21-أكتوبر-2023
فلسطين تونس

سيكون 7 أكتوبر 2023 تاريخ تحوّل عميق في الصراع وفي التوازنات الإقليمية والدولية ونهاية دولة الكيان الوظيفية (ياسين القايدي/ الأناضول)

مقال رأي 

 

يعرف الشارع العربي تعبئة غير مسبوقة نصرةً للمقاومة في غزة وفلسطين. فقد مثّل تاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 العظيم منعرجًا حاسمًا في الصراع وخطوة أولى ثابتة في مرحلة التحرير.

وفي سياق هذا الزخم الشعبي الجارف هذه الأيام، يلاحَظ عودة قوية لشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". وهو العنوان الذي شغل أجيالًا وضيّع أحلامًا وكان من الأسباب الأساسية في انتصار العدوّ المحتل وهزيمتنا المُرّة أمامه وأمام نظام الاستبداد. وكأننا لم ننتبه، بما يكفي، إلى أنّ الاحتلال والاستبداد وجهان لحقيقة واحدة. وكأنّ الثورة لم تنهِ الجدل بربط "إسقاط النظام" نظام الاستبداد بـ"تحرير فلسطين".

يعرف الشارع العربي تعبئة غير مسبوقة نصرةً لفلسطين وفي سياق هذا الزخم الشعبي الجارف يلاحَظ عودة قوية لشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" وهو العنوان الذي شغل أجيالًا وكان من الأسباب الأساسية في انتصار العدوّ المحتل وهزيمتنا المُرّة

  • سقف المتناقضات 

الانتصار لفلسطين سقفٌ ما زال قابلًا لأن يجمع خليطًا من أنصار الحرية وخصومها. وطبيعي أن يكون هذا العنوان العائد بقوة هذه الأيام ملاذًا لمن اعتبروا ثورة الحرية والكرامة "ربيعًا عبريًا". وكانوا من أدوات إجهاض محاولات تأسيس الحرية وبناء الديمقراطية، واعتبار الانقلاب عليها "فرصة".

واشتركت في هذه الخطيئة نخبٌ وأنظمة استبداد عربية وقوى إقليمية جارة يجمع بينها الخوف من الاختيار الحر وبناء مؤسسات مُمثَّلة.

ومن المفارقات أنّ الاحتلال شاركهم موقفهم هذا في معاداة الثورة والعمل على إجهاضها، واختلف عنهم بأن أسّس "حرية المحتلّين وكرامتهم" لتحقيق شروط احتلاله وميزه العنصري وإبادة أهل الأرض وتهجير من بقي منهم على قيد الحياة.

الانتصار لفلسطين سقفٌ ما زال قابلًا لأن يجمع خليطًا من أنصار الحرية وخصومها أولئك الذين كانوا من أدوات إجهاض محاولات تأسيس الحرية وبناء الديمقراطية، واعتبار الانقلاب عليها "فرصة"

كانت هذه سياسته لأكثر من سبعة عقود. فلم يؤجّل حقّ "مواطنيه" في الحرية والمشاركة في تحقيق حلم الحركة الصهيونية،  بدعوى أولوية مواجهة المخاطر المحدقة به من الجيوش العربية التي تطوقه. وهو لا يتوقّف عن افتخاره أمام داعميه الغربيين بأنّه الديمقراطية الوحيدة في بحر الاستبداد العربي المتلاطم. وهو بذلك يبرّر للأوروبيين جريمتهم  بترحيل "المسألة اليهودية" التي انطرحت بينهم إلى فلسطين، ولا يبخل بإسعادهم بأن يروْا في زرع دولة الكيان في فلسطين مواصلة لدور الاستعمار في نشر المدنية الغربية وأنوارها في الهامش/الجنوب غير القابل للخروج ذاتيًا من التوحّش والبدائية إلى التمدن.

ولكن المذهل أن يسارع إلى "لا صوت يعلو" نفرٌ ممن انتصر للديمقراطية رغم تعثرها أولًا، والانقلاب عليها أخيرًا.  

سيقول لنا البعض هل تكونون مقاومين أكثر من المقاومة التي جيّرت موقف السيسي الأخير؟ ومن أنتم حتّى تتعالموا وتُعطوا الدروس من وراء مفاتيح حواسيبكم؟ 


صورة

قد يكون لقيادة المقاومة من التقديرات التي لا ندرك خفاياها ومن المرونة في ترتيب الأولويات الذي قد يحجبه عنا انتصارنا الحادّ للمبدأ. وقد نفهم منه أنّ هدف "إسقاط مشروع التهجير" المخيف كان مبررًا كافيًا لتقديمه على ما سواه. لأنّ الوصول إلى تهجير أهل غزة سيقلب اتجاه المعركة ويَجبُر مؤقتًا انكسار العدو. 

