ما وراء عصيدة الزقوقو.. رحلة الإنتاج الشاقة

ما وراء عصيدة الزقوقو.. رحلة الإنتاج الشاقة

تتوفر أشجار الصنوبر الحلبي بمناطق الشمال والوسط الغربي في تونس (Getty)

 

أسعار "الزقوقو" (الصنوبر الحلبي) وفوائده الصحية ومقادير العصيدة معلومات يهتم لها الكثيرون، لكنها لا تعني العاملين الذين يقطعون رحلة شقّ الأنفس لجمع المحصول.

تقضّي آلاف الأسر في الشمال الغربي للبلاد التونسية أكثر من نصف العام معلّقة بين أشجار الصنوبر العالية وتنتهي التجربة بالبعض من أفرادها مقعدين عاجزين عن الحركة بسبب إصابات خطيرة في الظهر. ثم تتواصل رحلة المصاعب في الأفران تحت الأرض بحرارتها المرتفعة تحت وطأة عقوبات مالية ومخالفات بسبب الأساليب المعتمدة للهروب من تعقيدات رخص الاستغلال والنقل.

تقضّي آلاف الأسر في الشمال الغربي للبلاد التونسية أكثر من نصف العام معلّقة بين أشجار الصنوبر العالية من أجل جمع "الزقوقو"

اقرأ/ي أيضًا: "مردومة" الفحم.. ملجأ الفقراء الدافئ

"الزقوقو" اقترن بطبق العصيدة التي تتفنن التونسيات في إعداده وتزيينه احتفالًا بذكرى المولد النبوي الشريف، لكنه أيضًا تحلية يشتهيها الكثيرون في شهر رمضان. في سبعينيات القرن الماضي، لم تكن العصيدة معروفة لدى الكثير من التونسيين حتى في المناطق الجبلية إذ كان يُصنع من "الزقوقو" طبق "القلية" وهو خليط من مقادير متساوية من قمح و"الزقوقو" يُحمّر على النار.

كما تحظى النفساء بطبق "الزرير" التقليدي المكوّن من "زقوقو" مهروس وزيت زيتون وتمر يُطهى ثم يُضاف إليه البيض البلدي. كما تدخل هذه المادة أيضًا في تحضير صنف من الحلوى العربية.

تطورت، في المقابل اليوم، استعمالات هذه المادة إلى استعمالات تجميلية وطبية ومستحضرات غذائية في مشتقات الحليب خاصة، غير أن طريقة استخراج هذه المادة من المخاريط الصلبة ما تزال على حالها تتم على الطريقة التقليدية مثلما ظهرت أول مرة. ويمتد موسم الجني من شهر أكتوبر/ تشرين الأول إلى غاية موفى شهر أفريل/ نيسان من كل عام ويوفر 3 آلاف موطن شغل تقريبًا.

موسم الهجرة إلى الجبال

تتواجد أشجار الصنوبر الحلبي بمناطق الشمال والوسط الغربي وخاصة في ولايات الكاف وسليانة والقصرين وزغوان. وهي من أهم الأشجار الغابية بالبلاد التونسية إذ تغطي مساحة تقدر بـ 200 ألف هكتار. وتعرض وكالة استغلال الغابات للبيع سنويًا 87 ألف هكتار تنتهي ببيع حوالي 20 في المائة أي حوالي 16 ألف هكتار سنويًا بقيمة 127 ألف دينار. وقد بلغت الإيرادات المأتية من البيع بالمراكنة لمخاريط الزقوقو، سنة 2016، 1300 طن بقيمة 240.945 ألف دينار.

يهجر العاملون في قطاع جني "الزقوقو" مساكنهم مع كل موسم إلى السلاسل الجبلية حيث توجد أشجار الصنوبر، يحطّون الرحال وينصبون الخيام البلاستيكية ويصنعون لهم حيث حلًوا أفرانًا لاستخراج "الزقوقو" قبل أن يعودوا إلى الديار ببعض الدنانير أو بدين ثقيل نهاية الموسم.

يضطر عديد الأطفال في منطقة سند الحداد في سليانة إلى ترك مقاعد الدراسة مبكرًا لمرافقة عائلاتهم إلى الجبال من أجل جني "الزقوقو"

في الأشجار العالية، يقطعون مخاريط الصنوبر الحلبي بمقص الأشجار ويضعونه في كيس معلق يتدلى على الصدر والبطن. "تك...تك....تك" صوت يوحي بوجود مستغلين لأشجار الصنوبر الحلبي في جبل لا يسمع فيه غير صدى صوت يردده الكهف المقابل. يفرغون أكياسهم في مكان مهيئ قرب فرن أعدوه لإخراج البذور وفصل الشوائب والقشور بواسطة الغرابيل. 

سند الحداد، هذه المنطقة الواقعة في مكثر من ولاية سليانة والتي تقع على هضبة وأرض منبسطة حيث لا جبال وأشجار صنوبر في المكان، تمتهن فيها أكثر من 2000 أسرة إنتاج "الزقوقو". ويضطر أطفالها إلى ترك مقاعد الدراسة مبكرًا لمرافقة عائلاتهم إلى الجبال من الخريف إلى آخر الربيع، إذ تبدأ رحلتهم هم أيضًا في هذه المهنة التي لا يعرف أغلبية سكان هذه المنطقة غيرها. 

أمراض ومحاصيل لا تغطّي المصاريف

في ركن من ساحة منزل علي، الذي التقاه "ألترا تونس"، فرن تقليدي أُغلق بابه بلوح معدني حارق، يخفي حفرة متوسطة العمق لا يزيد طولها عن متر وحرارتها لافحة، تكدست في جزء منها مخاريط مفتّحٌ بعضها، وفي ركن منها كوم من جمر ورماد.

