كمال المطماطي.. الوفاة تحت التعذيب والجثة تبحث عن قبر

كمال المطماطي.. الوفاة تحت التعذيب والجثة تبحث عن قبر

43086 مشاهدة
عائلة كمال المطماطي لا تعرف لليوم مكان دفنه

الترا تونس - فريق التحرير

 

انطلقت الدائرة الجنائية المتخصصة في العدالة الانتقالية بقابس في بداية الأسبوع الثاني من شهر ماي/آيار 2018 في النظر في ملف الشهيد كمال المطماطي الذي مات تحت التعذيب بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 1991، وهو أول ملف كانت قد أحالته هيئة الحقيقة والكرامة على القضاء لمحاسبة الجلادين، وذلك في واحدة من أشنع عمليات قتل المعارضين تحت التعذيب في بداية التسعينيات، إذ لازالت لا تعرف عائلته لليوم مكان دفنه.

قضية كمال المطماطي هي واحدة من أشنع عمليات قتل المعارضين في التسعينيات إذ لا تعرف عائلته إلى الآن مكان دفنه بعد قتله تحت التعذيب

وسبق وإن قدمت والدته وزوجته شهادة لا تزال عالقة في أذهان التونسيين من شدة ما عاشته العائلة، وذلك في أولى جلسات الاستماع العلنية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

جلسة الاستماع العلنية لعائلة الشهيد كمال المطماطي - نوفمبر/تشرين 2016

قتلوه تعذيبًا دون رحمة

ولد كمال المطماطي بمطماطة من ولاية قابس يوم 3 مارس/آذار 1956، إذ درس العلوم والرياضيات وتزوج من قريبته ورزق منها بابن وبنت. وعمل كمساعد مهندس بفرع شركة الكهرباء والغاز بقابس، كما نشط في العمل النقابي وأيضًا في العمل السياسي ضمن حركة الاتجاه الإسلامي وهو ما جعله محلّ استهداف من قبل السلطة.

اقرأ/ي أيضًا: فيصل بركات... قتلوه تعذيبًا ثم قالوا "حادث مرور"!

إذ انطلق نظام المخلوع بن علي بداية التسعينيات في حملة ممارسة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تجاه المعارضين السياسيين والحقوقيين، وذلك بعد انكشاف زيف وعوده بعد انقلاب 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987، وقد أطلق النظام حملة قمع غير مسبوقة عبر الإيقافات التعسفية والمحاكمات غير العادلة والتعذيب وهو ما بلغ إلى درجة القتل على غرار فيصل بركات ورشيد الشماخي الذين سبق لهيئة الحقيقة والكرامة قد أحالت ملفهما على القضاء المختص في العدالة الانتقالية أيضًا. إذ في خضم أجواء الترهيب، وقع الموظف كمال المطماطي في قبضة أجهزة البوليس التي لم تكن ترأف بكلّ من يقع بيدها.

كمال المطماطي هو أحد ضحايا حملة القمع التي أطلقها نظام المخلوع بن علي ضد المعارضين والحقوقيين بداية التسعينيات

وقع القبض على المطماطي بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الثاني 1991 في مقرّ عمله بشركة الكهرباء والغاز بقابس، واقتادوه بالقوة إلى مكاتب المصلحة المختصة في مقر منطقة الشرطة بقابس. حيث تداول أعوان الأمن على تعذيبه بطريقة وحشية عبر ضربه بكل قوة على مختلف انحاء الجسم ما أدى لكسور بيديه وإغمائه. وقد عاين أحد الموقوفين، وكان طبيباً، تلك الكسور لما طلب منه فحصه في المرة الأولى وأعلمهم بها، لكن أصر الاعوان على مواصلة التنكيل به ساخرين بالقول "أفلام عنا منها برشة" وذلك وفق ما تكشفه جذاذة الضحية التي نشرتها هيئة الحقيقة والكرامة في وقت سابق.

