"الكرّادة".. رجال "الزقوقو" الذين لا نراهم

عادة غابية متوارثة عبر الأجيال في غابات الشمال الغربي (Getty)

تصدير: "الغابة شقيقة الإنسان" (أمبرتو إيكو)


عندما ندخل الغابة، نشرع في مغازلة غرائزنا فترتبك عادات المدينة بداخلنا فينتابنا إحساس غريب بالتحليق على ذرى الأشجار فيما يشبه الحالة الشعرية، حيث تتجدد المعاني ويبدأ المطلق. هذه هي علاقة الإنسان بالغابة، مزيج من قسوة ورقّة ربما تلخّصها مشاعر قاطفي "الكرد" (المخروط) خلسة أو ما يعرفون في الشمال الغربي في تونس باسم "الكرّادة".

يعيش رجال "الكرد" أو "كرّادة الجبال" في الغابة بطرق وأساليب متوارثة منذ الأزل، إذ تعلّموا "التكريد" ونسج العلاقات الوجدانية والنفعية مع الغابة عن طريق آبائهم وأجدادهم هكذا بالسّليقة. يتسللون إلي الغابة في الأوقات المستحيلة عندما تنام الاشجار في غفلة من حرّاس الغابات أو "القارديانات" كما يسميهم القاطنون على تخوم الغابات وسفوح الجبال.

يعيش رجال "الكرد" أو "كرّادة الجبال" في الغابة بطرق وأساليب متوارثة منذ الأزل وهم يعملون على جمع مخاريط "الزقوقو" كل موسم

ينتظر هؤلاء الرجال موسم طرح الصنوبر الحلبي للمخاريط المحمّلة بحبات "الزقوقو" في فصل الخريف لتبدأ مغامرة "التكريد" في أغلب الغابات التونسية وتحديدًا على مساحة تقارب 360 ألف هكتار، وهي المساحة الجملية لغابات الصنوبر الحلبي تتحوّز ولاية سليانة على النصيب الأوفر منها بنسبة تتجاوز 35 في المائة.

و"التكريد" هو عادة غابية غير قانونية يمارسها الباحثون عن لقمة العيش في الشمال الغربي منذ عهود بتواطؤ أحيانًا من حرّاس الغابات التابعين للإدارة العامة للغابات بوزارة الفلاحة، إذ يأخذ "الكرّادة" وبعفوية الريفيين نصيبهم من غلال الغابة ومنها "كرد الزقوقو".

"ألترا تونس" يقتحم عالم "كرّادة الزقوقو" وينقل قصص بعض "الكرّادة" بجهة سليانة.

اقرأ/ي أيضًا: ما وراء عصيدة الزقوقو.. رحلة الإنتاج الشاقة

سليانة.. عاصمة "الزقوقو" في تونس

تعدّ ولاية سليانة المزوّد الرّئيسي للسوق من مادّة "الزقوقو" التي تستعمل أساسًا في صناعة "عصيدة الزقوقو" التي تعدّها العائلة التونسية بمناسبة ذكرة المولد النبوي الشريف، وهي من العادات الطبخية القديمة التي ظهرت خلال القرن التاسع عشر وتميزّ بها التونسيون دون سواهم. إذ لا نجد لهذا النوع من حلوى العصيدة السوداء في أي مكان آخر من العالم إلا في تونس، ويُستهلك محليًا سنويًا حوالي 300 طن من "الزقوقو" منها 200 طن في موسم الاحتفال بذكرى المولد النبوي.

تستهلك تونس سنويًا 300 طن من "الزقوقو" منها 200 طن في موسم الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف لإعداد "عصيدة الزقوقو"

ولذك كلّما اقتربت ذكرى المولد إلا وتنشط طريق "الزقوقو" بالشمال الغربي لتتحول سليانة عاصمة له يزورها التجار وعامة الناس للتزود بهذه المادة، فيما يتحرّك في نفس الوقت "الكرّادة" في اتجاه الغابة في الليل كما في النهار لتجميع مخاريط "الزقوقو".

أحمد (كرّاد): ورثنا هذا النشاط عن آبائنا وأجدادنا

أحمد هو أحد "الكرّادة" الذين التقاهم "ألترا تونس"، وقبل أن ينبس بالكلام بسط كفّيه المشققتين المجرّحتين أمامنا ليبيّن مدى مشقة الوصول إلى الكرد (مخروط الزقوقو) مبيّنًا أنه وجل أفراد عائلته يتنقلون ليلًا إلى عمق الغابة المجاورة لاحتطاب "الكرد" وهم يتفادون الليالي المقمرة خوفا من عسس الغابات الذين يتنقلون بواسطة السيارات الرباعية الدفع والخيول.

