ultracheck
منوعات

"الكرّادة".. رجال "الزقوقو" الذين لا نراهم

8 نوفمبر 2019
GettyImages-545340527.jpg
عادة غابية متوارثة عبر الأجيال في غابات الشمال الغربي (Getty)
رمزي العياري
رمزي العياريصحفي من تونس

تصدير: "الغابة شقيقة الإنسان" (أمبرتو إيكو)


عندما ندخل الغابة، نشرع في مغازلة غرائزنا فترتبك عادات المدينة بداخلنا فينتابنا إحساس غريب بالتحليق على ذرى الأشجار فيما يشبه الحالة الشعرية، حيث تتجدد المعاني ويبدأ المطلق. هذه هي علاقة الإنسان بالغابة، مزيج من قسوة ورقّة ربما تلخّصها مشاعر قاطفي "الكرد" (المخروط) خلسة أو ما يعرفون في الشمال الغربي في تونس باسم "الكرّادة".

يعيش رجال "الكرد" أو "كرّادة الجبال" في الغابة بطرق وأساليب متوارثة منذ الأزل، إذ تعلّموا "التكريد" ونسج العلاقات الوجدانية والنفعية مع الغابة عن طريق آبائهم وأجدادهم هكذا بالسّليقة. يتسللون إلي الغابة في الأوقات المستحيلة عندما تنام الاشجار في غفلة من حرّاس الغابات أو "القارديانات" كما يسميهم القاطنون على تخوم الغابات وسفوح الجبال.

يعيش رجال "الكرد" أو "كرّادة الجبال" في الغابة بطرق وأساليب متوارثة منذ الأزل وهم يعملون على جمع مخاريط "الزقوقو" كل موسم

ينتظر هؤلاء الرجال موسم طرح الصنوبر الحلبي للمخاريط المحمّلة بحبات "الزقوقو" في فصل الخريف لتبدأ مغامرة "التكريد" في أغلب الغابات التونسية وتحديدًا على مساحة تقارب 360 ألف هكتار، وهي المساحة الجملية لغابات الصنوبر الحلبي تتحوّز ولاية سليانة على النصيب الأوفر منها بنسبة تتجاوز 35 في المائة.

و"التكريد" هو عادة غابية غير قانونية يمارسها الباحثون عن لقمة العيش في الشمال الغربي منذ عهود بتواطؤ أحيانًا من حرّاس الغابات التابعين للإدارة العامة للغابات بوزارة الفلاحة، إذ يأخذ "الكرّادة" وبعفوية الريفيين نصيبهم من غلال الغابة ومنها "كرد الزقوقو".

"ألترا تونس" يقتحم عالم "كرّادة الزقوقو" وينقل قصص بعض "الكرّادة" بجهة سليانة.

 

سليانة.. عاصمة "الزقوقو" في تونس

تعدّ ولاية سليانة المزوّد الرّئيسي للسوق من مادّة "الزقوقو" التي تستعمل أساسًا في صناعة "عصيدة الزقوقو" التي تعدّها العائلة التونسية بمناسبة ذكرة المولد النبوي الشريف، وهي من العادات الطبخية القديمة التي ظهرت خلال القرن التاسع عشر وتميزّ بها التونسيون دون سواهم. إذ لا نجد لهذا النوع من حلوى العصيدة السوداء في أي مكان آخر من العالم إلا في تونس، ويُستهلك محليًا سنويًا حوالي 300 طن من "الزقوقو" منها 200 طن في موسم الاحتفال بذكرى المولد النبوي.

تستهلك تونس سنويًا 300 طن من "الزقوقو" منها 200 طن في موسم الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف لإعداد "عصيدة الزقوقو"

ولذك كلّما اقتربت ذكرى المولد إلا وتنشط طريق "الزقوقو" بالشمال الغربي لتتحول سليانة عاصمة له يزورها التجار وعامة الناس للتزود بهذه المادة، فيما يتحرّك في نفس الوقت "الكرّادة" في اتجاه الغابة في الليل كما في النهار لتجميع مخاريط "الزقوقو".

أحمد (كرّاد): ورثنا هذا النشاط عن آبائنا وأجدادنا

أحمد هو أحد "الكرّادة" الذين التقاهم "ألترا تونس"، وقبل أن ينبس بالكلام بسط كفّيه المشققتين المجرّحتين أمامنا ليبيّن مدى مشقة الوصول إلى الكرد (مخروط الزقوقو) مبيّنًا أنه وجل أفراد عائلته يتنقلون ليلًا إلى عمق الغابة المجاورة لاحتطاب "الكرد" وهم يتفادون الليالي المقمرة خوفا من عسس الغابات الذين يتنقلون بواسطة السيارات الرباعية الدفع والخيول.