وفي كل الأحوال نعتبر أنّ موقف المقاومة من موقف السيسي الموافق على مبدأ تصفية المقاومة في غزة ونصحه العدو بأن يكون التهجير إلى صحراء النقب، صِيغَ بمنطق "النظام" لا بمنطق "المقاومة". وكان يمكن للمقاومة، في أسوأ الأحوال، أن تحتويه بالتغاضى عنه. 

وحتّى لو اعتبرنا أنّ هذا هو التقدير الأفضل في ظل هذه الشروط الصعبة، فإنّ هذا لا يمنع من أن يكون موقف المصريين المتظاهرين لنصرة غزة وفلسطين منددًا بموقف السيسي. وهو موقف لا ينفصل عن موقفهم من انقلابه على ثورة 25 يناير الدموي. وهو موقف المقاومة الضمني، وإن كانت غير مطالبة بالإفصاح عنه. 

 

 

  • هل نؤجّل مطلب الحرية؟ 

الحرية مطلب غير قابل للتأجيل في كلّ الأحوال. فقضية القدس تختزل قضية الحرية في العالم. ولن يؤجل الخوض فيها باعتبارها أولوية الأولويات إلاّ "طيبٌ" مستعد لأن يُلدغ ألف مرة من الجحر نفسه، أو مستبد يخاف من إدراك علاقة التلازم بين مقاومة الاحتلال ومقاومة استبداده وعسفه. 

في تونس، يدعو قيس سعيّد إلى الانتصار لفلسطين "بالكلمة الأمينة المعبرة عن الطلقة الشجاعة بالجماهير العربية منظمة ومسلحة، وبالحرب الشعبية طويلة الأمد أسلوبًا"، وهي جملة منتزعة من محفوظات جيلنا، ومن نداء شهير تَفْتَتِح به إذاعةُ "صوت فلسطين" بثها اليومي من الجزائر، في سبعينيات القرن الماضي. 

يمثّل الربط بين تحرير فلسطين وإسقاط الاستبداد القاعدة الأصلية لحركة الشارع العربي المنتصر للمقاومة، ولا أفق للانزياح عنها سوى إعادة إنتاج نظام الاستبداد في السياق العربي ومنح الاحتلال عمرًا جديدًا

وبقطع النظر عن مدى موافقة الجملة لسياقنا الحالي، فإنها لن تغطّي على انقلاب 25 على الديمقراطية وما رافقه من هدم مؤسساتها وسجن قياداتها بسبب  إصرارهم على استئناف المسار الديمقراطي. وهم من أنصار الثورة ونخبة الدولة التي تربّت على الانتصار لفلسطين وحقها التاريخي. 

وعلى الصعيد الشخصي، كانت المشاركة في التظاهرات المنتصرة لفلسطين متوترة بين الرضا والخيبة، إذ أنّ استحضار رفاق لنا وإخوة يقبعون، بسبب رفضهم الانقلاب على الديمقراطية، في سجون الانقلاب المزايد في دعم فلسطين، يحيلنا على اللاجدوى.

يمثّل الربط بين تحرير فلسطين وإسقاط الاستبداد القاعدة الأصلية لحركة الشارع العربي المنتصر للمقاومة، ولا أفق للانزياح عنها سوى إعادة إنتاج نظام الاستبداد في السياق العربي ومنح الاحتلال عمرًا جديدًا.

هذا التقدير المبدئي لا يمنع من الانتباه إلى معطيين مهمّين: توحّد الشارع في نصرة فلسطين، وضمور المطلب الديمقراطي وتمفصله مع  نصرة فلسطين. 

 

 

ويلاحظ هذا الضمور عند فئتين من الناس: عامّتهم المشدودة إلى المعاناة اليومية ورحى الأزمة المالية الاقتصادية الطاحنة، وشبيبتهم بمشاركتها الواسعة والمستقلة الملحوظة. فلم تعد الأحزاب إطارًا يسع عنفوانها، ولا قياداتها المتهرمة ما  تساعدها على تحقيق طموحها وتصورها للحياة وللمستقبل. 

وقد برز ظهورها بقوّة في تظاهرات فلسطين. ومن الصعب ضبط حركتها وعنفوانها الرافض لكل الحواجز ومنها الحواجز الأمنية. وهذا ما يجعلها قادرة ذاتيًا على اكتشاف "معطى الحرية" في حركتها المناصرة لفلسطين. وعلى الربط بين إسرائيل وحواجز الاستبداد، بعد أن كانت نجحت في تجاوز حواجز الأحزاب والطبقة السياسية. 

