقليدية المطرزة، طرقنا إحدى المتخصصات في تطريز ملابس الأفراح بمدينة سوسة لنكتشف منها أسرار هذه الحرفة الضاربة في القدم والمتجذرة في الساحل التونسي.

أم كلثوم الحشفي تعيش بأحد أزقة المدينة العتيقة وكانت منذ صباها تعشق مهنة التطريز التي ورثتها عن أمها وصقلتها بالتخصص فيها. تروي أم كلثوم قصتها مع هذه الحرفة لـ"الترا تونس": " الإيطاليات هن من علّمن أمي هذه المهنة، وكانت تتخصص في تطريز "العدس" بآلة الخياطة القديمة وكانت الوحيدة التي تتقن هذا النوع المستحدث إضافة إلى التطريز اليدوي المعروف. وكانت تبدع في حياكة "السروال العربي" والفراش المطرز".

أم كلثوم الحشفي (مختصة في تطريز الملابس التقليدية في سوسة) لـ"الترا تونس":  نحن نطرز الملابس بخيوط رقيقة محلاة بالفضة يتم غزلها كما يغزل الصوف وتلتف به خيوط مماثلة ذهبية

وتضيف "تمكنت من إتقان المهنة ولا لأزال فيها لأكثر من ثلاثين سنة وقد حاولت أن أحافظ على مكون أصلي في تراثنا وعامل أساسي في حفظ ذاكرتنا الجمعية بمدينة سوسة خاصة التي غزتها ملابس أخرى من مدن مجاورة حتى كادت تندثر، فبقدر ما حافظت جهة المهدية والمكنين وقصر هلال والبقالطة على تراثها في اللباس التقليدي بقدر ما ذهب منه في مدينة سوسة الكثير".

وبخصوص أسرار الذهب والفضة في هذه الألبسة، قالت محدثتنا "نحن نطرز الملابس بخيوط رقيقة محلاة بالفضة يتم غزلها كما يغزل الصوف وتلتف به خيوط مماثلة ذهبية، ولدينا إضافة إلى هذه الخيوط، خيط الحرير اللامع "المبردح" وهي كلمة نعني بها المتدرج في الألوان من الأخضر إلى الأبيض أو من الأحمر إلى الأسود وغير ذلك".

اقرأ/ي أيضًا: حناء قابس.. "الذهب الأحمر" الذي هجرته النساء وأهملته الدولة

 أم كلثوم الحشفي

تستعمل أم كلثوم الحشفي خيوط الفضة والذهب في تطرير الملابس التقليدية المخصصة للمناسبات (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

وتردف موضحة "أما المواد الأخرى المستعملة فهي "العدس" و"العقيق" و"الفضة الصارمة" ونعني بها الفضة الخالصة وهي التي تحاك بها "الفوطة" و"البلوزة" الخاصة بمدينة سوسة وكذلك كسوة "الجلوة" وكسوة ليلة الزفاف البيضاء والقفطان الأسود والقمجّة الصفراء.. ومن هنا يمكن أن نكتشف ارتفاع كلفة الألبسة التقليدية المستعملة في الزفاف والتي تستهلك الواحدة منها بين 3 و 4 كغ من الفضة الخالصة أو المغمّسة في الذهب علمًا وأن الكيلو غرام الواحد من الفضة يقدر بألف ومائتي دينار".

وعن بعض الملابس الاحتفالية بسوسة، تبيّن أم كلثوم الحشفي أن "الحضّارة (وهن من أهل العروس والعريس) يلبسن السراويل العربي والفوطة ومريول فضيلة ومن فوقه "الحصّارة" ( حمالات مطرزة تلبس فوق اللباس تكون مطرزة في المناسبات وغير مزركشة في الأيام العادية)". وتضيف الحشفي: "أما نسوة المنستير فيلبسن "العبا" وهي متكونة من سروال عربي بني اللون وفوطة مصبّعة و"سورية بيضاء" فوقها "حصّارة" (حمالة) مطرزة بسلك غليظ من الفضة والعدس وترتدين فوقها "فرملة" مطرزة بالعدس".