لم تكن نتيجة هذا التعذيب الوحشي ودون أي شفقة إلا الموت، إذ قبضوا عليه الساعة الثانية بعد الزوال وقتلوه مع منتصف الليل. وطلب الأعوان حين وفاته من الطبيب مجدًدا فحصه والذي أكد الوفاة. فقام حينها الجلادون بسحب الجثة الى خارج المكتب، وقد أوهموا الموقوفين مع كمال حين افتقدوه أنه تم نقله لمقر وزارة الداخلية لمواصلة البحث معه. وتكشف الشهادات أن معاملة الأعوان تحولت من النقيض إلى النقيض إذ انقطع تعذيب الموقوفين طيلة الثلاثة أشهر التي أمضوها هناك رهن الإيقاف، إذ يبدو أن الأمنيين تلقوا تعليمات بعدم تعذيب أي موقوف خشية وقوع ضحية ثانية.

قام الأمنيون بتعذيب كمال المطماطي بطريقة وحشية ما أدّى لمقتله في نفس يوم إيقافه ثم قاموا بنقل الجثة من قابس إلى تونس العاصمة

وجاء، في الأثناء، على لسان الأمنيين وفق ما تكشف هيئة الحقيقة والكرامة، أنهم تولوا نقل جثة الضحية إلى تونس في ليلتها بأمر من وزارة الداخلية، وأنهم أوصلوا الجثة لمستشفى قوات الأمن الداخلي بالمرسى وسلموه لشخصين هناك ثم عادوا إلى مدينة قابس، لينطلق مسلسل إخفاء معالم الجريمة أوله اختفاء الجثة وعدم معرفة العائلة المكلومة بمصير ابنها.

عائلة تدمّرت بالكامل!

عانت عائلة كمال المطماطي الأمرين بحثًا عن ابنها الذي لم تكن تعرف مصيره، إذ تحولت بعد يوم من وفاته إلى منطقة الشرطة بقابس للسؤال عن مصيره ظنًا منها أنه مازال موقوفًا، ولكن عوض أن تعلمهم السلطات بوفاته، أخبرتهم بأنه ليس محلّ إيقاف، ولا يوجد لديهم موقوف بهذا الاسم. وقد أصرّ الأمنيون على إنكار الحقيقة رغم أن زوجة كمال شاهدت اسمه ضمن قائمة الموقوفين بدفتر الإيقاف.

اقرأ/ي أيضًا: قلع أظافر ورصاصة في الرأس.. عن قصة مقتل نبيل بركاتي

ظلّت العائلة تعيش الأهوال ولا تعرف مصير ابنها. تقول والدة الشهيد، في هذا الجانب، أن الأمنيين كانوا يرفضون تلقّي ملابس الشهيد التي كانت تحملها لمركز الأمن، إذ كانت تظنّ أن ابنها الموقوف بحاجة لتغيير ملابسه. وتذكر كذلك أنه في إحدى الأيام طلب منها أحد الأمنيين جلب وجبة عشاء لابنها، ففرحت وأعدت فعلًا وجبة ولكن بعودتها في المساء لمركز الأمن قام الأعوان بإهانتها وطردها.

أم الشهيد كمال المطماطي تروي معاناتها في البحث عن ابنها

تضيف أم الشهيد في شهادتها المؤثرة أنها تحولت بنفسها لاحقًا إلى العاصمة بحثًا عن ابنها، وظلّت على هذه الحال أربع سنوات، وكانت العائلة تبحث عن ابنها بأماكن الاحتجاز والسجون والمستشفيات وحتى الثكنات العسكرية بمختلف أنحاء الجمهورية دون جدوى، واتصلت العائلة بمسؤولي وزارة الداخلية والسلطات القضائية ورئاسة الجمهورية ولكن دون الظفر بأي معلومة عن مصير ابنها. وتقول العائلة أنها لم تتلق معلومة بمقتل كمال إلا سنة 2009 أي بعد 18 سنة كاملة من تاريخ مقتله، ولكن طبعًا دون القدرة على استخراج شهادة وفاة أو معرفة مكان دفنه.

ظلّت عائلة كمال المطماطي تبحث عن ابنها طيلة سنين في كل مراكز الإيقاف والسجون والمستشفيات ولم تعلم بمقتله إلا سنة 2009 

لم يكف السلطة، في الأثناء، قتل كمال وعدم إعلام عائلته التي ظلت لسنين تبحث عن ابنها، حتى قامت أيضًا بمحاصرة العائلة والتضييق عليها، إذ قامت باعتقال أخ كمال الذي كان يعول أسرته، كما كانت تنكّل بكل شخص يقوم بمساعدة العائلة، وقد أدى هذا المنع من الارتزاق بالعائلة لتقوم ببيع أملاكها.