شجرة الصنوبر الحلبي (الزقوقو)

اقرأ/ي أيضًا: غابات تونس.. مصدر رزق وثروة مهدّدة

وأوضح أن العملية تتم في صمت مطبق، إذ يعتلي الرجال الأشجار في حين تتكفل النسوة بجمع المخاريط في الأسفل ووضعها في أكياس تُحمل بعد امتلائها إلى محيط المنازل استعدادًا لإعداد "مردومة زقوقو" ليُتحصل لاحقًا على بضع كيلوغرامات من "الزقوقو" تباع بأثمان لا تقدّر هذا الجهد وتلك المغامرة، وفق تعبير محدثنا.

وأفادنا أن الغابة التي يتوسدون سفوحها ويحرسونها منذ أزمنة كانت وإلى وقت قريب تمنحهم بعض الرزق لكن الدولة تمنعهم تحت مسميات قانونية عديدة قائلًا: "يتم كراء أجزاء من غابة الصنوبر لأصحاب المال الذين يمنعوننا من الاقتراب من غابتنا ويكثفون الحراسة مع انطلاق موسم القطف لكننا نراوغهم ونفتك بعض تلك الغلة حتى تستمر حياتنا كما كانت مستمرة مع آبائنا وأجدادنا".

الهادي (كرّاد): عملية صعبة ومحفوفة بالمخاطر

الهادي هو أيضًا "كرّاد" قديم، يقول لنا إنه يعرف جيدًا مسارب الغابة وهو يتنقل اليها في كل الأوقات ليتزوّد من الصنوبر الحلبي (الزقوقو) ما يقدر على حمله الحمار المصاحب، ولكن يباغته حراس الغابات أحيانًا وإن تشكلت بينه وبينهم صداقة باتت تجيز له التصرف بكل حرية في الغابة وفق قوله.

الهادي (كرّاد): يوفّر بيع "الزقوقو" بعض المال الذي يوفر بعض المؤونة في ظل غلاء المعيشة الذي أصبح لا يُطاق

ويضيف محدثنا الكهل الخمسيني أن الحصول على "الزقوقو" هي "عملية صعبة ومحفوفة بالمخاطر والمتاعب"، مبينًا أنها تبدأ من الغابة بـ"طرشقة كرود الزقوقو" وصولًا الى سوق مكثر أو القيروان من أجل البيع والحصول على بعض المال الذي يوفر بعض المؤونة في ظل غلاء المعيشة الذي أصبح لا يطاق على حد تعبيره.

التيجاني (كرّاد): مسالك وعرة هربًا من التفتيش

التيجاني هو موظف عمومي في قطاع التعليم الأساسي ولكنه يمتهن، في نفس الوقت، تجارة "الزقوقو" بجهتيْ مكثر وكسرى في ولاية سليانة، ويتحدث لـ"الترا تونس" أنه وجد نفسه في محيط اجتماعي يشتغل في هذا القطاع الفلاحي الغابي منذ عقود طويلة.

ويعمل محدثنا اليوم وسيطًا بين "الكرّادة" أي منتجي "الزقوقو" وبعض تجار العاصمة والمدن الكبرى مثل سوسة وصفاقس. وهو يقوم بتجميع المادة وتنظيفها ووضعها في أكياس لائقة ومن ثمة بيعها، ويقول إنه يؤجر "الكرادة" من أبناء البلدة التأجير اللائق بعملهم.

التيجاني هو موظف عمومي في قطاع التعليم الأساسي ولكنه يمتهن، في نفس الوقت، تجارة "الزقوقو" بجهتيْ مكثر وكسرى في ولاية سليانة

وأوضح التيجاني أن وزارة الفلاحة، خلال الفترة التي تسبق الاحتفالات بذكرى المولد النبوي الشريف وبالتنسيق مع السلط الأمنية، تقوم بحملات تفتيش للسيارات التي تعبر ولاية سليانة في اتجاه المدن الأخرى وتحجز الكميات الكبيرة من "الزقوقو" التي يبدو أنها معدّة للإتّجار وهو ما يجعله يتوخى مسالكًا فلاحية وعرة حتى يصل "الزقوقو" إلى طالبيه.

خلاصة، يمثل "التكريد" فعلًا مستمرًا لن ينقطع من أبناء الغابة بحثًا عن "الخبزة المرّة"، وهو عادة غابية متوارثة عبر الأجيال خارج إطار القانون ولكنه يعكس سردية من سرديات الفقر والتهميش الذي يتعرض له أبناء السفوح بالشمال الغربي في تونس.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"رجال الكبّار" في تونس.. رحلة الآلام لقطف ثمار النبتة الجبلية

المولد النبوي في تونس.. احتفالات وطقوس