شجرة الصنوبر الحلبي (الزقوقو)

 

وأوضح أن العملية تتم في صمت مطبق، إذ يعتلي الرجال الأشجار في حين تتكفل النسوة بجمع المخاريط في الأسفل ووضعها في أكياس تُحمل بعد امتلائها إلى محيط المنازل استعدادًا لإعداد "مردومة زقوقو" ليُتحصل لاحقًا على بضع كيلوغرامات من "الزقوقو" تباع بأثمان لا تقدّر هذا الجهد وتلك المغامرة، وفق تعبير محدثنا.

وأفادنا أن الغابة التي يتوسدون سفوحها ويحرسونها منذ أزمنة كانت وإلى وقت قريب تمنحهم بعض الرزق لكن الدولة تمنعهم تحت مسميات قانونية عديدة قائلًا: "يتم كراء أجزاء من غابة الصنوبر لأصحاب المال الذين يمنعوننا من الاقتراب من غابتنا ويكثفون الحراسة مع انطلاق موسم القطف لكننا نراوغهم ونفتك بعض تلك الغلة حتى تستمر حياتنا كما كانت مستمرة مع آبائنا وأجدادنا".

الهادي (كرّاد): عملية صعبة ومحفوفة بالمخاطر

الهادي هو أيضًا "كرّاد" قديم، يقول لنا إنه يعرف جيدًا مسارب الغابة وهو يتنقل اليها في كل الأوقات ليتزوّد من الصنوبر الحلبي (الزقوقو) ما يقدر على حمله الحمار المصاحب، ولكن يباغته حراس الغابات أحيانًا وإن تشكلت بينه وبينهم صداقة باتت تجيز له التصرف بكل حرية في الغابة وفق قوله.

الهادي (كرّاد): يوفّر بيع "الزقوقو" بعض المال الذي يوفر بعض المؤونة في ظل غلاء المعيشة الذي أصبح لا يُطاق

ويضيف محدثنا الكهل الخمسيني أن الحصول على "الزقوقو" هي "عملية صعبة ومحفوفة بالمخاطر والمتاعب"، مبينًا أنها تبدأ من الغابة بـ"طرشقة كرود الزقوقو" وصولًا الى سوق مكثر أو القيروان من أجل البيع والحصول على بعض المال الذي يوفر بعض المؤونة في ظل غلاء المعيشة الذي أصبح لا يطاق على حد تعبيره.

التيجاني (كرّاد): مسالك وعرة هربًا من التفتيش

التيجاني هو موظف عمومي في قطاع التعليم الأساسي ولكنه يمتهن، في نفس الوقت، تجارة "الزقوقو" بجهتيْ مكثر وكسرى في ولاية سليانة، ويتحدث لـ"الترا تونس" أنه وجد نفسه في محيط اجتماعي يشتغل في هذا القطاع الفلاحي الغابي منذ عقود طويلة.

ويعمل محدثنا اليوم وسيطًا بين "الكرّادة" أي منتجي "الزقوقو" وبعض تجار العاصمة والمدن الكبرى مثل سوسة وصفاقس. وهو يقوم بتجميع المادة وتنظيفها ووضعها في أكياس لائقة ومن ثمة بيعها، ويقول إنه يؤجر "الكرادة" من أبناء البلدة التأجير اللائق بعملهم.

التيجاني هو موظف عمومي في قطاع التعليم الأساسي ولكنه يمتهن، في نفس الوقت، تجارة "الزقوقو" بجهتيْ مكثر وكسرى في ولاية سليانة

وأوضح التيجاني أن وزارة الفلاحة، خلال الفترة التي تسبق الاحتفالات بذكرى المولد النبوي الشريف وبالتنسيق مع السلط الأمنية، تقوم بحملات تفتيش للسيارات التي تعبر ولاية سليانة في اتجاه المدن الأخرى وتحجز الكميات الكبيرة من "الزقوقو" التي يبدو أنها معدّة للإتّجار وهو ما يجعله يتوخى مسالكًا فلاحية وعرة حتى يصل "الزقوقو" إلى طالبيه.

خلاصة، يمثل "التكريد" فعلًا مستمرًا لن ينقطع من أبناء الغابة بحثًا عن "الخبزة المرّة"، وهو عادة غابية متوارثة عبر الأجيال خارج إطار القانون ولكنه يعكس سردية من سرديات الفقر والتهميش الذي يتعرض له أبناء السفوح بالشمال الغربي في تونس.