الحركة الديمقراطية التي تتحرّج من الربط بين دعم المقاومة في فلسطين ومهمة استعادة الديمقراطية مدعوة إلى أن تسأل: لماذا تهبّ الجماهير بعفوية لنصرة فلسطين ولا تحرّك ساكنًا عندما تُغدر الديمقراطية بالانقلاب عليها والتنكيل بقياداتها؟!

ويبدو أنّ هذا السؤال سيبقى معلقًا بسبب الوضع الذي تعرفه الحركة الديمقراطية. وإن كان هناك من يشير إلى أنّه ليس سؤال الناس والمرحلة بقدر ما هو سؤال الحركة الديمقراطية المأزومة، وسؤال الطبقة السياسية التي لم تنجح في بناء المشتركات  والتسويات المطلوبة تحت سقف الحرية العالي المعمّد بدماء الشهداء، على مدى عشرية الانتقال. 

 

 

  • فلسطين المُحرِّرة 

ومهما يكن من أمر فإنّ الانخراط بقوة في دعم الحق الفلسطيني وإسناد المقاومة غير المشروط وما سيتولد عنه من تداعيات ينبئ بانتصار تاريخي للمقاومة كفيل بالوصول إلى القناعة الثاوية في تاريخ الصراع بأنّ تحرير مربّع للحرية يمثّل الدعم المباشر والأنبل لمسار التحرير والعودة.

هذا الفرز يُطرح ومرشّح لأن يُطرح بقوة على المستوى الإقليمي وداخل القوى المعنية بمستقبل الصراع في فلسطين.

الانخراط بقوة في دعم الحق الفلسطيني وما سيتولد عنه ينبئ بانتصار تاريخي للمقاومة كفيل بالوصول إلى القناعة الثاوية في تاريخ الصراع بأنّ تحرير مربّع للحرية يمثّل الدعم المباشر والأنبل لمسار التحرير والعودة

وإنّ ما يلوح من انتصار المقاومة ونجاحها في كسر العدو كسرًا لن يُجبر سيعيد صياغة التلازم بين "تحرير فلسطين" و"إسقاط النظام". فتكون فلسطين بانتصارها هي المقدمة الفعلية، في هذا السياق، لإسقاط الاستبداد. وتكون فلسطين موضوع التحرير هي المحررة. فنظام الاستبداد العربي سيفقد بانكسار الكيان أهمّ سند له. وقد كان استثمر زمنًا في دعاوى "محاربة العدو"، وصادر الحريات وقهر الأحرار وفقّر أوسع الفئات الاجتماعية، تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". ثم استظل بدعاوى "السلام العادل والشامل" و"حلّ الدولتين"، و"صفقة القرن" ليبرر التطبيع والتفريط في فلسطين مقابل استمراره.

سيكون 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 تاريخ تحوّل عميق في الصراع وفي التوازنات الإقليمية والدولية ونهاية دولة الكيان الوظيفية. وهو ما سيرشّح قوى إقليمية متحفّزة قد ينهض الأقوى منها والأكثر استعدادًا لملء الفراغ في ظل توازنات جديدة. 

النظام العالمي اليوم في وضع انتقالي باتجاه مآلات لم تتوضح بعد، ويندرج الصراع العربي الصهيوني بمستجداته الأخيرة في قلب المعركة الكبرى بين معسكر الديمقراطية التمثيلية المأزومة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ومعسكر الديمقراطية القومية الشعبوية بقيادة الصين.

حين تتحرر فلسطين، ويعود الحق إلى أصحابه، يكون التاريخ قد انعطف نحو "دورة حضارية جديدة" بالمنظور الخلدوني، ففلسطين المُحرَّرة ستكون فلسطين المُحرِّرة

 وقد تفقد الولايات المتحدة بانهيار دولة الكيان هيمنتها الاقتصادية والعسكرية الأمنية على العالم وتتراجع  إلى مجالها الأطلسي. وقد يكون هذا المآل سببًا من أسباب هبّتها غير المسبوقة لنجدة الكيان وتورطها المباشر في قتل أهل غزة. 

ومع ذلك فإنّ نتيجة انخرام توازنات بسقوط مكونات من معادلتها يفضي إلى مرحلة انتقالية مضطربة قبل استعادة التوازن الاستراتيجي مجددًا. 

امتدت "مظلمة فلسطين" حتى أنّ العالم لا يتخيل العالم دون هذه القضية ولا يقدر على تخيل مستقبله بدونها. 

حين تتحرر فلسطين، ويعود الحق إلى أصحابه، يكون التاريخ قد انعطف نحو "دورة حضارية جديدة" بالمنظور الخلدوني. ففلسطين المُحرَّرة ستكون فلسطين المُحرِّرة. وسيكون أفق عملية التحرر والتحرير تحرير اليهود ثم العالم من الصهيونية (الرأسمال الربوي).  

وفي كل الأحوال لا صوت يعلو فوق صوت الحرية. 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"