لم يبد الارتياح على علي، خمسيني ينتج "الزقوقو" منذ ما يزيد عن أربعين عامًا، إذ يستغرق الكيس الواحد من ثلاث إلى أربع ساعات داخل الفرن، وتزداد هذه المهنة صعوبة يوما بعد يوم كما ارتفعت المصاريف كثيرًا وقلّت معها المردودية المالية.

 يستغرق الكيس الواحد من ثلاث إلى أربع ساعات داخل الفرن

 

اقرأ/ي أيضًا: بسبب الإرهاب.. سكان الحدود يهجرون مهنًا جبلية

أما ناجية، 42 سنة، اشتكت هي الأخرى مما لحقها من أضرار صحية، ارتخاء في أعصاب العين، وآلام في الرأس بسبب ارتفاع حرارة الفرن عدا عن التعرض للشمس في الجبال. وقد بدأت رحلتها في جمع مخاريط الصنوبر في سن مبكرة حالها حال الآلاف من سكان هذه المنطقة الذين توارثوا هذه المهنة أبًا عن جد.

التقينا أيضًا عائشة التي قضى ابنها وزوجته شهرين في جبال بنزرت بعد أن تمكن من تسويغ مقسم لاستغلال الصنوبر إلا أن المحصول لم يكن وفيرًا ولم يكن كافيًا لتغطية المصاريف. "عليه أن يعمل ويسدّد دينه إلى المقاول" تقول أمه وهي تقلب المخاريط داخل الفرن المشتعل.

سطوة المقاولين واستغلالهم تذهب عرق العاملين في هذا القطاع سدى. ناجية هي الأخرى ستضطر للعمل وتسليم المحصول إلى المقاول لتسديد ثمن تسويغ المقسم الذي لم يكن العمل فيه كاف لتأمين المبلغ وهامش من الربح.

يعاني العاملون في قطاع جني "الزقوقو" من أمراض بسبب التعرض للشمس وارتفاع حرارة الفرن بالتوازي مع ضعف المردودية المالية للعمل

"ليس لنا أي عمل آخر، ملء الفرن وإفراغه وتصفية حبات الزقوقو هذا شغلنا الشاغل كامل اليوم نهارًا وليلًا"، تضيف عائشة لـ"ألترا تونس".

يكاد الدم يبزغ من وجنتيها لفرط حرارة الفرن في الداخل، تعودت يداها على مسك المخاريط الساخنة وإخراجها ونفضها لتسقط البذور منها. لم تكن تشكو من مشقة أو تعب فقط طالبت إدارة الغابات بتخفيض أسعار استغلال المقاسم الغابية وجعلها في متناول الأسرة محدودة الدخل.

يعاني، في الأثناء، العاملون في هذه المهنة من أمراض البرد والمفاصل بسبب ظروف جمع المخاريط، ويواجهون قساوة الطقس في أعالي الجبال وارتفاع الحرارة في الأفران التي تصل الى 200 درجة مئوية تمتد أشهرًا بعد انتهاء آجال موعد القطع. لكن ترى عائشة في هذه المهنة المهرب الوحيد من الخصاصة التي تعيشها المنطقة حيث لا مشاريع ولا أراضى يمكن استغلالها.

وتستمرّ تعقيدات الرخص الإدارية..

تحدّث محمد لـ"ألترا تونس" عما يشوب استغلال المقاسم الغابية من هنّات تدفع للتساؤل عما إذا كان الانتفاع بها يستجيب لمبدإ تكافؤ الفرص، وكيف أن طرقًا ملتوية تقود للظفر بمقسم غابي بسعر رمزي.

الفُتات هو محصول أشهر من الجهد والجمر يجنيها العاملون في هذا القطاع بسبب استغلال مقاولين وتجار، يضطرون للبيع بأسعار منخفضة للمادة التي تُباع لاحقًا بأسعار مضاعفة في السوق. فليس للعاملين مورد رزق آخر يمكنهم من الاحتفاظ بمحصول "الزقوقو" إلى موسم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.

يشوب استغلال المقاسم الغابية هنّات خاصة في ظل الحديث عن استعمال طرق ملتوية تقود للظفر بمقسم غابي بسعر رمزي

في شهر اكتوبر/ تشرين الأول 2018، أعلنت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري إلغاء تصاريح استغلال المنتوجات الغابية (الحلفاء والصنوبر والإكليل ومنتوجات أخرى) لمتساكني المناطق الريفية باعتبارها مورد زرق لهم ما يعني عدم الحاجة إلى تصاريح استغلال قانونية من الإدارة العامة للغابات.

لكن ظلّ الغموض يلف الإجراء الوزاري الجديد الذي لم يتجاوز عتبة التداول الإعلامي، إذ لازال يكابد المستغلون تعقيدات الرّخص والإجراءات الإدارية حيث ما حلّوا. يترقب العشرات على الأرض تسهيلات في منح تراخيص استغلال تأخذ بعين الاعتبار التقديرات الموضوعية للإنتاج في المقسم الغابي وتمنح المنتج رخصة نقل تمكنه من تسويق منتوجه دون اللجوء إلى تهريبه بسبب الفرق بين الكمية الموجودة في الرخصة والكمية المنتجة فعليًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الذهب الأخضر" في تونس.. مصدر رزق وأسلوب حياة

غابات تونس.. مصدر رزق وثروة مهدّدة