كنا نجوب المكان الذي تمتهن فيه أم كلثوم الحشفي حرفتها في التطريز ونلاحظ عددًا كبيرًا من الألبسة بألوان زاهية وأشكال نباتية مختلفة، وبقدر ما لفتت انتباهنا الموديلات المتنوعة بقدر ما أدهشنا اختلاف الوشم من بدلة إلى أخرى والحفاظ على خصوصيتها عبر قرون من الزمن. وحول هذا التنوع تقول أم كلثوم لـ"الترا تونس": "أغلب الرسومات والوشم المطرز يتخذ أشكالًا نباتية من ورق وأزهار في أشكال مختلفة توارثناها عبر الأجداد وهي دلالة على الحياة والفرح، ففي قفطان الجلوة الأسود مثلًا نلاحظ رسمًا لباقة ورد في القفا. وقد حافظنا على الورود في الموديلات الحديثة كذلك".

أم كلثوم الحشفي لـ"الترا تونس": أغلب الرسومات والوشم المطرز على الملابس التقليدية يتخذ أشكالًا نباتية من ورق وأزهار في أشكال مختلفة توارثناها عبر الأجداد وهي دلالة على الحياة والفرح

أما عن الخصوصية في اللباس التقليدي لحمام سوسة فتوضح "تتميز حمام سوسة "بالتخليلة" المطرزة بالعقيق الفضي وخيط الحرير وفيها ثلاثة ألوان مميزة وهي الأحمر والبرتقالي والأخضر، أما الفوطة فيدار بها الحزام المطرز ويلبسن "مريول فضيلة" و"السورية" وميزتها قصر الكمّ ويشدّ الرأس بعصابة سوداء طويلة ويغطّى الرأس بالحرير الأحمر والأخضر، أما المنشف فيغطي الكتفين".

ونلاحظ من خلال ما أوردته هذه الحرفية أن الألبسة التقليدية نوعان أحدهما مطرز يستعمل في المحافل والمناسبات وآخر قد يخلو من الزركشة يستعمل في الحياة اليومية، ومن مظاهر التباهي وإظهار علامات "العز" والغنى التميز بما يمكن أن يلفت الانتباه. وبقدر ما أمعنا في وصف المواد المستعملة في التطريز فإننا نلاحظ أن المواد المستوردة من الشرق الأقصى قد أسهمت في ذهاب الخصوصية التونسية التي تميزنا أحيانًا، خاصة تلك القطع الجاهزة بأشكال شرقية والتي ترتبط بالثقافة الآسيوية والهندية خصوصًا.

وتؤكد الحشفي استعمال العديد من المختصات في التطريز لهذه المواد والوشوم الجاهزة، مبينة أن "ارتفاع كلفة مواد أخرى جعل البعض يتوجه نحو مواد بلاستيكية موردة للضغط على المصاريف وهو ما يضرّ بالقيمة اللامادية لتراثنا الأصيل" وفقها.

هناك أنواع  للألبسة التقليدية في الساحل التونسي بعضها مطرز يستعمل في المحافل والمناسبات وآخر قد يخلو من الزركشة يستعمل في الحياة اليومية

الملابس التقليدية الاحتفالية في الساحل التونسي تكشف عن ثروة في كل بيت لا تقل قيمة عن سندات بنكية، تسعى الأم منذ ولادة ابنتها إلى تجميع إيراداتها من التجارة والفلاحة واستثمارها في خيوط الذهب والفضة وحياكة الحرير والحايك لتتحلى بها العروس وتتباهى بها العائلة. ومن الأمثلة التونسية في هذا السياق، "إذا البنيّة دبات وحبات اسأل أمها آش خبّات" و"اللي ما تتزوج بخدودها تتزوج باللي خلاه جدودها"، إلا أن من لا يتحمل تكاليف هذه التقاليد يستند "لكلام ناس بكري" "الدنيا قش في قش واللي يتنفخ يتفش".

مراسل "الترا تونس" رفقة الحرفية وعارضاتها

مراسل "الترا تونس" رفقة الحرفية وعارضاتها

اقرأ/ي أيضًا:

"قفة العروس" في سوسة.. سلة الاحتفالية والجمال والتحصين من الشرور

صناعة الأواني الخشبية: عادة قديمة وتجارة تزدهر في المواسم الكبرى