 

الكلمات المفتاحية

لهجة التونسيين نصفها أندلسية

لغة أهل الأندلس نصف اللهجة التونسية

"اللغة" شقيقة الغابة، تزهر داخلها الكلمات وتورق المعاني وتتوالد القوافي في صمت وهدوء، فتعلو في السماء ضبابًا قطنيا يتسلل إلى شقوق الروح فيحييها وهي تموت في السفوح واقفة كالأشجار، تأكلها نيران الإهمال والطغيان فتتحول إلى رماد من نسيان وهباء


مسجد الألطاف.. المعلَم الذي يخفيه شارع فرنسا بتونس

"مسجد الألطاف".. المَعلم التاريخي الذي يُخفيه شارع فرنسا بتونس

مسجد الألطاف يقوم بوظيفة سياحية باعتباره معلَمًا قديمًا حافظ على حضوره ووجوده في ظل التقلبات السياسية والحضارية التي عرفتها تونس في القرون المتعاقبة.. وهو مقدمة كنوز مدينة تونس العتيقة من المعالم والمواقع


وليد صعنوني.. فلاح تونسي حوّل حقلًا صغيرًا إلى موطن للخضر العملاقة

في تجربة فريدة.. فلاح تونسي يحوّل حقلًا صغيرًا إلى موطن للخضر العملاقة

يعمل وليد صعنوني منذ سنوات على إنتاج خضروات عملاقة في حقل صغير بولاية نابل، في تجربة نموذجية فريدة من نوعها في تونس.


تصميم مقابر تونسية

من الجلاز إلى القرجاني.. قصص مقابر صنعت تاريخ تونس واندثرت

الموت هو الوجه الآخر للحياة، بل هو جوهر الحياة ذاتها، هو قطب التفكير والتدبير الآن وهنا، ولا نحيد عنه كلما سألنا أسئلتنا الوجودية الحارقة ونحن ننظر إلى ما وراء الشمس تطلعًا إلى السماء الواسعة الدالة على اللانهاية. الموت هو المحفز نحو الفنون والآداب كلما استبدت بنا هواجس الخلود والبقاء

الناطق باسم الديوانة تونس تحولت إلى مركز لاستهلاك المخدرات بعد أن كانت بلد عبور.jpg
مجتمع

تفكيك شبكة دولية للمخدرات تُدار من خارج تونس

أعلنت الإدارة العامة للحرس الوطني، يوم الخميس 4 ديسمبر 2025، أنّ وحداتها تمكنت، إثر عمل استخباراتي، من الكشف عن شبكة دولية مختصة في توريد وترويج المواد المخدرة. وتندرج هذه العملية في إطار الجهود المتواصلة لمكافحة مسك واستهلاك وترويج المخدرات وتعقّب العناصر الضالعة في هذا النشاط

عبير موسي الحزب الدستوري الحر محمد مسرة epa.jpg
سیاسة

محامٍ لـ"الترا تونس": تأجيل النظر في قضيتين ضد عبير موسي

شهدت المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف بتونس، اليوم الجمعة، انعقاد جلستين منفصلتين لرئيسة الحزب الحر الدستوري عبير موسي، في قضيتين منشورتين ضدها، قبل أن يُقرَّر تأجيلهما إلى مواعيد لاحقة


العياشي الهمامي_0.jpg
سیاسة

جمعية القضاة: نستنكر بشدة إيقاف العياشي الهمامي وهيمنة السلطة السياسية على القضاء

جمعية القضاة التونسيين: هذه الأحكام "تصدر في سياق جُرِّد فيه القضاء من كل مقومات الاستقلالية وأصبح يرزح تحت الهيمنة الكاملة للسلطة التنفيذية بعد حل المجلس الأعلى للقضاء وإعفاء القضاة وتولي السلطة التنفيذية الإدارة المباشرة للمسارات المهنية للقضاة.."

السفارة الأميركية بتونس تعلن الحدّ من أعمالها تبعًا لقانون الشغل المنقّح
سیاسة

السفارة الأميركية بتونس تعلن الحدّ من أعمالها تبعًا لقانون الشغل المنقّح

سفارة الولايات المتّحدة الأميركية بتونس: "السفارة ستحدّ من أعمالها ابتداءً من يوم 8 ديسمبر 2025، تبعًا للأثر الناجم عن تغيّرات طرأت على قانون الشغل التونسي"

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

حوار| مستشار جبائي: ضغط جبائي مرتفع وتشجيع الاستثمار غائب في مشروع قانون المالية 2026


2
سیاسة

رابطة حقوق الإنسان تحذّر: منعنا من زيارة السجون يعدّ تضييقًا خطيرًا


3
منوعات

نتائج قرعة مونديال 2026.. تعرّف على مجموعة المنتخب التونسي


4
اقتصاد

ارتفاع الأسعار عند الاستهلاك في تونس خلال نوفمبر 2025


5
سیاسة

قدماء مسيّري رابطة حقوق الإنسان: نطالب بإطلاق سراح كل مساجين الرأي والسياسة