وتقول والدة الشهيد أنها اضطرّت للخروج للعمل في "الحمّام" وكعاملة نظافة في البيوت لمدة ثلاث سنوات لتوفير قوت يومها. وقد أدت هذه الأوضاع المزرية للعائلة لانقطاع عدد من أفرادها عن الدراسة، فيما أصيبت الشقيقة الصغرى للشهيد بأمراض نفسية نتيجة فقدانها لأخيها، كما أصيبت الأم بالسكّري وضغط الدم.

أم الشهيد كمال المطماطي تتحدث عن معاناة العائلة بسبب التضييقات

في خضم ذلك، ظلت العائلة لا تعرف مصير ابنها ولكن كانت على يقين أنهم قتلوه، ولكن حرموهم حتى من معرفة مكان دفنه. في هذا الجانب، صرح في وقت سابق نائب رئيس حركة النهضة ومجلس نواب الشعب عبد الفتاح مورو أنه تلقى معلومة أن الأمن ألقوا بجثة كمال المطماطي في خرسانة إحدى الجسور التي كانت في طور البناء حينها.

المحاسبة مطلب عائلة الشهيد

بعد الثورة، تم فك الحصار على العائلة التي تقدمت بشكاية لوكيل الجمهورية بقابس، وتعهد حاكم التحقيق بالبحث واستمع للشهود الذين ذكروا حقيقة إيقاف كمال وطريقة تعذيبه ووفاته بمركز الإيقاف. كما اعترف الأمنيون بالتعذيب وبوفاة كمال نتيجة ذلك وتسليمهم الجثة لمستشفى المرسى. ولكن حفظ حاكم التحقيق التهم في حق الأعوان لانقضاء الدعوى بمرور الزمن. وقامت دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف بقابس لاحقًا بتاريخ 21 ماي/آيار 2013 بنقض قرار حاكم التحقيق بإحالتها للأعوان على المحكمة لأجل تهم قتل نفس بشرية عمدًا والتعذيب الناجم عنه الموت وحجز شخص دون إذن قانوني تبعه التعذيب.

لم يقم القضاء العادي بالقيام بالتتبعات بعد الثورة بسبب سقوط الدعوى بمرور الزمن ولكن تمّ إحياء القضية بفضل العدالة الانتقالية 

ولكن رأت محكمة التعقيب أن التهم قد سقطت بمرور الزمن، بذلك لم يكن القضاء العادي في السنوات الماضية بابًا مفتوحًا حتى حلّت العدالة الانتقالية التي تتولى معالجة انتهاكات حقوق الإنسان بغض النظر عن سقوط الدعوى بمرور الزمن، لتقوم عائلة الشهيد كمال المطماطي بإيداع ملف لدى هيئة الحقيقة والكرامة التي قامت بدورها بإحالة ملف الشهيد إلى القضاء المختص في قابس بتاريخ 2 مارس/آذار 2018 كأول ملف تقع إحالته على الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية. وذكرت الهيئة أن لائحة المتهمين في قضية الشهيد تضمّ 14 شخصًا.

ولازالت تنتظر عائلة الشهيد في الأثناء معرفة مكان دفن جثمان زوجها لتقوم بإعادة دفنه في مقبرة لتتمكن من زيارته وقراءة الفاتحة ترحًما عليه وتلك أبسط الحقوق، وذلك في انتظار محاسبة القتلة سواء من أمنيين أو قيادات سياسية. إذ تؤكد زوجة الشهيد على مطلبها في محاسبة القتلة، ولم يظل الأمل معلّقًا اليوم إلا بقضاء العدالة الانتقالية، إذ من المنتظر عقد أول جلسة بتاريخ 29 ماي/آيار القادم.

عائلة الشهيد كمال المطماطي:" نريد رد الإعتبار لابننا ومحاسبة الجلادين"

 

اقرأ/ي أيضًا:

33 متّهمًا أمام القضاء في قضية مقتله.. تعرف على قصة مقتل رشيد الشماخي

مأساة العميد كردون.. لما اُغتيل شرف الجيش التونسي!